لا شك أن الذي يتتبع المجتمعات الإسلامية، ويقارن حالها قبل أن تخضع لهذا التدفق المستطير بحالها الآن، سوف يجد البون شاسعًا وكبيرًا، لقد هُدِّدَتْ الأسرة المسلمة في عقيدتها؛ حيث إن كثيرًا من برامج ومجلات الأطفال لا تكتفي بأن تشغل الطفل المسلم عما يجب أن يكون عليه من التربية الإسلامية، بل إنها لتنشئه تنشئة غريبة جدًا عن العقيدة الإسلامية، وتزرع في نفسه ما يضاد هذا الدين وهذا الإيمان.
ويكفينا أمر واحد وهو: هل سمعنا أو رأينا في أي مجال من هذه المجالات حديثًا عن اليوم الآخر؟
إنما الكلام فيها منصب على الدنيا، وهذا لو فرضنا أنه في الحلال مع انعدام الحرام، فإغفال الآخرة إغفالًا مطلقًا ما معناه؟
معناه: أنها أمة لا تؤمن بالله واليوم الآخر، فهي مثل البهائم التي تعيش على الحضارة الغربية.
وقد يتعرض هؤلاء إلى نظرياتٍ في نشأة الكون، أو في نشأة الحياة، أو في سر الروح، أو في النبوة، فيصبغون صفات الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على ما يرونه في هذه الأفلام، وما أكثر الحديث عن هذا الجانب.
الجانب الآخر جانب الفاحشة، الذي أخبر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عنه في كتابه فقال: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء:27] وقال في الآية الأخرى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا [النور:19] .
أدرك أعداء الله أن نشر الفاحشة في المجتمع هو عن طريق هدم الأسرة بهذه الوسائل، واليهود خططوا لذلك منذ القدم، وأول ما ابتدأ اليهود قالوا: لابد من تدمير النصرانية ؛ لأنها كانت العدو المباشر لهم في الغرب، فقالوا كما في البروتوكولات: لابد من نشر الرذيلة وهدم الفضيلة بين النصارى، وما زالوا يمكرون بهم مكر الليل والنهار، حتى أصبح من الشائع جدًا -والعياذ بالله- في بلاد الغرب أن تنكح المحارم.
بل إن جرائدنا أحيانًا تنشر هذه الأخبار -وإن كانت قد لا تعلق إلا في النادر- كيف يأتي الإنسان محارمه! وليس ذلك نادرًا عندهم، بل هي حالات منتشرة، وبنفس القوة يراد لها أن تنتشر في بلادنا حيث اتجهوا جميعًا يهوديهم ونصرانيهم إلى تدمير المجتمعات الإسلامية عن طريق هذه الأفلام، والمجلات، والكتب، عن طريق طمس الأخلاق الإسلامية وإحلال الأخلاق النفعية الغربية المادية محلها، فينشأ الطفل الذي لا يؤمن بخلقٍ ولا دين، إلا من خلال ما يتلقاه ويستقبله من الأفلام، فتنهدم الأسرة.
وكم من أسرةٍ هدمت نتيجة لذلك، كم من رجلٍ طلق زوجته، كم من زوجة هجرت زوجها تطبيقًا لما رأته أمام عينها، أو لما رآه هو بعينه من مشاهد، أو من مسلسلات، أو قصص، وما أشبه ذلك، وبذلك استطاع هذه الغزو أن ينقل المجتمع الإسلامي نقلةً بعيدة من مجتمعات محافظة يضرب بها المثل في العالم كله، إلى مجتمعات لا تكاد تفترق عن المجتمعات الغربية إلا ما رحم الله، وإلا من كان لديه بقايا من هذه المحافظة.
وأقل ما يأتي من ضرر من هذه الوسائل، ومن هذا الغزو هو: إضاعة الوقت فيما لا ينفع، فالمؤمن الذي يؤمن بالله ويؤمن باليوم الآخر، ويعلم علم اليقين أن هذه الحياة ما هي إلا عبور، وأن الدار الآخرة هي الحيوان، وأنه لا خلود له في هذه الحياة، وأنه محاسبٌ عليها، وأنه ما من ساعة تمر به لا يذكر الله ولا يصلي على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا كان ذلك حسرةً عليه يوم القيامة، فكيف يضيع الأوقات في هذه المجلات، أو الأفلام التافهة؟!
