وحتى لا تبقى الطروحات نظرية وأقرب إلى المتعة الذاتية منها إلى الواقع المعاصر المعاش، قدَّم الكتاب نظرات فاحصة، ونماذج هادية في إطار الجامعات الإسلامية اليوم، وعلّق عليها الأمل إذا وعت مهمتها لتؤدي دورها في تحديد ملامح المجتمعات الإسلامية المعاصرة والحفاظ على تميزها وتكاملها وقدرتها على النهوض بالتعليم الإسلامي ليصبح مؤثرًا فعالًا في بناء الفرد، وصياغة الجماعة، وتقديم القيادات ذات الكفاءات المؤمنة للعالم الإسلامي، والقيام بالوظيفة المنوطة بها في تحقيق السعادة وسكينة النفس عن طريق الهداية، وتأمين الرفاهية والتقدم عن طريق التقنية، وبذلك تتوفر لعالمنا الإسلامي الأصالة والمعاصرة على حد سواء.
ولا شك أن الكلام عن مهمة الجامعات الإسلامية ودورها يبقى ذا أهمية كبيرة، لأن المفترض بهذه المؤسسات التعليمية الكبيرة أن تكون المختبرات الحقيقية لهضم التراث وإنتاج المعاصرة من خلال رؤية علمية تراثية عاقلة بعيدة عن الحماس والانتصار العاطفي.
والحقيقة التي لابد من تسجيلها هنا أن واقع الكثير من الجامعات في العالم الإسلامي يدعو إلى الأسى، ذلك أنها لمّا تتحرر بعد من ربقة التحكم الثقافي الذي ترافق مع إنشائها سواء في عصر الاستعمار أو عصر ما بعد الاستعمار والخضوع للنظريات التربوية الغربية في تصور الإنسان والكون والحياة، والمناهج الغربية في طرائق التحقيق والنقد ومناهجه التي أُنضجت هناك ثم استوردت إلى جامعاتنا مع ما استورد من أشياء الحضارة الاستهلاكية، لذلك عجزت الجامعات في الماضي أن تحل مشكلة المجتمعات الإسلامية، وقد يكون الكثير من التقدم والوعي واليقظة الإسلامية أو ما يسمى اليوم بالصحوة الإسلامية حصل خارج أسوار الجامعات التي لم يكن للإسلام دور في صياغة مناهجها الأمر الذي لم يخل من بعض المشكلات والتي يجب أن يُسأل عنها الجامعات بالدرجة الأولى، ونستطيع أن نقول: أن الوعي الإسلامي جاء إلى الجامعات بدل أن يخرج منها إلى المجتمع؛ لقد أدرك المخططون للعالم الإسلامي خطورة المؤسسات التعليمية على مستقبله الثقافي والحضاري فكان التحكم الثقافي من أخطر البلايا والرزايا التي رمانا بها.
يقول الشاعر أكبر الإله أبادي:
(( يا لبلادة فرعون الذي لم يصل تفكيره إلى تأسيس الكليات، وقد كان ذلك أسهل طريق لقتل الأولاد، ولو فعل ذلك لم يلحقه العار وسوء الأحدوثة في التاريخ ) ).
وبعد:
فهذا الكتاب الذي نقدمه اليوم للدكتور الفاضل: أكرم ضياء العمري ليس ذا مضمون تقليدي يتحدث عن التراث وقيمته، ومخطوطاته وأعدادها وأمكنتها، وخطط إحيائه أو تحقيقه، فلذلك مجال آخر وكتاب آخر، بقدر ما يقدم ملامح مضيئة، ونماذج هادية، وقراءة سليمة لهذه النماذج للإفادة من التراث على مستوى المعاناة التي يعيشها العالم الإسلامي والعالم التي لا تدع بديلًا عن ضرورة الإفادة من هذا التراث في عملية الإقلاع الحضري، وهذا لا يأتي من أعمال عشوائية تغلب عليها الصفة التجارية في تحقيق الأرباح أو الحصول على الشهادة، أو خطب حماسية تحقق المتعة الذاتية ولا تتقدم أنملة واحدة على طريق تقديم الحل الإسلامي، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
الحمد لله الولي المنعم، والصلاة والسلام على نبيه وآله وصحبه وسلم.
يثور في الأوساط الثقافية جدل طويل حول ما يسمى بـ (( قضية التراث ) )، وقد أُلقيت محاضرات، وكُتبت مؤلفات، وعُقدت ندوات لبيان مكانة التراث في حياتنا المعاصرة، ولا شك أن هذه القضية ما كانت لتظهر لولا الفصام الذي ظهر بين ماضينا وحاضرنا على أثر غزو الحضارة الغربية وثقافتها الفكرية للعالم الإسلامي بحيث صار من الضروري أن يؤكَّد على ملامح متميزة وطوابع ذاتية تحول دون ذوباننا في عالم الغرب.
