ويضيف:"نحذر من التساهل فيما يخص الأحكام الفقهية المرتبطة بهذه القضايا، لأن التربية الجنسية لا تقتصر على مجرد قصة التقاء الرجل بالمرأة، وتفريغ هذه الطاقة الجنسية وإنما لها أبعاد أخرى، فيما يخص حدود النظر إلى العورات والخلوة والاختلاط، فيجب أن يكون على علم وإحاطة بها حتى يستطيع أن يتحدث بطريقة إيجابية. وكذلك من المحاذير عدم استخدام لغة واضحة تفهم بأكثر من معنى فيفهم عنه معنى لم يكن يقصده".
كيف نحدد المدخل؟
تعد عملية اختيار المدخل الذي سيستخدمه الداعية لطرح قضايا التربية الجنسية من الإشكاليات التي يبرر بها بعض الدعاة إحجامهم عن التحدث في هذه القضايا، ورغم أن هذا مبرر لا يقبله العلماء والمربون المتطلعون إلى قيام الدعاة بدورهم في هذه المسائل، فإن قضية اختيار المدخل تعتبر فعلا أمرا ليس سهلا.
ويرى الشيخ صبحي اليازجي أن الداعية عليه أن يتحدث عن القواعد والأسس، ولا يدخل في التفصيلات، فيمكن أن يلجأ إلى قضية"العفة"، كما تحدث القرآن الكريم في قضية يوسف عليه السلام، موضحا أن القرآن تحدث عن الفاحشة، لكنه لم يصوّر تفاصيلها.
وقال:"على الدعاة أن يطرقوا هذا الموضوع في البداية من الجانب الفقهي، وبما يتوافق مع السن والمرحلة، فالحديث إلى طلاب المرحلة الابتدائية يختلف عن الحديث لطلاب المرحلة الإعدادية أو الجامعية، كل حسب ثقافته وحسب ما يناسبه".
وأكمل الداعية اليازجي:"يمكن البدء في تعليم النشء التفريق في المضاجع وآداب الاستئذان ولباس المسلمة.. إلخ، وتعليم الفتاة بالتدريج مسائل الحيض، وكيف تستقبل هذا الأمر الطبيعي."
وفي مرحلة المراهقة هناك موضوعات تتعلق بالاستحلام والاغتسال من الجنابة، ثم تهيؤ الشاب لكي يصبح زوجا، وكيفية اختيار الزوجة وما يتعلق بالخطبة، وكيف يتعامل مع الطرف الآخر"."
وأشار إلى أن الداعية يمكن أن يرجع لكتب الفقه الإسلامي، وكذلك الكتب التي تتحدث عن الصحة العامة، والتركيب الفسيولوجي للرجل والمرأة، وقراءة الكتب التربوية والنفسية.
وقال:"لا بد للداعية أن يكون مطلعا في قضايا التربية وعلم النفس والاجتماع، حتى يستطيع أن يعالج هذه القضية من الناحية الروحية، وكذلك يدرس أساليب التربية، ويقرأ المجلات العلمية والطبية في هذه الأمور".
وصفي عاشور أبو زيد
الشيخ - السيد نوح
"الصراع بين الحق والباطل قديم قدم الإنسانية، بدأ في أمة الإسلام مع مبعث نبينا صلى الله عليه وسلم، وقد جرب أهل الباطل كل الأساليب مع هذا الدين وأتباعه فلم يفلحوا، وآخر ما جربوه هو القوة العسكرية بكل ألوانها، ما يخطر منها على البال وما لا يخطر، ورغم كل ذلك فقد انتصر المسلمون وهُزم الكافرون"، بهذه الكلمات بدأ الداعية الكبير الدكتور السيد محمد نوح -أستاذ الحديث وعلومه بجامعتي الأزهر والكويت- محاضرته عن:"الحرية بين الضوابط الشرعية والقناعات البشرية"، والتي أقامتها وزارة الأوقاف الكويتية في مسجد الوزان الثلاثاء 27 - 2- 2007.
أكد الشيخ في بداية الحديث أن المؤامرة على المفاهيم الإسلامية تمثلت في فقرات عدة جمعتها عبارة واحدة هي"الغزو الفكري"، وظهرت محاور هذا الغزو في أمور، هي: التطاول على القرآن الكريم، وعلى السنة النبوية، واللغة العربية التي هي مفتاح لفهم القرآن والسنة، وعلى الأسرة وإبرازها على أنها قيد لحرية الإنسان، ثم تاريخنا حيث قدمونا بلا تاريخ، وقضائنا الشرعي بزعم أنه لم يعد صالحا لزماننا، وكذا الأخلاق الإسلامية وإبراز معتنقيها في صورة المتخلفين الرجعيين، والتطاول أخيرا على فكرة الخلافة الإسلامية.
وبين الشيخ أنه بعد فشل المستعمر في الحرب العسكرية لجأ إلى نوع جديد من الغزو وهو الغزو الفكري، فبدلا من احتلال الأوطان اتجه إلى احتلال المفاهيم وإفسادها وتفريغها من مضامينها، ومن هذه المفاهيم التي أراد أن يلوي عنقها: مفهوم الحرية؛ حيث حاول إبراز دين الإسلام على أنه دين كبت وقهر وتقييد للحريات بما فرضه وحرمه من أمور تمثل قيودا على حرية الإنسان.
مَن الإنسان؟
ولكي ينطلق الحديث صحيحا سليمابدأ الشيخ نوح بطرح هذا السؤال: مَن الإنسان؟ أي من هذا الإنسان الذي نتحدث عن حريته، وللإجابة على هذا السؤال تناول الشيخ الجليل مسألة فلسفة هذا الوجود ببيان أن أصله ومبدعه إنما هو الله الواحد، الموصوف بالكمالات، والمنزه عن كل نقص، وقد خلق للإنسان مخلوقات كثيرة سخرها للقيام على خدمته وقضاء شئونه؛ لينتهي من هذا التناول إلى تعريف دقيق للإنسان بأنه:"سيد في هذه الأرض، عبد لربها"، ومن هنا فإنه لا يجوز للإنسان أن يستعبده ما خلقه الله لخدمته، فيصير عبدا للمال أو السلطان أو الجاه، فلا يصح إلا أن نكون عبيدا لله تعالى، وهذا هو جوهر الحرية؛ لأن ذلك يضمن للمسلم العزة والقوة والكرامة الإنسانية، فكمال العبودية لله هو عينه كمال الحرية.
وتساءلالداعية الكبير: إذا كان الأمر كذلك فهل الإنسان حر -عندنا في الإسلام- بإطلاق، أم أنه حر في أمور ومقيد في أمور أخرى؟ ويجيبعلى سؤاله مقررا أن الإنسان في الإسلام حر -فكرًا- في كل شيء ما عدا ثلاث قضايا:
الأولى: الذات الإلهية، فلا يفكر فيها، لا لأنها محظور أو خط أحمر، ولكن لأن المخلوق مهما أوتي من علم وفهم لن يحيط بالخالق؛ فأنا مخلوق لهذا الخالق ومن هنا فلن أحيط به أو أعرف كنهه، وقد قال تعالى:"لاَ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" (103-الأنعام) ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما:"تفكروا في كل شيء، ولا تفكروا في ذات الله تعالى".
الثانية: الغيبيات، مثل الملائكة، والجن، وتفاصيل اليوم الآخر، التي ينبغي ألا نفكر فيها أيضا لأنها غيب عنا لن نستطيع إدراكه، فهي ليست من مجالات الإدراك العقلي ولأن التفكير في هذه الأمور بعقولنا المجردة وبعيدا عن نصوص الوحي ينتهي بالإنسان إلى إنكارها.
الثالثة: القدر: فلا يعترض المسلم على قضاء الله وقدره، والقدر نوعان: قدر كوني، وهو الذي لا مجال فيه للعقل أو التفكير، وقدر شرعي، وهو محل التفكير مثل الأخذ بالأسباب.
قيود ضابطة
ويستطرد الشيخ: إذا كانت هذه حدود حرية المسلم فإن الحرية التي يتنادون بها اليوم هي حرية مطلقة من كل القيود، ليس فيها حرام ولا محظورات، وهي تعني في جوهرها الانعتاقمن القيود الشرعية، فيستباح الحرام، تُسرق الأموال، تُنتهك الأعراض، تتبرج النساء، يُباح الزنا... وباختصار؛ فالحرية عندهم هي تَحلل من الدين كله بحيث لا يكون الدين إلا في المسجد بعيدا عن حركة الحياة.
وهم بذلك يحاولون نقل تجربة الكنيسة في أوروبا التي مثلت نيابة عن الله في الأرض، فالحرام ما تحرمه، والحلال ما تحلله، ولا يسع أحدا أن يخالف هذه الكنيسة، فقتلت من قتلت، وأحرقت من أحرقت، حتى ثار الشعب عليها، وحصر سلطتها في الكنائس والأديرة فحسب، ولم تعد لها علاقة بأمور الحياة، وهو نموذج لا يعرفه الإسلام.
وبخلاف هذا النموذج الغربي يرسم لنا شرعنا الحنيف حرية من نوع آخر يضمن السعادة والكرامة لكل بني البشر، وهو ما أكد عليه الشيخ سيد نوح حين قال: إن الحرية في الإسلام مقيدة بقيود؛ حيث وضع الشرع الحنيف قيودا على كل شيء، في البيع والشراء، في الزواج والطلاق، في العبادات، في الحدود والعقوبات، في السياسة والحكم؛ فضَبط الحلال والحرام بضوابط وقواعد تحفظ للناس كرامتهم وتُديم لهم حريتهم وسعادتهم.