للتاريخ أهمية عظمى في بناء الأمم، والمحافظة على هويتها وشخصيتها، بل على قوتها، وقدرتها على الشموخ، والاستطالة، والاستمرار، فهو جذور الأمة التي تضرب بها في الأعماق، فلا تعصف بها الأنواء، ولا تزلزلها الأعاصير، ولا يفتنها الأعداء.. وهو ذاكرة الأمة، والذاكرة للأمة كالذاكرة للفرد تمامًا، بها تعي الأمة ماضيها، وتفسر حاضرها، وتستشرف مستقبلها.
فالإنسان الذي يفقد ذاكرته، يرتد - على ضخامة جسمه - طفلًا غرًّا لا يعي شيئًا مما حوله، عاجزًا عن أن يتبصر في أمسه، أو يشعر بيومه، أو يتطلع إلى غده، وكذلك الأمة حين يضيع منها تاريخها، ويشوش في عقول أبنائها، ويشوه في عيونهم، عندئذ يضيع منها الطريق، وتسلم مقودها لمن يوجهها، ويعود يملأ ذاكرتها بما يوجه خطواتها حيث يريد.
فالتاريخ ليس علم الماضي، بل هو علم الحاضر والمستقبل في واقع الأمر وحقيقته؛ فالأمة التي تستطيع البقاء، هي الأمة التي لها ضمير تاريخي، ومعرفة بالتاريخ، وعشق له والتاريخ أيضًا (عرض الأمة) كما سماه كاتب العربية الأكبر عباس محمود العقاد، ورحم الله أمير الشعراء حين قال:
مثل القوم أضاعوا تاريخهم كلقيطٍ عيَّ في الحي انتسابا
ولذا لم نعجب حين حدثت أزمة عالمية بين الصين واليابان، أدت إلى حشد الجيوش الصينية على الحدود وقطع العلاقات الدبلوماسية، والتهديد بقطع العلاقات الاقتصادية، وبشن الحرب، كل ذلك بسبب عدة أسطر في كتاب من كتب التاريخ المدرسية، أرادت اليابان أن تغيرها (26) .
وأصل قضية تاريخ اليابان هذه، ترجع إلى عام 1945م، يوم انتهت الحرب العالمية الثانية، ودخل الجنرال الأمريكي (مكارثي) قائد القوات المنتصرة طوكيو المستسلمة، يومها لم يشغل (مكارثي) زهو الانتصار عن المستقبل، فأرسل يستدعي من أمريكا بعثة تربوية تضع مناهج تربية جديدة لمدارس اليابان، وكان مما غيرته مناهج التاريخ، لتضمن صياغة أجيال جديدة من اليابانيين غير قادرين على إشعال الحرب مرة ثانية. هذه المناهج المفروضة على اليابان، هي التي حاول اليابانيون تغييرها، فكانت الأزمة المشار إليها.
ونختم هذه اللمحة عن قيمة التاريخ بكلمة المفكر المسلم مالك بن نبي: (إن نظرتنا إلى التاريخ لا تؤدي إلى نتائج نظرية فحسب، بل إلى نتائج تطبيقية تتصل بسلوكنا في الحياة، فهي تحدد مواقفنا أمام الأحداث، وبالتالي أمام المشكلات التي تنجم عنها) (27) .
وإذا كنا قد ألمحنا إلى أهمية التاريخ بصفة عامة، فأهمية التاريخ الإسلامي - لا شك - تفوق كل أهمية، ذلك أن التاريخ الإسلامي في واقع الأمر، هو الإسلام مطبقًا منفذًا، واقعًا، فتشويه التاريخ الإسلامي يؤدي بالضرورة إلى تشويه الإسلام، ودع عنك ما يقوله بعض الذين سقطوا أسرى تشويه التاريخ الإسلامي: (من أن هناك فرقًا بين الإسلام والمسلمين، وأن الإسلام يحكم على المسلمين، ولا يحكم المسلمون على الإسلام) فهذا القول - على وجاهته - غاية ما يصل إليه أصحابه، أن الإسلام منهاج رباني سماوي ولكنه (مثالي) ينوء البشر بتطبيقه، وتقعد بهم نوازعهم، وشهواتهم عن القيام به والسمو إلى ما يدعو له، ويرمي إليه.
هذا غاية ما يمكن أن يصلوا إليه، وهو كما ترى خطر ما حق، ولذلك رأينا فعلًا وواقعًا - من يحاج الدعاة إلى تطبيق الإسلام وتحكيمه بهذا التاريخ المشوه وهم في نفس الوقت يعظمون الإسلام، ويمجدونه، بل يعتقدون أنهم - بوقوفهم في وجه الدعاة، ومقاومتهم تحكيم الإسلام، وتطبيق شرائعه، يدفعون عن الإسلام، ويحمونه من التشويه والتضليل، كتب أحدهم - وهو ليس من أصحاب الأقلام المعروفة بمناوأتها للإسلام، بل معروف بعداوته للأقلام المنحلة، والمنحرفة، والملحدة، كتب مقالا طويلا جاء فيه:(على مدى ألف وأربعمائة عام، والملوك والخلفاء يدّعون أنهم يحكمون بالإسلام، فإذا هم يجعلون الشريعة وسيلتهم إلى كل ما تعرف أنهم صنعوه بعباد الله الأبرياء المسلمين، وغير المسلمين.
أذكر هارون الرشيد وسرفه، أذكر المأمون، وفقهاء الإسلام، وما صنع بهم من أجل قضية كلامية، أيّ إسلام تريدون؟ إسلام بني أمية الذين فعلوا. . . . . .. إسلام العباسيين الذين فعلوا. . . . .إسلام المماليك الذين فعلوا. . . . . إسلام العثمانيين الذين فعلوا. . . . إسلام. . . أم إسلام. . … إن عمر بن الخطاب كان فلتة.. ألا ترى أن دين الله الأقوم ينبغي أن يظل صلة بيننا وبين الله بغير قسر ولا إجبار وإذا كان الله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم ، في آيات شريفة كثيرة، عليك البلاغ، وعلينا الحساب، فمن سمح لكم أن تبلغوا ، وما أنتم بمبلغين، أو أن تحاسبوا وما أنتم بآلهة) (28) .
ولتتأكد أن تشويه التاريخ الإسلامي، هو تشويه للإسلام نفسه، نسوق لك ما قاله الكتاب المصري - سلامة موسى - الذي يجعلونه أحد (الشوامخ) وأبطال عصر التنوير، قال بعد أن تحدث عن الاستبداد، وطبيعة البداوة العربية، التي ترضاه وتقبله، وتعيش به، قال: (ومن جهة أخرى، نرى أممًا مسلمة كثيرة، بعدت عن الروح العربية، ولكن بقي لها استبداد الخلافة.
وقد يقال: إن القرآن لم ينص على الخلافة، وهذا صحيح، ولكن الإنجيل أيضا لم ينص على البابوية، فكما أنه لا يمكن تخلى المسيحية من تبعات البابوية، فكذلك لا يمكن أن يخلى الإسلام من تبعات الخلافة، والحقيقة أن البابوية والخلافة ترجعان إلى التقاليد المأثورة لا إلى الإنجيل ولا إلى القرآن.
وقد انتفع الإسلام من عدم وجود الكهنة في نظامه ولكن بقاء المسحة الدينية على الخلافة، كاديزيل هذه الميزة التي للإسلام على المسيحية (29) ، هكذا تبعات الخلافة وفسادها سببه الإسلام، وهو المسؤول عنها، والخلافة هي البديل الإسلامي، للكهنوت والفساد البابوي) أرأيت؟؟!!.
لأهمية التاريخ هذه، ولأثره في الأمة، اتجه المستشرقون في أبحاثهم إلى التاريخ، حتى جاءت معظم أعمالهم، سواء الأبحاث أم التحقيق والنشر، أم الترجمة، معظمها في مجال التاريخ، (30) ونعني التاريخ بمعناه العام، التاريخ السياسي والتاريخ الحضاري، والاجتماعي، وتاريخ الفرق والمذاهب، والفكر والفن والعلم، وتاريخ الرجال والطبقات، ومعاجم البلدان.
وفي اهتمام المستشرقين بالتاريخ، وتوظيفهم له، واعتمادهم عليه لتحقيق مآربهم، اتخذوا مناهج وطرقًا تؤدي بهم إلى ما يريدون.
ويمكن أن نتبين ملامح هذه المناهج إذا ميزنا فيها بين جانبين:
أ - المنهج من حيث الشكل الخارجي (ونعني بذلك اختيار الموضوعات، وترتيب الاهتمام بها، وطريقة تناولها بصفة عامة) .
ب - المنهج من حيث استكمال شروطه، والالتزام بقواعده.
وسنحاول أن نلقي نظرات سريعة على الجانبين نتبين بعض الملامح في كل منهما، على قدر ما تسمح به هذه العجالة.
أولًا: المنهج من حيث الشكل:
(أ ) الاهتمام بتاريخ الفرق والصراع بينها، وعوامل نشأتها، ومحاولة إثارة أخبارها، ووضعها في بؤرة الشعور، لدى الأمة الإسلامية، وتلك مكيدة، كادها أسلاف لهم من قبل، حيث جلس ذياك اليهودي يحكي أخبار (يوم بعاث) حتى أوقد نار العداوة بين الأوس، والخزرج من جديد، وكادت تكون فتنة، لو لا أن تداركها النبي صلى الله عليه وسلم .