ومن تعاسة الحضارة المادية، أنها عكست كرائم النعم، والملكات التي أنعم الله بها على الإنسان، عكسًا أسقط الإنسان في وديان الهلاك والدمار، وسقط بالإنسانية دون عالم الحيوان، فراجت خسائس العادات، و ذمائم الصفات من الاختلاط الفاضح، والشذوذ في السلوك، وظواهر الخنفسة والهيبيز، والارتخاص، والابتذال والخلاعة.
لقد تقدمت العلوم بلا ريب، ولكن هذه الحضارة التي علمت الناس كيف يسبحون في الماء بالغواصات الجبارة، وكيف يطيرون في الفضاء، وفي الهواء وفوق السحاب، عجزت حتى اليوم عن تعليم ناسها، وشعوبها كيف يسيرون على الأرض في طريق الخير، بغير عوج والتواء، أو تعثر.
إن الغرب اليوم في حيرة بالغة ، وقلق واضطراب شاملين، وكل ذلك يأخذ عليهم عقولهم وقلوبهم، وأصبح الضمير هناك لا يطمئن إلى عقيدة أو مبدأ أو نظام، فلم يعد يجد اليقين الذي يفيء إلى ظله، في جو من الهدوء والراحة والاستقرار.
والبشرية اليوم في مفترق الطريق، فهناك اضطراب في الأفكار وحيرة في الاتجاهات، وزعزعة في النظم، وخواء من العقيدة، أصبح يجرفها دولة بعد دولة، وشعبًا بعد شعب، إلى هاوية المادية والضلال.
وليس الحال في الشرق والبلاد العربية، بأحسن من الغرب، فقد انحرف الكثير عن الدين في غير قليل من شؤون الحياة. لقد تأثرت بعض المجتمعات بالغزو الحضاري الغربي. وليس ذلك التأثير في الجانب العلمي، والصناعي، والعمراني، ولكن - للأسف - وفي أسوأ المساوئ، وأصبح بعضهم يقلد الغرب في كل ما هب ودب، وما من ظاهرة من الظواهر العفنة، ولا موضة من موضات العصر، إلا ولها في بعض المجتمعات صدى واهتمام.
لقد أفلست الحضارة الغربية، برغم التقدم العلمي الهائل الذي وصلت إليه، وبدأ الإنسان الأوروبي يهرب من حضارته، لأنه لم يحس في ظلها بالسعادة، ولم يحس في مجتمعه بالأمن، والأمان والاطمئنان، فقد انتشرت عصابات القتل، والخطف، والتخريب، والإرهاب، وتفاقم خطر الجريمة، وازداد عدد المجرمين، وامتلأت البلاد بجماعات العربدة والفجور، وأقيمت نوادي العراة، وأبيح في غير استحياء الشذوذ الجنسي إلى غير ذلك.
وأخيرًا لهذا وغير هذا: لجأ الغربيون إلى الهروب من معتقداتهم الدينية، ومذاهبهم الاقتصادية، بل من كل حضارتهم التي افتتنت بالعلم والعقل، فأصبحت شقية عمياء لا تبصر، طارت بحضارتها إلى الفضاء، وانحدرت بالشباب الغربي إلى مدارك السفالة والانحطاط، ليعيشوا في حياة الجنس والخمر، ونوادي العراة.
والشيوعية في الشرق وفي الغرب قد أعلنت فشلها وسقطت، بعد أن شبع الناس جوعًا، وبكوا توجعًا، وتألموا من شدة الكبت، وفقدوا كل كرامة وكل شيء.
وهكذا تعجز النظم البشرية، والقوانين الوضعية، عن تقديم أي عون للإنسان، أو الأخذ به إلى الطريق السليم، مما يؤكد ضرورة الإسلام للمجتمعات الإنسانية، لأن الإسلام قد انطوى على طاقة روحية جعلت منه - عند التطبيق - قوة فعالة ومؤثرة، بل إن فاعلية الإسلام، شملت حياة الأفراد، وحياة الجماعات من جميع الجوانب.
