فهرس الكتاب

الصفحة 1839 من 3028

وكانت قمة استعادتي لهويتي الإسلامية رحلة الحج التي قمت بها عام 1983 ولم أسافر للحج إلا بعد أن وجدت نفسي خلصت لهذا الأمر وأعدت بنائي الفكري والسلوكي على أساس إسلامي.. وقد أخذ مني ذلك وقتًا كبيرًا حتى أسافر وأنا نظيف وهناك شعرت كأنني خرجت من جاذبية كوكب معين إلى جاذبية كوكب آخر وحينما رأيت الكعبة سألت نفسي: من الذي آتى بي إلى هنا؟ وشعرت بهداية الله وتذكرت قوله تعالى: [ثم تاب عليهم ليتوبوا] .

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه وبعد:

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًا بيده ثم قال:"هذا سبيل الله مستقيمًا"، قال: ثم خط عن يمينه وشماله ثم قال:"هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه"، ثم قرأ { وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل} . رواه النسائي (11174) ، والإمام أحمد (4437) واللفظ له ، والحاكم في المستدرك (2938) .

ذكر تعالى الصراط مفردًا للدلالة على أن طريق الحق واحد لا يتعدد، وجمع السبل للتنبيه على أن طرق الضلال متشعبة وكثيرة .

قال تعالى في سورة البقرة { يخرجهم من الظلمات إلى النور} ، قال الشنقيطي في أضواء البيان (1/158) : المراد بالظلمات: الضلالة ، وبالنور الهدى ، وهذه الآية يفهم منها أن طرق الضلال متعددة لجمعه الظلمات ، وأن طريق الحق واحدة لإفراده النور .

وكما أن أمة الإسلام وسط بين الأمم ، ودين الإسلام وسط بين الأديان لقوله {وكذلك جعلناكم أمة وسطًا} ، فإن أهل السنة والجماعة هم وسط بين الفرق الضالة والمناهج المبتدعة ، وهم الفرقة الناجية ، كما قال صلى الله عليه وسلم:"عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وسبعون في النار وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار قيل يا رسول الله من هم قال الجماعة". رواه ابن ماجة (3992) وصححه الألباني في صحيح الجامع (1083) ."

فأهل السنة والجماعة وسط بين الفرق كلها ، يتمسكون بروح الإسلام، ويتمثلون وسطية الشريعة دون إفراط أو تفريط ، ودون غلو أو تساهل ، يرشدون إلى الحق من تنكب الصراط ، ويأخذون بيد من انحرف يمينًا أو شمالًا على جادة الصواب .

وسنسلط الضوء في هذه المحاضرة على نوعي الانحراف"الإفراط والتفريط"،"الغلو والتساهل"، التكفير والتغريب"، وجنايتهم على الأمة وإضرارهم البالغ بها."

فبالرغم من أن كلا الفريقين يحمل مشروعًا يختلف عن الآخر في الظاهر ، إلا أن المتتبع بدقة يلحظ أن تشابهًا كبيرًا بينهما في الأهداف والمآلات والنتائج التي أضرت بالأمة ولم تنفعها. فمن ذلك:

ـــ أن كلا الفريقين يعمل على زعزعة الأمن الفكري ، وذلك بمحاولة إسقاط العلماء وتهميشهم ، لإدراكهم أن العلماء هم صمام الأمان الذي يحبط ويفشل ما يخططون له من إفساد وتغريب وقتل وتخريب.وإذا أسقط العلماء خلت الساحة أمامهم لبث أفكارهم وسمومهم .

هاجم أحد الكتاب (عكاظ 12 / 8 / 1427 هـ ن الموافق 5 سبتمبر 2006 م العدد 1906) العلماء بقوله: ما هي مواصفات «العالم» ... أو ما هو المقياس الذي يطلق على أساسه لقب (عالم) ؟!

نعلم جميعًا أن كل ذلك إنما هو -على الأغلب الأعم- مجرد اجتهادات من أناس ربما لا يملك أكثرهم حق هذا النوع من «الاجتهاد» فضلًا عن غيره.

ولكن -رغم كل ذلك- يحدث كثيرًا أن تتعارف مجموعة من الناس -قلّت أو كثرت- على كون الشخص الفلاني يحمل صفة «العالم» دون أدنى معرفة بكنه «الصفة» فيصبح عالمًا بالضرورة بصرف النظر عن مدى علمه!! ، ومن ثم يصبح محاطًا بهالة من الجلال، والوقار، والبقية معروفة!! .

