(3) النهاية ـ أحمد رجب، ص 48.
(4) ولقد سبق أن تورط شقيق الرئيس التونسي ـ الحبيب بن علي ـ في تناول المخدرات والاتجار بها في فرنسا، ويصف بعض الكتاب قضية نواب المخدرات التي أثيرت في منتصف التسعينيات في مصر بأنها الجزء الظاهر من جبل الجليد، انظر: النهوض الإسلامي، ص 101، إحقاق الحق، ص 191.
محمد أحمد منصور
إذا كنا بصدد الحديث عن الحصاد العلماني في مجال التعليم فلا يمكن عزل التعليم اليوم عن بقية أبعاد المخطط العلماني من إعلام واقتصاد وسياسة، وغير ذلك.
وإذا كان هذا الحصاد لا يمكن التعبير عنه بدقة من خلال الأسلوب الكمي؛ فإن الأسلوب التوصيفي والتحليلي يمكن أن يتيح لنا نظرة تتسم بالدقة إلى حد بعيد.
وإذا كان واجب ولي الأمر في الإسلام هو حفظ الدين وسياسة الدنيا به؛ فإن ذلك يقتضي منه تعليم هذا النشء أمور دينهم لتنبثق منهجية تفكيرهم وسلوكهم منه؛ ومن ثَمَّ يتأسس خط الحضارة على هذه المنهجية.
وهذا الواجب لا تسقط تبعته حتى يقيم الكفاءات ويفرغ الطاقات التي تبني شخصية المسلم من خلال التربية سعيًا في إبراز شخصية الأمة من خلال التعليم بمناحيه المختلفة بكماله وخصوصيته الجامعة المانعة التي تميز بها الإسلام عن غيره.
من خلال هذا المنظور يمكن أن ندلف إلى قضية التعليم وعلمنته لنرصد أخطاءه وخطاياه.
المسار .. والمصير:
بدأت قضية العلمانية تطل برأسها وتتسرب رويدًا رويدًا منذ عادت البعوث العلمية من فرنسا لإقامة دولة محمد علي العصرية، وقد كانت فرنسا على ما فيها من ازدهار للفكر العلماني شأنها شأن أوروبا تتحين مثل هذه الفرصة لتغرس غرسها وتمضي مع الوقت لتحصد النتائج. بلع رفاعة الطهطاوي الطعم وعاد منهزمًا نفسيًا ولم يفرق بين النبيذ والإبريز، وقد كان في وسع محمد علي إقامة مثل تلك النهضة من داخل الأزهر؛ لكنه أراد ولاءًا خالصًا له خاليًا من أي منازعة فكان ما كان. وأنشئت المدارس الفنية والابتدائية لتعليم الصنائع وأجريت عليها النفقات، لكن محمد علي لم يصمد للتجربة التي لم تنجح، وأُغلق كثير من تلك المدارس في عهده، وجاء عباس الأول فأغلق الباقي، وسار محمد سعيد باشا في نفس الخطى، مما أوجد فراغًا استغلته المدارس التنصيرية الفرنسية، والبريطانية، والأمريكية المجانية، والحرة، والدولية، فضلًا عن المدارس اليونانية، والإيطالية، واليهودية، والأرمنية التي اندفعت لملئه منذ أوائل عهد إسماعيل، وقد كان التعليم في هذه المدارس يتم وفق نظام البلد الأم وبلغتها، وكان التعليم منصبًّا على توجيه ولاء الطلاب ناحية الثقافة التي يحملها المعلمون في هذه المدارس.
كما تم إنشاء العديد من المدارس الابتدائية والثانوية على يد النصارى المصريين، وكانت تقتصر على تعليم التلاميذ المصريين الصغار!
وكانت المدارس الأجنبية تتلقى العون المالي من الحكومة على عهد الخديوي إسماعيل الذي كان يهدف إلى خلق نظام تعليمي أجنبي ليستكمل (تغريب) مصر (1) ، والذي كان عصره أكثر تأثيرًا على الحياة الثقافية وعلى الشخصية المصرية حتى الآن، وفي عصره بدا المجتمع المصري مجتمعًا مزدوج الثقافة؛ فكان هناك من تعلموا في الكتاتيب وتخرجوا من الأزهر، وآخرون تخرجوا من التعليم العام (2) والأجنبي، ويقف على قمتهم من تعلموا في أوروبا، وكان القطاع الثاني يتسع على حساب القطاع الأول. يقول لورد سالسبري: «إن هذه المدارس هي أول خطوة لاستعمار الشعوب التي تنشأ فيها، فإنها تخرج فيها طائفة تخالف سائر أمتها في عقائدها وتفكيرها وتقاليدها فتحدث فيها صدعًا وشقاقًا تنقسم به على نفسها فيقتلها هون الانقسام بأيديها» (3) .
وكانت مدارس الإرساليات بما تقوم به ترسم الطريق والمناهج؛ حتى إذا جاء المستعمر فرض هذه المناهج على المدارس الوطنية مع تغيير طفيف (4) .
وحينما جاء الاحتلال البريطاني نجح في تحويل سياسة المستعمر التعليمية في مصر والهند من: (سياسة تجهيل الشعوب) إلى: (سياسة تضليل الشعوب) من خلال التعليم المحدود تحت شعار: (عقل بريطاني، ويد مصرية) وذلك ليستفيد من تلك الشعوب في خدمة سياساته بدلًا من معارضتها وثورتها.
ومن هنا كان مجيء (دنلوب) ليرسم خطته لا كما فعل نابليون؛ بل سلك طريقًا أطول فأراد أن يكتسب أولًا قلوب الأطفال، وانتظر ثلاثين عامًا يضع في رؤوس التلاميذ ما يريده، ويمنع عنها ما لا يريده إلى أن تخرَّج في وزارة المعارف الجيل الأول والجيل الثاني، فلما صارت مقاعد الوزارات وكراسي النيابة والحكم ممتلئة بالذين رباهم انقلب إلى وطنه واطمأن قلبه إلى أنه صار لأوروبا في كل بيت مصري من يكمل برنامجه (5) .
وحتى ينجح الدور كان على المستعمر أن يربط مصلحته بمصلحة الطبقة الغنية المتنفذة، ففرض المصروفات المرتفعة على التعليم الأولي الابتدائي، والتي يعجز أبناء الفقراء عن تسديدها، وأضيف إلى هذا خطوة أخرى هي إنشاء مدرسة لتخريج المدرسين على النمط الغربي.
ومن ثم جاء فؤاد جلال، وعبد العزيز القوصي، وإسماعيل القباني، وطه حسين؛ للسير في نفس المسار.
وذهب دنلوب فعلًا وبقيت روحه تسري وسياساته تحكم نظم التعليم لا في مصر وحدها (1) بل في أغلب أقطار العالم الإسلامي (2) .
وظل الحال على نحو من ذلك حتى قامت ثورة يوليو 1952م، وجاء جمال عبد الناصر بمشروعه الذي رفع شعار: (التعليم كالهواء والماء ينبغي إتاحته للجميع) .
ولكن الحقيقة أن عبد الناصر أراد أن ينشئ أجيالًا ذات ولاء لثورته عن طريق التعليم الإلزامي، وفي خط مواز كان لا بد من التخفيف من ثقل الأزهر، فكان ما عرف بمشروع التطوير في عام 1961م، ولأول مرة في تاريخه أضيفت للجامع الأزهر تاء التأنيث (3) ، وفرض الميثاق، ورفع الولاء للقومية العربية والاشتراكية. أما السياسة البريطانية فقد سارت في نفس الخط. وحين جاء السادات وانقلب على حكم عبد الناصر أراد البحث عن الذات من جديد، فبدت المناهج مترددة بين الإسلام وبين العروبة حينًا، ثم لم تلبث أن نحت منحى جديدًا رُسم لها إبان الانفتاح وعقد الاستسلام مع إسرائيل؛ حيث ظهرت سياسة تعليمية جديدة تتواءم مع استراتيجية السلام الأمريكية التي لم تقنع بمجرد تهميش الإسلام أو تفريغه من محتواه أو حتى اختزاله في بعض الشعائر والآداب، وإنما الاستبعاد التام لكل ما هو إسلامي من أجل إعادة ترتيب أوضاع المنطقة، وبعد أن استوعب مخططو السياسات الاستراتيجية في الولايات المتحدة درس الخمسينيات والستينيات بحيث استدعى استكمال تصميم ونجاح التغيير الذي حدث على مستوى القمة الحاكمة بعد الصلح إجراء تغيير مشابه في البيئة الثقافية والتعليمية التحتية بما يضمن عدم الصدام وبين تصرفات القمة وطموحات الفئات الاجتماعية الأدنى المحرومة فعليًا من المشاركة في صنع القرار أو التحكم في هذا الصدام من حيث النوع والمدى، وهو ما توفره سياسات التعليم الأساسي والنمط التعليمي التلقيني الراهن ثم بتعزيزه يوميًا من خلال المؤسسات الإعلامية الجماهيرية.