إن المستقرئ للأحداث يدرك أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر ليست هي المحرك الوحيد لما تلاها من أحداث، وإن حاول الصليبيون أن يروجوا ذلك، ولكنها كانت الظرف الأفضل الذي يمكن من خلاله عمل ما جرى التخطيط له منذ زمن. إن أمريكا بعد انهيار توازن الرعب بانهيار الاتحاد السوفييتي اشرأب عنقها نحو السيطرة الفعلية على العالم، وإن هذا قد جرى التخطيط له منذ فترة رئاسة (ريجان) ، بل قبل ذلك، ولكننا نحن الذين لم نتفطن لذلك ولم ننتبه له، وكان ينبغي علينا أن نحسب لهذه الأيام حسابها، وأن نعد لها العدة، فإن الذي يبدأ بالضربة الأولى هو الذي يملك زمام الأمر لفترة تطول أو تقصر بحسب قوته، واستعداده، وبحسب قوة الخصم، واستعداده لاستيعاب الضربة الأولى، ولا شك أن الذي يكون في وضع الدفاع يفقد جزءًا من قوته مع الضربة الأولى، وتتوقف استعادته لتوازنه على قدرته وتدريبه على مثل تلك المواقف، وكيفية مواجهتها ووضع الخطط المناسبة لها، ونحن وإنْ كنا لن نضرب الضربة الأولى لعدم استطاعتنا لذلك، بل سنظل ننتظر الضربة التي تقع علينا؛ فما زال في الوقت فسحة ولو قصيرة للمخلصين للتخطيط لتلقي الضربة الأولى، وكيفية العمل على إفسادها، ومن ثم العمل على إيقاف تلك الهجمة التي لو قدر لها أن تنجح فلن تبقي ولن تذر، وسيتحول المسلمون الطاهرون عندها إلى رعاة خنازير عند عباد الصليب. وبعدُ فنحن هنا لسنا دعاة حرب، بل في حالة دفاع عن الدين والنفس والمال والعرض، وكلها من الضروريات، ولسنا في حالة هجوم؛ فنحن لا نخطط للذهاب إلى بلادهم وديارهم ومهاجمتهم، وإنما ندعو أمتنا للتخطيط من أجل الحفاظ على ديننا وديارنا وأهلينا وثرواتنا، وليس في هذا عدوان على أحد، وإنما هو محاولة لرد العدوان، ومحاولة لزجر من تسول له نفسه أن يقترب من حياضنا؛ حتى يعلم أننا لسنا لقمة سائغة يسهل ابتلاعها وهضمها، بل يدرك أننا لقمة مُرَّة يصعب ابتلاعها، وأنه لن يشعر بالسعادة أبدًا إذا حاول ابتلاعها، بل سيجدها أشواكًا ضخمة في حلقه مثل الكلاليب تسد حلقه، حتى تقضي عليه، {لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ} [الروم: 4 - 5] . وإني أرى أن تقوم الآن في كل دولة مسلمة هيئة هدفها العام إعداد الدولة للمواجهة والجولة القادمة، وهي هيئة حكومية أو مدعومة من الحكومة تتعاون فيها وزارات الدفاع، والدعوة، أو الأوقاف، والتعليم مع مجموعة من الكفاءات الشعبية، ومن أول ما ينبغي القيام به من هذه الهيئة أن تطلع الشعوب على ما يراد بهم؛ فإن عدونا لم يعد اليوم يخشى من التصريح بما يريد فعله في ديار المسلمين، فألفاظهم صريحة محددة، ومباشرة ليس فيها تورية؛ فلا بد من إطلاع أمتنا على ذلك، حتى تكون لديهم البصيرة بما يراد بهم، وماذا يريد هؤلاء منهم، وحتى لا ينخدعوا ببعض ما قد تبثه وسائل الإعلام التابعة، أو الموالية لهم، ولست أتمنى أن يأتي اليوم الذي يقف فيه الإنسان، كما وقف الشاعر العربي قديمًا بعدما نصح قومه بالاستعداد للعدو فأهملوا نصحه، حتى فجأهم العدو ضحى على حين غرة، فحصل لهم ما حصل من الهزيمة والخسران؛ فوقف الشاعر وقال:
أمرتُهُمُ أمري بمُنعَرَج اللِّوى فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغدِ
أسأل الله ـ تعالى ـ أن يوفقنا وأمتنا، وأن يحفظ علينا ديننا وأمننا، وأن يرد كيد عدونا في نحره.
