فهرس الكتاب

الصفحة 907 من 3028

و يعتبر المبشر (ريمون لول) أول نصراني، يتولى التبشير بعد فشل الحروب الصليبية في مهمتها، إذ أنه قد تعلم اللغة العربية بكل مشقة، وأخذ يجول في بلاد الشام، مناقشًا علماء المسلمين، ومنذ القرن الخامس عشر الميلادي، وأثناء الاكتشافات البرتغالية، دخل المبشرون الكاثوليك إلى أفريقيا، وبعد ذلك بكثير أخذت ترد الإرساليات التبشيرية البروتستانتية، إنجليزية، وألمانية، وفرنسية.

وقد اهتمت الكنيسة بتوجيه الجهود إلى التبشير في المجتمعات الإسلامية، تريد أن تقتلع الإسلام من نفوس المسلمين، أو تبعد المسلمين عن الإسلام ، حتى يمكن أن يعتز الإنسان بالقومية أو الحزبية أو الاشتراكية، أو ما جرى مجرى هذا، دون أن يفكر في الإسلام.

ويكاد يجمع المبشرون فيما بينهم على أن القوة التي تخيف أوروبا وأمريكا هي قوة الإسلام والمسلمين، ولذا يعمل التبشير بكل ما يملك على تمزيق الأمة الإسلامية ، ويصرح المبشر لورانس براون بالهدف الحقيقي للمبشرين من عملهم في بلاد المسلمين فيقول: (إذا اتحد المسلمون في إمبراطورية عربية، أمكن أن يصبحوا لعنة على العالم وخطرًا، أو أمكن أن يصبحوا أيضا نقمة له، أما إذا بقوا متفرقين فإنهم يظلون حينئذ بلا وزن ولا تأثير) .

ويعبر القس صمويل زويمر عن النوايا السيئة التي يحملها ا لتبشير للإسلام والمسلمين، فيقول: (لا ينبغي للمبشر المسيحي أن يفشل أو ييأس ويقنط، عندما يرى أن مساعيه لم تثمر في جلب كثير من المسلمين إلى المسيحية، لكن يكفي جعل الإسلام يخسر مسلمين بذبذبة بعضهم. . عندما تذبذب مسلما، وتجعل الإسلام يخسره، تعتبر ناجحًا يا أيها المبشر المسيحي، يكفي أن تذبذبه ولو لم يصبح هذا المسلم مسيحيا) .

وصمويل زويمر رئيس إرسالية التبشير العربية، ورئيس جمعيات التنصير في الشرق الأوسط، كان يتولى إدارة مجلة العالم الإسلامي الإنجليزية التي أنشأها سنة 1911م، ومنذ عام 1894م قدمت له الكنيسة الإصلاحية الأمريكية دعمها، وأبرز مظاهر عمل البعثة التي أسسها زويمر كان في حقل التطبيب، ويعد زويمر من أكبر أعمدة التنصير في العصر الحديث، وقد وضع كتابًا تحت عنوان (العالم الإسلامي اليوم) جاء فيه:

1-يجب إقناع المسلمين بأن النصارى ليسوا أعداء لهم.

2-يجب نشر الكتاب المقدس بلغات المسلمين، لأنه أهم عمل مسيحي.

3-تبشير المسلمين يجب أن يكون بواسطة رسول من أنفسهم ومن بين صفوفهم، لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أعضائها.

4-ينبغي للمبشرين ألا يقنطوا إذا رأوا نتيجة تبشيرهم للمسلمين ضعيفة، إذ من المحقق أن المسلمين قد نما في قلوبهم الميل الشديد إلى الأوروبيين.

ويقول صمويل زويمر في مؤتمر القدس التنصيري عام 1935م: (لكن مهمة التبشير التي ندبتكم لها الدول المسيحية في البلاد الإسلامية، ليست في إدخال المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هداية لهم وتكريمًا وإنما مهمتكم هي أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقًا لا صلة له بالله. وبالتالي لا صلة له بالأخلاق الحميدة التي تعتمد عليها الأمم في حياتها) .

ويقول أيضًا: (إنكم أعددتم نشئًا لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام ، ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي فقد جاء النشء طبقًا لما أراده الاستعمار، لا يهتم بعظائم الأمور، ويحب الراحة والكسل، فإذا تعلم فللشهوة، وإذا تبوأ أسمى المراكز، ففي سبيل الشهوة يجود بكل شيء) .

