ب- منعهم من الإساءة لشعائر الإسلام، فلا يجوز لهم التعرض لدين الإسلام، ولا لكتاب الله ولا لرسوله بإهانة أو طعن أو تحريف أو تكذيب، كما يجب عليهم الامتناع عن كل ما فيه ضرر بالمسلمين في دينهم ونفوسهم وأعراضهم وأموالهم.
ج- منعهم من إظهار شعائر دينهم درءًا للفتنة في الدين، ومنعهم من التظاهر بالمنكرات التي يستحلونها وأقروا عليها بموجب عقد الذمة أو الأمان، حيث إن إظهار ذلك مما يغري بعض سفهاء المسلمين بتناوله تشبهًا بهم.
د- منع الذميين من التشبه بالمسلمين في اللباس والهيئات، وفي الأسماء والكنى والألقاب والمراكب, ومن التعالي على المسلمين في المساكن, وألزمهم بالغيار؛ وهو لبس علامة فارقة تميزهم عن المسلمين في المجتمع، حتى يمكن إنزال كل فريق منزلته، ويعطى ما يستحقه من حقوق، ويطالب بأداء ما يجب عليه من واجبات.
رابعًا: الدعوة والاحتساب في مواجهة التشبه بالكفار:
لم يكتف الإسلام بتشريع سبل الوقاية فقط، بل حمّل أيضًا الدعاة والمحتسبين وظائف ومسؤوليات لترجمة تلك التدابير إلى واقع عملي ملموس وإلى نموذج تطبيقي مشاهد. حيث إن التدابير الإسلامية لتكوين شخصية المسلم والتدابير الواقية من تأثر المسلم بالكفار والتدابير الواقية من نفوذ الكفار في دار الإسلام تحتاج إلى من يبيّنها للناس، ويدعوهم إليها بمختلف الوسائل والأساليب، ويقيم الحجج عليها، ويدفع شبه المخالفين عنها، وهذه مهمة الدعاة.
كما أن تلك التدابير تحتاج أيضًا إلى من يَحْمِل الناس على السير وفق مقتضياتها، ويمنعُهم من مخالفتها، ويؤدِّب المنحرفين عنها، ويتخذ في ذلك كافة الوسائل والأساليب الممكنة لتحقيق الأمور المذكورة، ومن هنا تأتي مهمة المحتسبين.
فمن الوظائف والواجبات الملقاة على عاتق الدعاة والمحتسبين في هذا الصدد ما يلي:
1-الدعوة والاحتساب لمواجهة التشبه العقدي:
وذلك بما يلي:
أ- كشف النقاب عن الحركات والتنظيمات العاملة على تقويض العقيدة الإسلامية، كمنظمات التنصير والماسونية والصهيونية وغيرها.
ب- الحرص على بيان العقيدة الصحيحة وتوضيحها للأمة، وتحذيرها من الشرك والبدع.
ج- الاحتساب على المظاهر الشركية والبدعية المؤدية إلى الغلو في الدين وفي الأشخاص.
2-الدعوة والاحتساب لمواجهة التشبه التعبدي:
يجب على الدعاة بيان العبادة الصحيحة وأحكامها وشروطها، وما يضاد ذلك من البدعة المحدثة في الشعائر التعبدية، وقايةً للأمة من التخبط في أوحال بدع وطقوس الأمم الكافرة, التي طالما تسربت إلى العبادات الإسلامية بسبب الجهل الذي يعيش فيه غالب المسلمين.
3-الدعوة والاحتساب في مواجهة التشبه الأخلاقي:
وذلك بما يلي:
أ- الكشف عن الوسائل والأساليب المستخدمة لتقويض الدعائم الخلقية للشعوب الإسلامية، فأعداء الإسلام يتسترون وراء شعارات مختلفة، ويلبسون أقنعة متنوعة، ويتسمّون بأسماء متعددة، مع أن الحقيقة والجوهر واحد. وهم يزرعون أفكارهم بالأساليب المختلفة الخبيثة، المباشرة منها وغير المباشرة، فتنتشر هذه الأفكار كانتشار الجراثيم في البيئة.
وجراثيم الأمراض الخلقية التي يبثها أعداء الإسلام بالوسائل المختلفة الخفية منها والظاهرة قد لا تظهر آثارها في حينها على الأفراد لوجود مقاومة عقدية أو اجتماعية، ولكن مع مرور الأيام تظهر وقد استفحل الأمر واستعصى, مما يجعل الكشف المبكّر والدائم عن تلك الوسائل والأساليب التي يستخدمها أعداء الأمة لزرع جراثيم الأمراض الخلقية في أوساط المسلمين أمرًا له الأهمية القصوى في مواجهة التشبه الأخلاقي.