مجلة البيان - (ج 223 / ص 24)
أنور قاسم الخضري
تُستخدم اليوم في حياتنا السياسية والإعلامية والاجتماعية جملة من المصطلحات الوافدة التي تمثل نوعًا من الغزو الفكري والانبهار الذي وقع في نفوس المسلمين تجاه التقدم الذي وصل إليه الغرب.
من هذه الكلمات «الإستراتيجية» ، وهي لفظة مضافة أو مضاف إليها في التأليف والإعلام والدراسة:
فيقال: إستراتيجية الدول، إستراتيجية الأسواق المالية، إستراتيجية التربية، إستراتيجية التفكير..
ويقال: التخطيط الإستراتيجي، البعد الإستراتيجي، القوى الإستراتيجية، الخبير الإستراتيجي، الدراسات الإستراتيجية...
3 فماذا تعني كلمة «الإستراتيجية» ؟
جاء في الموسوعة العربية الميسرة (1) : «الإستراتيجية: فن القيادة العامة في الحرب بأجمعها، اشتقت من كلمة ستراتيجوس اليونانية بمعنى قائد» وهي كما يبدو تقابل كلمة تكتيك والتي عرَّفتها الموسوعة بأنها «فن القيادة في ميدان المعركة» . ثمَّ أفاضت الموسوعة في ذكر التعريفات المختلفة ووجهات نظر الذين تناولوا هذا الاصطلاح تعريفًا وشرحًا وضرب أمثلة.
أما كراسة التدريب المشترك البريطانية الصادرة عام 1902م فتعرِّف الإستراتيجية بأنها: «فن التخطيط لحملةٍٍ ما وتوجيهها، وهي الأسلوب الذي يسعى إليه القائد لجر عدوه إلى المعركة» !
أما دليل ضباط أركان القوات المسلحة الأمريكية لعام 1959م فقد عرَّف الإستراتيجية بأنها: «فن وعلم استخدام القوات المسلحة للدولة لغرض تحقيق أهداف السياسة العامة عن طريق استخدام القوة أو التهديد باستخدامها» .
إذن وبعيدًا عن الصراعات وحروب القوة، فإن الإستراتيجية كلمة انسحبت من ميدان القتال إلى ميدان الحياة الذي هو الأرحب والأوسع والأخصب والأشد أثرًا، وبالأخص ميدان الفكر والمعرفة والقيم.
3 الإستراتيجية في الإسلام:
(عقدة التآمر) ، (العقلية المغلقة) ، (النفسية المتخوفة) ، ... تُهَمٌ توجه إلى كل من يريد الوقوف بعقلانية وتؤدة أمام قضايا الفكر والرأي والمعرفة التي هي محور القيم والعادات والسلوك الإنساني، بل ونقاط التغيير والتأثير.
بعض الناس يربط بين الإستراتيجية وما يسمى بـ «الرؤية» بمعنى: أن «الرؤية» ، أو ما يطلق عليه «التصور الذهني» هي المنطلق في صياغة الإستراتيجية؛ لأن الإستراتيجية هي الطريق الذي سنسير عليه وبدون الخريطة ـ الرؤية ـ لا توجد معالم طريق وإحداثيات مسار.
ونحن نؤمن بأن الإسلام منهج حياة مطلق صالح لكل زمان ومكان؛ فهل أشار الإسلام إلى «الرؤية» ، وهل يتضمن رؤية في أبجدياته وقواعده وتعاليمه؟
سؤال يبدو للوهلة الأولى أنه صعب، حين نترك «النظرية» (1) ونلتفت إلى واقع المسلمين في: السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والمعرفة والعلوم، والسلوك الحضاري للفرد والجماعة والأمة.
وقد يخرج بعضٌ بإجابة قطعية «نافية» لأن مؤشرات الواقع بكل تفاصيلها وجزئياتها على مستوى الأمة اليوم تعطينا هذه القناعة. وهنا تسقط الهوية والرسالة والأمل، ويأتي السير بعكس اتجاه البوصلة. وما أقبحها من جريمة عندما يتحمل الإسلام العقوبة ويفرُّ المذنبون!
إن قراءة عابرة للقرآن الكريم ـ الكتاب الرباني المحكم ـ تخاطبنا بآيات معجزة وحكم بليغة.