وقال آخر (الجزيرة يوم الثلاثاء الموافق 12/8/1427هـ ) عن سماحة مفتي عام المملكة بأنه"يستعرض عضلات لسانه من على المنبر". في محاولة مكشوفة للانتقاص من الشيخ ومكانته.

وفي مقال نشر في بعض المنتديات بعنوان:"بعد سقوط الفوزان ... مزيدًا من الحركة كفيل بكشف التطرف في بلادنا"، قال الكتاب عن سماحته: يأتي بالعجائب في كل مرة تتاح له الفرصة للحديث أو الإفتاء أو الرد على فكرة أو مقال .

هذا الهجوم الليبرالي التغريبي على العلماء لإسقاطهم ينسجم ويتوافق مع هجوم مماثل يقوم به التكفيريون ضدهم ، لكن بلون آخر وحجج أخرى .

فالعلماء عند التكفيريين هم علماء سلطة ، وزبانية الظلمة ، ومفتون للحكام وفق ما يشتهون ، لا يفقهون الواقع ، علماء حيض ونفاس ، علماء الوراق الصفراء وحسب ، منافقون ، مداهنون ، يبيعون دينهم بعرض من الدنيا قليل.

في مقابلة لأسامة بن لادن مع صحيفة أوصاف الباكستانية ونشرتها صحيفة عرب نيوز على موقعها الالكتروني (بتاريخ 16 /11/2001 م ) قال أسامة: ليست لفتوى أي عالم رسمي قيمة عندي.

وقال في برنامج"أولى حروب القرن"الذي بثت قناة الجزيرة بتاريخ 03/11/ 2001: (فإذا قامت الضحية لتنتقم لأولئك الأطفال الأبرياء في فلسطين، والعراق، وجنوب السودان، والصومال، وفي كشمير، وفي الفلبين، قام علماء السلاطين وقام المنافقون يدافعون عن الكفر الظاهر -حسبي الله عليهم أجمعين- فالعوام قد فقهوا المسألة، وهؤلاء مازالوا يجاملون هؤلاء الذين تواطؤوا مع الكفار على تخدير الأمة عن القيام بواجب الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا) أهـ.

وقال أسامة بن لادن في خطابه الذي وجهه للشيخ عبد العزيز بن باز بتاريخ 27 /7 / 1415هـ الموافق 29/12/1994م: ( فضيلة الشيخ: لقد تقدمت بكم السن ، وقد كانت لكم أياد بيضاء في خدمة الإسلام سابقًا ، فاتقوا الله وابتعدوا عن هؤلاء الطواغيت والظلمة الذين أعلنوا الحرب على الله ورسوله) أهـ.

هكذا بجرة قلم يتطاول على العلماء الثقات الأثبات ، ويحكم على ولاة الأمر بأنهم طواغيت ، متغافلًا عن خدمتهم للدين ونشرهم الشريعة ، فكم من المساجد و المراكز الإسلامية في أنحاء العالم بنوها؟. ويكفيهم شرفًا خدمة حجاج بيت الله الحرام ونشرهم القرآن الكريم والكتب النافعة وإغاثة للمسلمين .

وفي برنامج لقاء خاص مع محفوظ ابن الوالد"أبو حفص الموريتاني"، أحد أعضاء تنظيم القاعدة البارزين بثته قناة الجزيرة بتاريخ30/11/2001 قال: ثم إني أقول للذين ذرفوا دموع التماسيح، وخطبوا من على المنابر في الكعبة المشرفة وعلماء الأزهر في أكثر من بلد إسلامي يذرفون دموع التماسيح على الأبرياء في أميركا، أين دموعكم ؟. أهـ.

ـــ ومن جناية طرفي الانحراف أن كليهما يضر بالمجتمع ، من حيث ادعى الحرص على مصلحته وإصلاحه ، فالطرح التغريبي الإفسادي بالدعوة إلى تنحية الشريعة وتحجيم الدعوة والدعاة والترويج لسفور المرأة والاختلاط وما صاحب ذلك من تحول سلبي في بعض وسائل الإعلام كلها أمور تهدد استقرار المجتمع ، فانتشار المعاصي والمنكرات من أكبر عوامل زعزعة الاستقرار ، وتفسد على الناس دينهم ودنياهم وتعطل مصالحهم.

والتغريبيون يهددون وحدة المجتمع واستقراره من خلال التحريض على العنف واستفزاز بعض المتحمسين بمهاجمة تحكيم الشريعة والدعوة .

اتهم كاتب ليبرالي المجتمع بأنه لا عقلاني لأنه يحكم الشريعة ( الوطن عدد73 في 51/9/1421هـ ) فقال: صَمَّ أذنيه ووقع تحت هيمنة النقل وابتعد عن تفعيل العقل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت