أما الكتّاب والمفكرون ذوو الاتجاه الإسلامي مثل حمزة منصور فقد قالوا في الوحدة الوطنية إنها فريضة شرعية وضرورة حياتية، ولكنها ليست بمعزل عن الوحدة العربية والإسلامية. ويستشهد حمزة منصور على موقع جبهة العمل الإسلامي على شبكة الإنترنت أن فرضية الوحدة الوطنية آتية من قوله تعالى ? وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ? [آل عمران 103] وقوله تعالى ? وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ? [آل عمران 104] وقوله تعالى ? وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ? [المائدة 2] وحديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: «إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنًا من كان» (رواه مسلم) وقد أورد شواهد للدلالة على الوحدة الوطنية أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :
1-شارك في حلق الفضول
2-كتب وثيقة المدينة لتنظيم حياة مجتمع متعدد الديانات والأعراق.
3-أعطى الأولوية للرحم والجوار.
4-تدرج في الأولوية إزاء الغزو الأجنبي، فالأولوية للبلد الذي تعرض للغزو ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.
5-موقف حسن البنا في الوطنية حيث قال: «إن الإسلام قد فرضها فريضة لازمة لا مناص منها، أن يعمل كل إنسان لخير بلده وأن يتفانى في خدمته، والمسلم أعمق الناس وطنية وأعظمهم نفعًا لمواطنيه؛ لأن ذلك مفروض من رب العالمين» .
هذا ما قاله الكتّاب في الوحدة الوطنية ومجمل قولهم يدل على أنهم لم يدققوا في مفهوم الوحدة الوطنية، ولم يقفوا على دلالاته ونشأته، وبذلك تم مدح هذا المفهوم واستخدامه والتركيز عليه، وهذا مخالف للواقع. فكلامهم مرفوض جملةً و تفصيلًا. أما من قال بأن الوحدة الوطنية هي فرض مستدلًا على قوله بآيات من كتاب الله فهو استدلال في غير مكانه, وليّ لأعناق النصوص وتحميلها أكثر مما تحتمل, ومخالف لشرع الله. فموضوع الآيات التي تم الاستدلال بها بعيد جدًا عن مفهوم الوحدة الوطنية، فآية ? وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ? [آل عمران 103] أمر بالالتزام بشرع الله، وهو أمر للمسلمين بعدم التفرقة، والوحدة على أساس الإسلام؛ فلا يمتّ للوحدة الوطنية بصلة. أما آية ? وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ ? [آل عمران 104] فهي أمر بتأسيس حزب أو جماعة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وليس لها علاقة بالوحدة الوطنية لا من قريب ولا من بعيد. أما الحديث فإنه يأمر بوحدة المسلمين على أساس الإسلام وليس على أساس الوطن، وحرمة تفرقة المسلمين. أما حلف الفضول فإنه لرد الظالم عن ظلمه وليس له علاقة بالوحدة الوطنية. أما موضوع الأولوية في رد العدو عن البلد المعتدى عليه فهو خاص بالجهاد ودفع العدو وليس له علاقة بالوحدة الوطنية. أما موقف حسن البنا الذي استدلوا به فهو كلام بشر وليس حكمًا شرعيًا ولا يوجد عليه دليل شرعي.
هذا ما قاله بعض الكتّاب في الوحدة الوطنية، أما واقعها فيدل على أنها رابطة نابعة من مفهوم الوطن كما ذكرنا, الناشئ من التجربة الأوروبية، وهي تربط بين أبناء القطر الواحد على أساس مكان السكن، بغض النظر عن الدين والمبدأ، وتسمح بأن يتحد الكافر والمسلم والبوذي والنصراني واليهودي. وكذلك تجعل الكافر أخًا للمسلم في أخوة جديدة أوجدها مفهوم الوطن الذي يتطلب إيجاد قواسم مشتركة بين الفرقاء والأحزاب. فالوحدة الوطنية تفرض التخلي عن جزء أساسي من الثوابت والقناعات ليقبل الطرف الآخر، فالنتيجة حل وسط يرضي الجميع بغض النظر عن الدين والشريعة. وغالبًا ما توجد هذه الرابطة عند وجود عدو يعتدي على هذا البلد ولا تلبث أن تزول عند زوال السبب فيه، فهي رابطة مؤقتة، وهي موجودة أيضًا عند الحيوان كما هي عند الإنسان، فهي رابطة غريزية هابطة حيوانية لا تصلح لبني البشر، كما أنه لا يوجد لها نظام حياة لمعالجة مشاكل الإنسان منبثق عنها، وكذلك فإن الوحدة الوطنية تضفي الشرعية عن كل ما ينتج عنها، وهي تعني التخلي عن عقيدة الولاء والبراء، وتعني اعتبار الأخوة في الوطن فوق كل اعتبار.