حتى ولو افترضنا أنها تخلو من أي محرم، إلا أن فيها إضاعة للوقت فيما لا خير فيه وفيما لا يهمنا من الأمور، وهذا العمر محدود، والعقل إناء، فإن ملأته بالخير قبله، وإن ملأته بالشر لم يتقبل الخير.
وأنت الآن تجد الناس يعيشون على هذه الأمور ويتنافسون فيها، وأكثرهم يجهل أركان الإسلام، وخاصةً الأطفال والنساء، فهم لا يعلمون أركان الإسلام ولا أركان الإيمان، ولا يقدرون أن يأتوا بتعريف بسيط بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! سورة من قصار السور لا يحفظونها! أسماء الأنبياء لا يعرفونها! وتنشأ الأسرة على التفاهات، ويختلط الآباء بالأبناء ولا يتحدثون إلا عنها...!
العنف والجريمة أحد المخاطر التي تتعرض لها الأسرة، ومن ثَمَّ المجتمع، فأفلام وقصص وكتب العنف والجريمة والجاسوسية وما أشبه ذلك، هي أيضًا من معاول الهدم التي تهدم الأُسْرةَ، ومن ثَمَ تهدم المجتمع، وتجعله بعيدًا جدًا عن الطمأنينة والأمن الذي لا يجلبه إلا الإيمان.
ما رأيكم في طفل فسق وفجر أبوه، وفجرت أمه؟!
ولو كان يعيش في عهد التابعين مع أبٍ فاجر وأم فاجرة، ولا يتلقى التربية الصحيحة، كيف تكون نظرة الناس إليه؟
أليس ذلك مدعاةً للرحمة وللرثاء وللشفقة به؟
وهو في الجيل النظيف؛ إن ذهب إلى المسجد أو خرج، فلن يرى منكرات، أينما ذهب فإنه لا يجد إلا الخير والسلامة، ومع ذلك العصر تعد هذه مأساةً.
فكيف في عصر الفتن الذي تقوضت فيه الأسرة، وتهدمت فيه الفضيلة، أين يذهب الطفل؟
يذهب إلى المدرسة...! فماذا يتلقى في المدرسة؟!
يذهب إلى الشارع..! ماذا سيجد في الشارع؟!
يذهب إلى المقهى..! ماذا سيجد في المقهى؟!
فمسكينة هذه الأجيال التي سوف تتعرض لهذا الغزو، والآباء في غفلة، والموجهون والعلماء والدعاة في غفلة عن التصدي له، فنسأل الله سبحانه أن يقي أمتنا شره، وأن يبصرنا جميعًا بخطورته، وأن يجعل كل واحدٍ منا يعي مسئوليته التي أخبر عنها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فـ {كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته } ، والحمد لله رب العالمين.
بقلم الشيخ ممدوح فخري
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية
لقد كان سقوط الخلافة الإسلامية وزوال الدولة العثمانية من أكبر الكوارث التي تعرض لها المسلمون في العصر الحديث وذلك أن هذه الدولة كانت تمثل المظهر الأخير من مظاهر قوة المسلمين وسيادتهم، وقد تضافر لذلك السقوط أسباب عديدة وعوامل شتى منها ما هو خارجي ومنها ما هو داخلي ومنها ما هو ذاتي، ولسنا بصدد تعداد هذه العوامل أو مناقشتها ولكنا نركز على عاملين مهمين منها كان لهما الدور الأكبر في انهيار الخلافة والنصيب الأوفر من تركتها وهما الكيد اليهودي من الداخل والغزو الصليبي من الخارج. أجل لقد التقى الدس اليهودي مع المكر الصليبي على تحطيم القوة السياسية والعسكرية للمسلمين والتي كانت متمثلة في الدولة العثمانية. ونحن نستدرك قبل كل شيء ونقول: