فهرس الكتاب

الصفحة 1259 من 3028

نحن نعلم أن هذا العنوان هو شطر من آية في قول الحق - سبحانه وتعالى -: { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ التوبة 32-33 ] .

وفي دلالة هذه الآية وما يتفرع عنها ، نبقى في هذا الدرس - بمشيئة الله تعالى - ونستهل ذلك بالمعنى الإجمالي الذي قاله ابن كثير في تفسيره حول هذه الآية ، ثم ننطلق بعد ذلك إلى آفاق عديدة متنوعة .

قال ابن كثير:

{ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ } . قال:"يريد هؤلاء المشركين وأهل الكتاب".

والآيات أصلًا في سياق ذكر الأحبار والرهبان من أهل الكتاب فهي أخص بهم وألصق بهم .

{ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ } قال في معنى نور الله:"أي ما بعث به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الهدى ودين الحق بمجد جدالهم وافتراءهم ، فمثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس أو نور القمر بنفخة ، وهذا لا سبيل إليه ، فكذلك ما أرسل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا بد أن يتم ويظهر ، ولهذا قال - تعالى - ومقابلًا في ما راموه وأرادوه: { وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } "

والكافر هو الذي يستر الشيء ويغطيه .

ثم قال تعالى:

{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } .

فـ { الْهُدَى } هو ما جاء به من الإخبارات الصادقة ، والإيمان الصحيح ، والعلم النافع .

{ وَدِينِ الْحَقِّ ...} هي الأعمال الصالحة النافعة في الدنيا والآخرة .

{لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } أي على سائر الأديان". انتهى كلامه رحمه الله ."

وهذه الآيات نأخذ منها جملة من الحقائق المهمة:

الحقيقة الأولى

أن أعداء هذا الدين لا يزالون يحاربونه ، ويعادونه ، ويجتهدون في إطفاء نوره ، وطمس معالمه ، والتضييق على دعوته ، وحرب أهله ؛ لأن الله - جل وعلا - عبّر عن هذه الحقيقة بالآية القرآنية بالفعل المضارع الدال على الاستمرار .. { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ ... } .

و { يُرِيدُونَ ....} بالمضارع و { يُطْفِئُوا ...} بالمضارع ، والمضارع يدال على الاستمرار والدوام .

والإرادة هي: عزم وجزم صادق بناءًا على علم ودراية وعقل .

فليست العداوة مجرد حالة طارئة ، ولا نزوة طائشة ، وإنما إرادة ماضية ، وإستراتيجية ثابتة ، وهذه الحقيقة هي من سنن الله - عز وجل - في الصراع بين الحق والباطل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

الحقيقة الثانية

فهي في التعبير القرآني في قوله: { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ }

والتعبير بأفواههم يشمل معانٍ عدة منها:

الحقيقة القرآنية أن عاقبة ما يريده الأعداء لا تتم ولا تكمل ، فلا يحصل إنتفاء نور الله ، ولا يتحقق محوه من الوجود ، ولا يمكن أن تزول زولته وأن تطوى رايته وأن توأد دعوته ... لماذا؟

لأن التعبير يقول: { بِأَفْوَاهِهِمْ } وكما قال ابن كثير:"كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس أو نور القمر بنفخة فلا يمكن له أن يصل إلى مثل هذا".

أو كما يقولون في المثل:"الذي يتق الشمس بالغربال"، فإن هذا الغربال لا يمنع عنه الشمس وضياءها وشعاعها ، ولا يتحقق له به الظل .

وهذه حقيقة أيضًا يصدقها الواقع ، وإلا - كما سيذكر - فإن النظر المجرد ، والمقياس المادي ، يؤدي عندما نرى أهل الباطل ، وأعداء الحق ، وقوته ، وجهوده ، فإن العقل يحكم بهزيمة كاملة ، واندحار تام لهذا الدين ، ولكن الواقع ، يشهد بغير ذلك .