وعلى هذا فلا حجة لأحد ولا دليل على وجود الوحدة الوطنية وعلى استخدامها كرابطة تصلح لبني البشر؛ فلا يجوز الدعوة أو الترويج لها ولا استخدامها كمصطلح شرعي. قال تعالى: ? إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ? [الحجرات 10] وهذا حصر للرابطة بين المسلمين، وهي الرابطة على أساس الإسلام وليست الرابطة الوطنية.
كما أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) رفض كل الحلول الوسط مع الكفار, ولو كان الأمر في الحلول الوسط مشروعًا لتوحد الرسول مع قريش وحدة وطنية بدل الحرب بينهم. لكن الواجب هو الدعوة إلى الوحدة الإسلامية لأن وحدتنا على أساس الشريعة هي الأساس الذي أمرنا به الإسلام.
وأخيرًا فإن التعلق بمفهوم الوطن وما نتج عنه من وحدة وطنية، ومحاولة فرضها على أمتنا الإسلامية، والتركيز عليها من قبل الحكام وأعوانهم وأسيادهم، ليدل على الهجمة الشرسة التي تلف أمتنا من كل جانب. ولكن هؤلاء راهنوا على فرض هذه المفاهيم, بيد أن انتشار أفكار الإسلام ومشاعره، ووجود حملة الدعوة العاملين على نشرها، سيقضي بإذن الله على كل هذه الأفكار الدخيلة، ويُحل مكانها الأفكار والمفاهيم الإسلامية.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
موسى عبد الشكور الزغير
بات التهديد المفترض الذي يمثله الإسلام على الحضارة الغربية هو محور الحديث في العالم، لا سيما عقب أحداث 11 سبتمبر/ أيلول وما تلاها من حروب"وقائية"في الشرق، وتطويق أمني للمسلمين في الغرب على اعتبار أنهم طابور خامس ينتظر الفرصة لكي يحقق أجندة خاصة وخفية. في حين بدأت الأوساط السياسية والفكرية والإعلامية الغربية مهاجمة الإسلام بشكل منهجي، مبررةً ذلك بمحاربة التشدد الإسلامي تارةً، وبحجة إيجاد مناخات للحوار للمواءمة بين المسلمين والمجتمعات التي يعيشون فيها تارةً أخرى. وترتكز الحملة الفكرية والدعائية التي يسوقها الغرب إلى معطيات تبدو وجيهةً للوهلة الأولى، وبالتالي فلا مبرر للاستياء منها، حيث إن حرية الفكر والتعبير مقدسة لديهم، ولا يمكن تأميمها بحجة مراعاة شؤون أقلية مسلمة لها ثقافة خاصة!
بهذا الصدد فإن الحملة الغربية تستنكر مواقف المسلمين، معترضةً على حساسيتهم تجاه دينهم وقيمهم، حيث إنها تتعارض مع ثقافة المجتمعات الغربية، تلك التي تتنشق الحرية وتعتبرها أهم منجزاتها. كما يفترض الغربيون أنه طالما أن دين المسلمين عزيز عليهم إلى هذا الحد، فلماذا لا يهاجر هؤلاء إلى السعودية وإيران حيث تسود أحكام الشريعة بدلًا من المطالبة بإقامتها في الغرب، والتنطع بالتمسك بأحكام الدين فيه، وهو الذي قامت حضارته أصلًا على عقيدة فصل الدين عن الحياة؟! ومن ناحية أخرى لماذا يصر المسلمون على دفع الغربيين على التخلي عن قيمهم التي يؤمنون بها، أي عن الحريات ومقتضياتها، فيما لا يقبل المسلمون بأن يتخلوا عن أي شيء من دينهم. أوليس في ذلك دليل على تناقض مواقف المسلمين وشاهدٌ على تخلفهم؟!