وقد أذكى الصراع السياسي والعسكري بين الشرق الإسلامي والغرب الاستعماري ـ في النصف الأول من القرن العشرين خاصة ـ دوافع جديدة للتحدي وللرغبة في التميز والتأكيد على (( الذات ) )في عالمنا.
وجاء الغزو الفكري الغربي خلال فترة التسلط الاستعماري المباشر وبعدها يُعبِّر عن اعتزاز الغرب بثقافته ولغته وتقاليده وقيمه التي حاول فرضها على البلدان المسْتَعْمَرَةِ، واستمر يغذيها عن طريق وسائل الاتصال المختلفة حتى بعد خروج عساكره من العالم الإسلامي، وقد ساعده التقدم التكنولوجي الهائل على تحقيق نجاح كبير في مساعيه، وكان لابد أن يظهر رد الفعل في العالم الإسلامي ليؤكد على الذاتية والخصوصية وتوظيف التراث لتحقيق ذلك . .
ولكن (( قضية التراث نفسها ) )لم تنج من آثار الغزو الفكري، فقد طرحت أحيانًا بمنظار غربي بحيث احتل (( الفلكلور ) )مساحة واسعة، مما حول القضية إلى نمط من المتعة الثقافية التي أضافها الغربيون أنفسهم إلى أنواع الترف الفكري الذي يعيشونه بعد أن حققوا أحلامهم في الثروة والسيطرة على عالم اليوم.
ولا شك أن قضية (( التراث ) )بهذا المنظار لن يكون لها أثر كبير في تشكيل شخصيتنا الحضارية، لذلك يتقبلها التيار الرافض للتراث بمعناه الشامل، وهو تيار يرى في التراث معوِّقًا للوصول إلى النهضة التي لن تحدث ـ في رأيه ـ إلاَّ بمتابعة خُطا الحضارة الغربية، وهو طريق مضمون النتائج.
ولكن العديد من المثقفين المتشبعين بالتراث وروحه تخطَّوْا هذا الطرح الهزيل لقضية التراث التي يرونها تتمثل في بعث روح حضارية تربط الحاضر بالماضي، وتؤكد على الأصالة تأكيدها على المعاصرة، ورغم أنهم لا يؤمنون بشد العربة إلى الوراء ولا الالتزام الحرفي بكل جوانب الماضي بل يؤكدون على عوامل التقدم الحضارية، لكنهم يضعون إطارًا عامًا للتطور يحكمه الوحي الإلهي الذي ينبغي أن يشكل روح الحاضر ودستوره العام، كما كان في عصور الإسلام الذهبية . . . وهذا التيار يمثل الاتجاه السلفي الذي اشتدت قوته في العقود الأخيرة، وعبرت عنه وسائل الإعلام بـ (( الصحوة الإسلامية ) ).
ويقف بين الاتجاهين أصحاب الحلول الوسطية التوفيقية يمثلون تيارًا انتقائيًا يسعى للتوفيق بين قيم التراث والحضارة الغربية، وهو يقتربُ مرة من الاتجاه السلفي عندما يسلم بالوحي الإلهي ودوره في بناء حضارة إسلامية معاصرة، ويقترب أخرى من الاتجاه الرافض للتراث بمعناه الشمولي عندما يجعل الانتقاء يمتد إلى الوحي الإلهي نفسه، ويعامله مثل بقية المعطيات الأخرى .
وأحيانًا يشتد التناقض في ذهنية بعض التوفيقيين، ويحاولون الخلاص باقتراح الفصل بين القرآن والسنة باعتبارهما وحيًا إلهيًا وبين النتاج الثقافي والحضاري في التراث، ليتم الانتقاء والنقد بحريَّة دون المساس بالعقيدة الدينية . . . والحق أن هذا الرأي يبعد عن واقع المشكلة الحقيقية لأن الفصل غير ممكن عمليًا، ولأن النقد يمكن أن يتعرض للعقيدة والشريعة من خلال نقد قيم التراث المستمدة من الوحي الإلهي..
إن هذه الدراسة التي أقدم لها تعرض قضية (( التراث ) )بمفهومها الشمولي لتوضيح العلاقة بين التراث والمعاصرة، وتبرز مفاهيم التراث الجديرة بالاهتمام والعناية، والتي لابد لنا منها في تشكيل شخصيتنا الحضارية، ووقوفنا أمام تحديات العصر، (( والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر النَّاس لا يعلمون ) ) (يوسف:21 ) .