والحقيقة الثالثة

في قوله جل وعلا: { وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ .... } . وهذا أيضًا يعبر عن سنة إلهية ، وهي أن دين الله - عز وجل - غالب كما قال - جل وعلا -: { وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [يوسف: من الآية21] .

وهذه السنة مذكورة في التعبير القرآني بما يجعلها حقيقة مسلمة لا يمكن الشك فيها .

لأن معنى { يَأْبَى ... } أي يمنع . ومن الذي يمنع هذا الإطفاء وهذه الجهود ضد الإسلام أن تبلغ مبلغها ، وأن تصل إلى غايتها !

قال الله عز وجل: { وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ .... } . وإذا أراد الله شيئًا فإنه واقع ، وإذا منع شيئًا فإنه لا يمكن أن يتم ولا أن يكبر ، فإذا عرفنا أن الله - عز وجل - هو المتكفل ببقاء نور الإيمان ، والإسلام ، وبقاء هذا الدين ، وبقاء زمرة من أهله على الحق ظاهرين في كل زمان ومكان ، كما أخبر المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في ما صح من حديثه . فإذن هذه حقيقة لا يمكن أن يتشكك فيها مسلم ومؤمن مطلقا .

الحقيقة الرابعة

قوله: {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.. } أي أن علو الدين يقع حالة كونهم كارهين لذلك .

أي أنهم لا يستطيعون أن يردوا تلك الغلبة للإسلام ، ولا الانتشار النووي ، رغم أنهم يريدون ذلك ويستعدون له ، لكنهم يكرهون على غلبة هذا الدين ، لأمور سيأتي ذكرها في تضاعيف أحاديثنا القادمة .

ثم تأكيد لهذا المعنى في قوله: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } .

وفي هذه الآية تأكيد لكل المعاني السابقة ، وهي كالتعضيد المفصل لكل ما سبق .

فقوله { نُورَ اللَّهِ .. } قال: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى } .

{ هُوَ } { نُورَ اللَّهِ} عز وجل .. { وَدِينِ الْحَقِّ } كما قال ابن كثير هي الإعمال الصالحة .

{ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } ولا شك أن الإظهار لابد أن يكون له مناوئة ، وهذه المناوئة هي التي في إرادتهم إطفاء نور الله عز وجل .

والإظهار هو في قوله: { وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } يقابلها { وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } .

فتكتمل الحقائق الأربع في الآيتين على أسلوبين مختلفين تأكيدًا وتعضيدًا لهذا المعنى .

ثم نقول: لو أردنا أن ننظر إلى هذه الإرادة من أعداء الإسلام ضد نور الله - عز وجل - ؛ فإننا يطول حديثنا في ذلك ، لكن أذكر صورًا متنوعة من محاولات إطفاء نور الله عز وجل .

طبعًا الذين يقومون بذلك ونالوا أعظم إثم فيه وأكبر عمل فيه عبر التاريخ فيما مضى وإلى يوم الناس هذا هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى .

ومن أراد أن يطالع شيئًا من ذلك فليطالع عن جهود النصارى والتبشير في الغارة على العالم الإسلامي ، وليطالع صنائع اليهود ومكائدهم في حرب الإسلام في بروتوكولات حكماء صهيون .

أما الصور فأذكر منها صورًا شتى منها:

أولًا: الغزو الفكري .

ثانيًا: التشويه الإعلامي .

ثالثًا: الحصار الاقتصادي .

رابعًا: الضغط السياسي .

خامسًا: الاستعمار العسكري .

وكل صورة من هذه الصور لها أمثلة كثيرة لا تعد ولا تحصى .

ففي الغزو الفكري

لا تحصى الكتب التي ألفت ، والشبهات التي أثيرت ، والقضايا التي أريد منها أن يظهروا للناس عوارًا في الإسلام ، أو يشوهوا بعض حقائقه .

والتشويه الإعلامي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت