ولقد نجحت العقلية الأوروبية، كما أسلفنا ، في فرض شكلية معينة من التحقيق والتقويم والنقد، وأوجدت القدوة والأنموذج، ويمكن القول: إن معظم الكتابات العربية المعالجة للتراث قد سارت على هذا النهج ولم تتجاوزه إلا في القليل النادر، إلى درجة إيجاد ركائز ثقافية عربية معبرة ومتبنية لوجهة نظرها، ومدافعة عن المواقع الثقافية التي احتلتها؛ حتى في الجامعات والمؤسسات العلمية لا يزال الخضوع والاحتكام للقوالب الفكرية التي اكتسبها المثقفون المسلمون من الجامعات الأوروبية ..ونستطيع القول: إن آثارالاستشراق وإنتاج المستشرقين لا يزال يحتل الكثير من مواقعنا الثقافية، وسوف لا يفيدنا في المواجهة مواقف الرفض والإدانة أو الهروب من المشكلة، من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب في أنه لا يقتصر على تشخيص العلَّة ورصد آثارها فقط، وإنما يتجاوز ذلك إلى تحديد الأسباب التي أوجدتها، ومن ثم يصف العلاجويبين الخطة التي لا مناص من التزامها في معركتنا الفكرية التي تستهدف وجودنا حيث نكون أو لا نكون ..
وميزة هذا الكتاب الذي نقدمه اليوم أن له صفة الأكاديمية، فقد اعتمد مؤلفه المنهج العلمي الوثائقي في التناول، وناقش المقدمات، وعقد المقارنات، وانتهى إلى النتائج، وقدم الحلول اللازمة بعيدًا عن الانفعال والارتجال، لذلك نقول: إنها لا تكفي القراءة للكتاب بل لا بد من الدارسة له ..
ومن ميزاته أيضًا أنه يُمكن أن يصل بالمثقف بشكل عام، والمثقف المسلم غير المخصص بشكل خاص إلى حد الكفاية في هذا الموضوع حيث إن الاطلاع على هذا القدر من المعلومات عن الاستشراق ومناهج المستشرقين يشكل ضرورة لكل مسلم، يبصره بالساحة الثقافية التي يتعامل معها، والخلفية الفكرية للصراع الحضاري.. خاصة وأن مؤلفه الأخ الدكتور محمود حمدي زقزوق يمكن أن يعتبر إلى حد بعيد متخصصًا في هذه القضية الهامة، بعد أن عَرَف المستشرقين واطلع على إنتاجهم عن قرب بطبيعة متابعة دراساته العليا في الغرب، وأنه كان مقررًا للندوة التي دعت إليها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في القاهرة لمناقشة إعداد موسوعة الرد على المستشرقين، وأعد التقرير عن المنهج العلمي الواجب اتباعه في إعداد الموسوعة ..
وتبقى حاجة المكتبة الإسلامية قائمة لمجموعة من الكتب التي تعرض للقضايا الفكرية التي يعاني منها عالم المسلمين ، وتصل إلى حد الكفاية بالنسبة للمسلم غير المتخصص على نحو هذا الكتاب بعيدًا عن الانفعال والعاطفية وإثقال ذهنه بما ينفع وما لا ينفع.. والله نسأل أن يجزل مثوبته للأخ الدكتور محمود حمدي زقزوق وينفع به وهو حسبنا ونعم الوكيل .
بسم الله الرحمن الرحيم
قُل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ألا نعبد إلاَّ الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنَّا مسلمون ( آل عمران: 64)
إن مما لا جدال فيه أن الاستشراق له أثر كبير في العالم الغربي وفي العالم الإسلامي على السواء وإن اختلفت ردود الأفعال على كلا الجانبين. ففي العالم الغربي لم يعد في وسع أحد أن يكتب عن الشرق أو يفكر فيه أو يمارس فعلًا مرتبطًا به أن يتخلص من القيود التي فرضها الاستشراق على حرية الفكر أو الفعل في هذا المجال من حيث إن الاستشراق ( يشكل شبكة المصالح الكلية التي يستحضر تأثيرها بصورة لا مفر منها في كل مناسبة.. يكون فيها ذلك الكيان العجيب( الشرق) موضوعًا للنقاش ) (1) .
وفي عالمنا العربي الإسلامي المعاصر لا يكاد يجد المرء مجلة أو صحيفة أو كتابًا إلاّ وفيها ذكر أو إشارة إلى شيء عن الاستشراق أو يمت إليه بصلة قريبة أو بعيدة . وهذا أمر ليس بمستغرب ذلك أن الاستشراق في حقيقة الأمر كان ولا يزال جزءًا لا يتجزأ من قضية الصراع الحضاري بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، بل يمكن أن نذهب إلى أبعد من ذلك ونقول: إن الاستشراق يمثل الخلفية الفكرية لهذا الصراع . ولهذا فلا يجوز التقليل من شأنه بالنظر إليه على أنه قضية منفصلة عن باقي دوائر هذا الصراع الحضاري. فقد كان للاستشراق من غير شك أكبر الأثر في صياغة التصورات الأوروبية عن الإسلام، وفي تشكيل مواقف الغرب إزاء الإسلام على مدى قرون عديدة.
ولا يزال الأوروبيون حتى اليوم يستقون معلوماتهم عن الإسلام من كتابات المختصين في هذا المجال من الأوروبيين، وهؤلاء هم بطبيعة الحال من طبقة المستشرقين، هذا فضلًا عما يكتبه بعض الأدباء أو الفلاسفة الأوربيين . ولكن كتابة هذا الفريق الأخير لا تخرج في الغالب عن كونها مبنية على كتابات المستشرقين (2) .
والاستشراق قضية تتناقض حولها الآراء في عالمنا الإسلامي، فهناك من يؤيده ويتحمس له إلى أقصى حد، وهناك من يرفضه جملة وتفصيلًا ويلعن كل من يشتغل به بوصفه عدوًا لدودًا للإسلام والمسلمين.
والواقع الذي لا يمكن إنكاره هو أن الاستشراق له تأثيراته القوية في الفكر الإسلامي الحديث إيجابًا أو سلبًا أردنا أم لم نرد. ولهذا فإننا لا نستطيع أن نتجاهله أو نكتفي بمجرد رفضه وكأننا بذلك قد قمنا بحل المشكلة، إننا لو فعلنا ذلك لكنا كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال. ولهذا فإنه ليس هناك بديل عن مواجهة المشكلة وطرحها على بساط البحث ودراستها واستخلاص النتائج واقتراح الحلول وهكذا نجد أن موضوع الاستشراق يفرض نفسه علينا بإلحاح ويتطلب منا وقفه تأملية جادة لبحثه ودراسة أبعاده وتأثيراته بالنسبة للإسلام والمسلمين .
وهناك من غير شك بعض الجهود العلمية القيمة في هذا الصدد من جانب بعض المسلمين، وهي جهود لا يجوز التقليل من شأنها أو تجاهلها . (3) ولسنا نقصد بهذا الكتاب أن يكون عوضًا عن هذه الدراسات. ولكن حسبنا هنا أن نركز على بعض النقاط الهامة التي نرجو من ورائها أن تكون حافزًا لنا على مواصلة التفكير والتأمل في أبعاد هذه القضية المتعددة الجوانب المتشعبة الأطراف، من أجل الوصول إلى اتخاذ المواقف الصحيحة التي من شأنها أن تسير بنا إلى بلوغ الأهداف المرجوة .
وفي محاولتنا هنا لعرض هذا الموضوع سنتوخى أن نكون موضوعيين، بعيدين عن اتخاذ أسلوب المواقف الجدلية الانفعالية، لأن مثل هذه المواقف قليلة الجدوى وإن كان لها بعض التأثير فإنه تأثير وقتي سرعان ما يزول لعدم ارتكازه على أسس متينة. ومن أجل ذلك نريد أن نخاطب القارئ ونضع أمامه القضية بإيجابياتها، وسلبياتها ونشركه في البحث عن الحلول الجادة .
وفي هذا الصدد نود أن نؤكد أن التزام الموضوعية هو دائمًا في صالح الإسلام. والأمر الذي لا ينبغي أن يغيب هنا عن الأذهان هو أن الإسلام بوصفه دين الله الحق لا يخشى عليه من أية تيارات فكرية مناوئة أيا كان مصدرها وأيا كان شأنها وانتشارها وقوتها طالما وجد هذا الدين من أتباعه من يستطيع فهمه فهمًا سليمًا، وأدرك أهدافه ومراميه إدراكًا واعيًا. فإذا توفر مثل هذا الفهم السليم والإدراك الواعي فسيتضح أنه لا توجد هناك تيارات فكرية يمكن أن تتحدى الإسلام، بل العكس هو الصحيح وهو أن الإسلام نفسه هو الذي يتحدى . أما إذا افتقد الإسلام لدى أتباعه الوعي السليم والفهم الصحيح لأصوله وغاياته فإن مواقف هؤلاء الأتباع- مهما حسنت النيَّات - لن تخرج عن مواقف الصديق الجاهل الذي هو أضر بالإسلام من العدو العاقل .