والإنسانية في عصرنا هذا أشد ما تكون حاجة إلى الدين الإسلامي، فإن التقدم العلمي المادي الذي غزا الفضاء، لم يستطع أن يحقق للناس السعادة والطمأنينة التي ينشدون، بل زادهم تكالبًا على المادة، وتنافسًا جشعًا جر إلى حروب.
فالذي نرجوه إذن لإصلاح هذا العالم، الذي نعيش فيه، بعد أن أفلست كل نظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبعد أن ظهرت فيه فلسفات تدعو لإنكار وجود الله، والتحلل من المسؤولية، وفاضل الأخلاق.
إنه لا شيء غير هذا الدين الإسلامي، فلا خلاص للإنسانية إلا بالرجوع إلى الدين الحق، ولن نجد هذا الدين -كما أنزله الله- واضحًا ميسرًا، خاليًا من الغموض والتعقيد، سليمًا من التحريف والتبديل، إلا في الإسلام خاتم الرسالا الإلهية، فهو دين الروح والمادة، والقلب والعقل، والفرد والجماعة، والدنيا والآخرة.
فإلى هذا الإسلام في عقيدته وشريعته، في عباداته ومعاملاته، في نظمه وأخلاقه، ندعو البشرية كلها: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورًا مبينا. فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطًا مستقيما ً) (النساء:174-175)
هذا الدين لا يزال العالم في حاجة شديدة إليه، ولا خلاص للإنسانية مما تعانيه إلا بالإيمان به ، فهو الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر والداعي إلى الحق، وإلى الصراط المستقيم.
من المعلوم أن الإيمان هو نبع الفطرة في صدقها وصفائها.. وإذا صدق الإيمان في القلب. كان لذلك آثاره في عقيدة المؤمن وشعوره، وفي صلته بالله تعالى، وفي جهاده في الحياة، فلا يقبل إلا الحق، ولا يعبد إلا الله، ولا يخشى في الله لومة لائم، ولا يرتبط بالباطل في قول أو عمل، بل يكون شهيدًا على الناس من حوله. يرشد ضالهم. وينصح مخطئهم، ويعطيهم من نفسه المثل والقدوة، بأخلاقه وسلوكه، مؤثرًا فيهم بما في قلبه من النور واليقين. غير متأثر بما لدى بعضهم من باطل.
وصاحب الإيمان الصادق لا تزيده الأيام إلا يقينًا، فإن أصابه خير شكر ربه، وأدى حق الله في نعمته، وإن أصابه شر حمد الله، ورضي بقضائه، ولا يضعف ثقته بالله شيء. .
قال تعالى في سورة الحجرات: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ) (الحجرات:15) .
وقال تعالى في سورة الأنفال: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقًا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ) (الأنفال:2-4)
روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء: الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والذي إذا أشرف على طمع تركه لله عز وجل) .
وكما أن الخوف من الله ومراقبة جلاله أثر من آثار الإيمان الصادق، فإن حب الله ، وحب الرسول صلى الله عليه وسلم ، وحب الإسلام كمنهج للحياة بحيث لا يربو على هذا الحب شيء أبدًا، يدل على صدق الإيمان كذلك، وعمقه في ضمير المؤمن.
ولا شك أن الإيمان الصادق العميق، يحيا به ضمير المؤمن، وتسلم به اتجاهاته. . فبينما يتخبط الملايين، في دياجير الظلام الحالك، وسبل الضلال، ترى المؤمن بوحي من تفاعل الإيمان في كيانه: مرهف الحس، صادق العزم، صالح العمل، لا تستذله الحياة، وما فيها، ولا تعصف به الشدائد مهما بلغت حدتها.
قال تعالى في سورة الزمر: (اللهُ نزَّل أحسن الحديث كتابًا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء، ومن يضلل الله فما له من هاد ) (الزمر:23) .