ومن تلك الوسائل: إنشاء النوادي وبيوت الشباب التي يستخدمونها في ترويج المسكرات والمخدرات، ونشر الأفلام والصحف والمجلات الخليعة والماجنة ونشر تجارة الجنس عن طريق الملاهي والمراقص الليلية وفرق الرقص، وتشجيع السياحة إلى بلاد الكفر، والسماح بالتعري على شواطئ البحار والأنهار، وعن طريق ما يسمونه بالأدب المكشوف، وهو عبارة عن الكتب والقصص الجنسية التي لا تتورع عن تزيين سبل الفساد للشباب.
ب- القيام بتزكية النفوس بالأخلاق الحميدة:
المهمة الثانية التي يجب على الدعاة ـ وهم في مضمار المواجهة مع ظاهرة التشبه الأخلاقي ـ أن يعملوا على تزكية نفوس المسلمين بالأخلاق الحميدة، وذلك بالعمل على إثارة دواعي التمسك بالأخلاق الحميدة لدى الناشئة، وتنفيرهم من دواعي التحلل منها، وبيان مدى فائدة وفضيلة التحلي بالخلق الكريم، وتبصيرهم بعواقب الانحلال الخلقي الوخيمة.
ج- الاحتساب على توريد البضائع المحرمة.
د- القيام بمراقبة المطبوعات.
هـ- القيام بالاحتساب على الكفار المقيمين في ديار الإسلام في مجال الأخلاق.
4-الدعوة والاحتساب في مواجهة التشبه الثقافي:
مجال الفكر والثقافة من أخطر مجالات تشبه المسلمين بالكفار لكونه سببًا في غيره من مجالات التشبه الأخرى، وقد استخدم الكفار في التغريب الثقافي للشعوب الإسلامية وسيلتين خطيرتين:
إحداهما: المناهج التعليمية، وهي أهم وسيلة لتغيير الشعوب وتشكيلها, وتغيير هويتها حسب الغايات والأهداف التي تراد لها.
ثانيهما: وسائل الإعلام، وهذه لا تقل خطورة عن الوسيلة السابقة، إن لم تكن أخطر منها في عصرنا الحاضر، لسعة انتشارها وسهولة استخدامها ومناسبتها لمختلف فئات الأمة، فقد كان للإعلام في بعض البلاد الإسلامية بوسائله المتعددة دور بارز وخطير ساهمت به مع المناهج التعليمية في طمس معالم الثقافة الإسلامية وتشويهها، وفي التحريض على التشبه بثقافة غير المسلمين وفكرهم ومعارفهم.
ومن هنا كان لا بد لمواجهة التشبه الثقافي من إصلاح المناهج التعليمية ووسائل الإعلام معًا، وذلك بما يلي:
أ- الدعوة إلى التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية والإنسانية.
ب- الدعوة إلى التوجيه الإسلامي للعلوم المختلفة.
ج- الاهتمام بدعوة الأقليات المسلمة في بلاد الكفر.
د- الاحتساب على المدارس الأجنبية القائمة في بلاد المسلمين، وإخضاعها تحت الإشراف والرقابة.
هـ- الاحتساب على أهل الذمة في مجال التعليم والثقافة.
خامسًا:دعاء الله سبحانه بالهداية إلى الاستقامة:
لا شك أن التشبه بالكفار انحراف عن الصراط المستقيم إلى صراط المغضوب عليهم أو الضالين.
قال ابن تيمية:"وهذا الانحراف أمر تتقاضاه الطباع ويزينه الشيطان، فلذلك أمر العبد بدوام دعاء الله سبحانه بالهداية إلى الاستقامة التي لا يهودية فيها ولا نصرانية أصلًا" [8] .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا،،،
[1] انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (1/352) .
[2] انظر: التدابير الواقية من التشبه بالكفار، للدكتور عثمان دوكوري.
[3] أخرجه الطبراني في الكبير (9/152) ، وأبو نعيم في الحلية (1/136-137) ، وروي معناه مرفوعا ولا يصح.
[4] الفائق في غريب الحديث (1/57) .
[5] انظر: تحفة الأحوذي (6/145) .
[6] أخرجه البخاري في الذبائح والصيد, باب: المسك (5534) ، ومسلم في البر والصلة, باب: استحباب مجالسة الصالحين (2628) .
[7] الرسائل والمسائل النجدية (3/290) .
[8] اقتضاء الصراط المستقيم (1/83) .
د. علي بن عمر بادحدح