إن المبشرين كانوا يخططون لاختراق مجتمعات المسلمين في دقة وخبث ودهاء، فالمبشر لويس ماسينيون قام على رعاية التبشير والتنصير في مصر، وكان عضوًا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، كما أنه كان مستشارًا لوزارة المستعمرات الفرنسية في شؤون شمال أفريقيا، والمبشر (دون هك كري) كان أكبر شخصية في مؤتمر لوزان التبشيري وهو بروتستانتي، عمل مبشرًا في الباكستان لمدة عشرين سنة.

ولقد كان للمبشرين ولا يزال الكثير من المؤتمرات الإقليمية والعالمية التي يناقشون فيها خطط التبشير، واتخاذ ما يرونه مناسبًا لهم، ومن تلك المؤتمرات المؤتمر التبشيري العالمي في أدنبرة باسكوتلنده عام 1328هـ - 1919م ، وقد حضره مندوبون عن 159 جمعية تبشيرية في العالم، ومن أخطر المؤتمرات مؤتمر كولورادو في 15 أكتوبر 1978م، تحت اسم (مؤتمر أمريكا الشمالية لتنصير المسلمين) حضره مائة وخمسون مشتركًا يمثلون أنشط العناصر التنصيرية في العالم، استمر لمدة أسبوعين بشكل مغلق، وانتهى بوضع استراتيجية بقيت سرية لخطورتها.

وما أكثر مؤتمرات التبشير التي تعقد في أماكن متفرقة حسب الحاجة لعرقلة جهود المسلمين، واقتلاعهم من الإسلام ، ويتخذ المبشرون وسائل وأساليب متعددة تحيط بالإنسان ومن وسائلهم التطبيب، والتعليم، والأعمال الاجتماعية، والفتن، والحروب، يقول الدكتور نجيب الكيلاني: (إن روح التعصب الأعمى ضد كل ما هو إسلامي، لم تزل سائدة حتى أيامنا هذه، تلك الروح التي غذاها المبشرون ورجال الدين من معتنقي الصليبية القديمة) .

إن الباحث في أساليب التبشير التي أحاطت بالمسلمين، يجد أن هذه الأساليب أضرت بالمجتمعات الإسلامية، وأصبحت عاملًا معوقًا لكل تقدم إسلامي، وقد نجح التبشير في مواقع كثيرة، لأن إمكاناتهم هائلة، يتحملون ويعملون ويصبرون ويخططون ويتربصون، وإذا كنا تنبهنا أخيرًا إلى الأخطار المحدقة بالمسلمين من جانب المبشرين، فإن تنبهنا لم يأخذ بنا إلى الطريق السليم، وليس من الكياسة أن نكتفي بإنشاء مراكز للدعوة هنا وهناك، إن الأمر يقتضي قبل مراكز الدعوة أن نكون أقمنا الملاجئ والمستشفيات والمدارس والمعاهد ومؤسسات الإغاثة والإعاشة

المواجهة

المواجهة الصحيحة تقتضي عملًا يعمل، لا كلامًا يقال: إن المبشرين يعملون ونحن لا نعمل، وإذا رغبنا في مواجهتهم لإنقاذ إخواننا المسلمين، فلا بد وأن يكون عملنا أزيد من عملهم، وتحركنا أسرع من تحركهم.

إن المواجهة تحتاج إلى تخطيط، وتنظيم، واتساع المواقع، والتعرف الدقيق، فإذا ما فعلنا ذلك، كان ذلك بداية في طريق طويل.

أما أن نترك المسلمين في قارتي أفريقيا وآسيا وغيرهما تفترسهما النصرانية، فإن ذلك أمر بالغ الخطورة.

وإذا كان للتبشير مؤتمرات دولية، ومعاهد علمية، وجمعيات تبشيرية، فلماذا لا تكون للمسلمين مؤتمرات للدعوة والمواجهة، وهنا ربما يقول قائل: للمسلمين مؤتمرات للدعوة كثيرًا ما سمعنا وقرأنا عنها. . نعم للمسلمين مؤتمرات، ولكن الناس يجتمعون فيها لينفضوا، فهي تساوي مظاهرة في الشارع، فيها تصفيق وكلام، ثم يدخل كل واحد بيته.

نحن نريد مؤتمرات لا تكون توصياتها وقراراتها حبرًا على ورق، وإنما نريد عملًا يعمل في دقة وتخطيط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت