ما لي أراك تكرهين الجنة =إن أجلب الناس وشدّوا الرنّة
فعدوّ اليوم هو عدوّ الأمس, ونفاق اليوم هو نفاق الأمس يتمثّل في تلك القلوب المريضة (( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ) ) [سورة المائدة: 52] ، وتلك العزائم الخائرة (( فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يُغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حِدادٍ أشحةً على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم ) ) [سورة الأحزاب: 19] ، وتلك النفوس الحائرة المترددة (( مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ) ) [سورة النساء: 143] ، (( الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نسْتحوذْ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ) ) [سورة النساء: 141] .
والروافض هم الروافض في التآمر والتخاذل والتحالف مع الكافرين! والمجاهدون هم المجاهدون (لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم) فالحزم هو الحزم (( الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) ) [سورة آل عمران: 173] ، والعزم هو العزم (( ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا ) ) [سورة الأحزاب: 22] .
نسأل الله تعالى أن يقوّي فينا عقيدة الولاء والبراء؛ فننحاز إلى صفوف المجاهدين الصالحين استجابة لأمر الله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) ) [سورة التوبة: 119] , ونبرأ من الكافرين, ونحيي في نفوسنا معاني العزة بالله والجهاد في سبيله كما قال مَن قبلنا:
إذا الفتى لم يركب الأهوالا =فأعطه المِرآة والمِكْحالا!
واسْعَ له! وعُدَّه عِيالا!
فإنه لا إيمان ولا عزة ولا جهاد إلا بالولاء والبراء؛ فحينما تحقق الأمة ذلك تنشد بين الورى:
السيف أصدق أنباء من الكتبِ =في حَدِّه الحَدُّ بين الجِدِّ واللعبِ
فبين أيامك اللائي نُصرت بها =وأيام بدرٍ أقربُ النّسبِ
أبقت بني الأصفر الِممْراضِ كاسِمِهِمِ =صُفرَ الوجوه. وجلَّت أوجه العربِ
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
التعقيب على ورقة الولاء والبراء
د. عبد الله عبد الحي:
[1] تقسيم الولاء إلى مراتب بعضها:
أ - كبيرة: مثل (اتخاذهم بطانة, ومداهنتهم والتذلل لهم, والمبالغة في تعظيمهم ورفع شأنهم, والدخول في سلطانهم بدون حاجة, والتشبّه بهم في أخلاقهم وشعائرهم, والإقامة بينهم لمن يستطيع إعلان دينه مع قدرته على الهجرة) .
ب - أقلّ من ذلك مثل (ميل القلب غير الإرادي إلى الزوجة الكتابية, وكذلك مدحهم والثناء عليهم بدون مسوّغ, والعمل لديهم مع وجود الإهانة والاحتقار) .
ج - مباحة: مثل (معاملة غير المحاربين بالحسنى, والإهداء إلى المسالمين منهم تأليفًا لقلوبهم على الإسلام, وكذلك الإقامة ببلاد الكفار لغرض صحيح مثل طلب العلم مع القدرة على أداء الفرائض) .
[2] التحذير من التساهل في شأن الولاء والبراء.
الشيخ مدثر أحمد إسماعيل:
من النقاط التي طرحها:
[1] تعريف الولاء بأنه محبة ومودّة وقرب, وتعريف البراء بأنه بُغضٌ وعداوةٌ, وهما من أعمال القلوب.
[2] ذكر مقتضياتهما من النصرة والمعاونة والجهاد.
[3] ضرورة تحرير الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين من الولاءات الجاهلية كالقومية والعلمانية وغيرها.
[4] التأكيد على خطورة الحملة الصليبية الفكرية ممثّلة في المبشّرين والمستشرقين وأعوانهم من العلمانيين.
د. عبد الله الزبير عبد الرحمن*
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
اللهم لك أسلمنا، وبك آمنا، وعليك توكلنا، وإليك أنبنا، وبك خاصمنا، وإليك حاكمنا، فاغفر لنا ما قدّمنا وما أخّرنا، وما أعلنا وما أسررنا، وما أنت أعلم به منّا. اللهم كن لنا ولا تكن علينا، اللهم أعنّا ولا تعن علينا، اللهم انصرنا ولا تنصر علينا، اللهم امكر لنا ولا تمكر علينا، اللهمّ انصرنا على من بغى علينا.
أما بعد..
[1] لا إيمان بلا إذعان للشرع:
لا بدّ أن يُبَيّن للمسلمين على عمومهم، والحكّام منّا على خصوصهم، أنّ أمر الشريعة وتحكيمها أمر دين لا يتحقق الإيمان إلاّ بالإذعان لها والاحتكام إليها، وأنّ موقف المسلم منها حدود وفواصل، إما إيمان وجهاد، وإما كفر وارتداد.
فمما يجب تبيينه: أن الإيمان لا يتحقق أبدًا إلاّ بالإذعان لأمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم مع التصديق، فلو انفرد التصديق لم يتحقق الإيمان، ولو انفرد الإذعان والعمل لم يتحقق الإيمان، فلا بدّ في تحقق الإيمان اجتماع التصديق والإذعان، والقول والعمل، قال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلّموا تسليمًا) [سورة النساء: 65] .
وهذا من الدين كالمعلوم ضرورة، وأسوق إليك أقوال علماء الأمة ممن سبقونا بالعلم والإيمان رحمهم الله تعالى:
(1) قال البخاري رحمه الله تعالى:"لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أن أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل.." ( [1] ) .
(2) وروى الربيع عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال:"الإيمان قول وعمل" ( [2] ) .
(3) وحكى ذلك الفضيل بن عياض عن وكيع عن أهل السنة والجماعة ( [3] ) .
(4) وكتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى عدي بن عدي:"إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودًا وسننًا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان" ( [4] ) .
(5) ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"الكفر عدم الإيمان، سواء كان معه تكذيب أو استكبار أو إباء أو إعراض، فمن لم يحصل في قلبه التصديق والانقياد فهم كافر" ( [5] ) .
ويقول في موضع آخر:"لا فرق بين من يعتقد أن الله ربه وأن الله أمره بهذا الأمر، ثم يقول إنه لا يطيعه لأن أمره ليس بصواب ولا سداد، وبين من يعتقد أن محمدًا رسول الله وأنه صادق واجب الاتباع في خبره وعمله، ثم يسبه أو يعيب أمرًا أو شيئًا من أحواله، أو ينتقصه انتقاصًا لا يجوز أن يستحقه رسول، وذلك أن الإيمان قول وعمل" ( [6] ) .
(6) ويقول ابن القيم رحمه الله:"الإيمان هو التصديق، ولكن ليس التصديق مجرد اعتقاد صِدْق المخبِر دون الانقياد له، ولو كان مجرد اعتقاد التصديق إيمانًا؛ لكان إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح، واليهود الذين عرفوا محمدًا رسول الله كما يعرفون أبناءهم؛ مؤمنين مصدقين، فالتصديق إنما يتم بأمرين، أحدهما: اعتقاد الصدق، والثاني: محبة القلب وانقياده" ( [7] ) .
(7) وقال القسطلاني رحمه الله في شرح حديث الإيمان في صحيح البخاري:"هو لغة التصديق، وهو كما قال التفتازاني: إذعان لحكم المخبِر وقبوله. فليس حقيقة التصديق أن يقع في القلب نسبة التصديق إلى الخبر أو المخبر من غير إذعان وقبول بل هو إذعان وقبول" ( [8] ) .
(8) ويعرّف الكمال بن الهمام رحمه الله الإيمان بأنه:"الاستسلام الباطن والانقياد لقبول الأوامر والنواهي" ( [9] ) .