فهرس الكتاب

الصفحة 1236 من 3028

بارك لله لي ولكم في الوَحيَين، ونفعنا جميعًا بهدي سيد الثقلين، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه كان توابًا.

الخطبة الثانية

الحمدُ لله مِلءَ الأرضِ والسّماء، جلّ ربًّا وعَزّ إلهًا تفرَّدَ بجليل الصفاتِ والأسماء، وأشهَد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، حرّم الفسادَ وأمر بالتعمير والنّماء، وأشهد أنَّ نبيّنا محمّدًا عبد الله ورسوله إمامُ الأتقياء وسيّد الأصفِياء، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبِه البررةِ الرحماء، أعلام السؤدَد والهناء، ومن تبعهم بإحسان ما دامت الأرض والسماء.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واحذروا اقترافَ الشرور الأكدار، واجتَوُوا الآثامَ والأوزار، واسعَوا لكلّ صلاح وإعمارٍ؛ تدرِكوا بإذن الله أسمى المنازل والأقدار.

أيها المسلمون والمسلمات، ومِن الخداع الباتِك الذي مدّ طِوَل الفسادِ الهاتِك التباكِي المستأذِب علَى حقوقِ المرأة وقَضاياها وإنسَانيّتِها، وهو زَيفٌ مَكشوف ومَكر مألوف يَرمِي به الأعداء الألدّاء إلى تأليبِ المرأة المسلمةِ علَى إسلامِها وقِيَمها ومُثُلها وتمرُّدِها على حجابها وعَفافِها وحيائها، في قَرصنةٍ فكريّة وثقافيّة وسمسرةٍ عولميّة وأخلاقيّة، تخرِق سفينة المجتمعاتِ الإسلاميّة، وكَأَن قدٍ، لتصبِح أداةً طيِّعة في براثِن العلمنةِ والتغريبِ، ودُميةً سائِغة لمطامع الذّاتِ والعَبِّ من الملذّات، وبريدًا مأمونا لأفكارِه ومبادئِه المنحلَّة، يشايعهم في ذلك جهّالٌ أصلال من بَني وبناتِ جِلدتنا ومَن يتكلّمون بلغتِنا ممّن أغرَوا العدوَّ بنا، وقد غَشِي أبصارَهم تبعيّةُ الغَرب المهينَة، ولكن في وكِيدِ الثقةِ بحمدِ الله أنَّ المرأة المسلِمة ـ لا سيّما فتاة هذِه الجزيرةِ الشماء ـ على حصافة ونباهةٍ مِن تلك الدّسائس القمِيئة والآراب الدّنيئة. وإنَّ العجبَ ليطوِّح بك حينَما يتصارَخون ويتَباكَون بمصطلحاتِ الحقوقِ والقّضايا والتحرير والحريّات، ويحشدُون لذلك المؤتمراتِ والمنظّماتِ وأعمدةَ الصّحف والمقالات والمجلاّتِ والفضائيّات والمنتدَيات وشبكاتِ المعلومات، أمّا فضايا الشعوبِ التي تُطحَن وتُباد والأراضي المقدّسة التي تُنتَهك ولاَ تُعاد فتِلك صرخةٌ في وادٍ ونفخَة في رماد، فالله المستعان.

وهُنا إلماحةٌ حانِية بالحبّ الشّفوقِ هاميَة تستَشرف الماضي بإشراقاتِه واعتزازاته والحَاضرَ بجراحاته وملِمَّاتِه والمستقبَلَ بآمالِه الفِساح وتطلّعاتِه أن لاَ استعلاءَ لأمّتنا في معامِع المتغيرات وميادينِ التقدّم وإِعلاء صُروح الحضارات إلاّ باعتِصامِنا بالوحيَين النيِّرين ولِياذِنا إلى وَحدَتنا ورَابِطتِنا التي تنجِينا بإذن الله من الفِتنةِ والفساد الذي حذَّر منه المولى وأنذر في قولِه سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال:73] ، أي: أَيتّحِد أهلُ الكفرِ المناكيدُ ويتفرَّقُ المسلِمون أبادِيد؟! إنّه لفسادٌ في دينِكم ودنياكم كبيرٌ، ولن ينتهِيَ المفسِدون عن نحتِ أثلةِ العزّة والسيادة والحقّ والسعادة والرِّيادة على مدِّ البسيطةِ إلا بالعلماءِ الجهابِذ والدّعاةِ الصياقِل الذين نوَّه بهم المولى عزّ وجلّ في قولِه: فَلَوْلا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ [هود:116] .

ألا فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، وتوارَدوا على الإصلاحِ والإعمار، وتنَاءَوا عن دُروبِ الفَساد والدّمار؛ تحقِّقوا مِن السؤدَدِ آمالَه الكِبار، وتأمَنوا بمنِّ الله البروارَ والتّبار.

ثم صلّوا وسلموا ـ رحمكم الله ـ على نبي الهدى والصلاحِ الذي دحر ضروبَ الفساد وأزاح، وحمى حوزةَ الدين أن تُفسَد وتستباح، فقد أمركم بذلك ربّكم فالق الإصباح، فقال تعالى قولا كريمًا في قرآنٍ يُتلَى آناءَ الليل والصّباح: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللّهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على النبيِّ المصطفى والحبيبِ المرتضى والهادي المجتبَى نبيِّنا محمد بن عبد الله، وارضَ اللّهمّ عن خلفائه الراشدين...

موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 4813)

عبد الرحمن بن علوش مدخلي

أبو عريش

جامع التقوى

الخطبة الأولى

أما بعد: أيها المؤمنون، أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى في السر والعلن، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70، 71] .

عباد الله، أيها المؤمنون، لا شكّ أن الشباب في كلّ أمة هم عمادها وأساس نهضتها، وهم قوّتها في وجه الأعداء. إذا بليت الأمة في شبابها فقل: على هذه الأمة السلام؛ ولذا نجد الإسلام قد أولى الشبابَ عناية عظيمة فائقة في آيات وأحاديث ومواقف، وهل كان أصحاب النبي الذين نشروا هذا الدين ودافعو عن حياضه في مشارق الأرض ومغاربها إلا شبابا رضي الله عنهم وأرضاهم؟! من الذي حمل الراية؟! ومن الذي دافع عن هذا الدين؟! ومن الذي جاهد في الله ونشَر الدين في المشرق والمغرب إلا الشباب من أصحاب النبي والتابعون لهم بإحسان؟!

شباب ذلَّلوا سبل المعالي…وما عرفوا سوى الإسلام دينا

ولم تشهدهم الأقداح يوما…وقد ملؤوا نواديهم مجونا

وما عرفوا الْخلاعة في بنات…وما عرفوا التخنّث في بنينا

كذلك أخرج الإسلام قومي…شبابا مخلصا حرا أمينا

وعلّمه الكرامة كيف تبنى…فيأبى أن يذلّ أو يهونا

هؤلاء هم الشباب الذين حث الإسلام على أن نقتدي بهم، إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف:13] ؛ ولذا يبين النبي فضل الشاب الذي ينشأ في طاعة ربه عز وجل ويطلِّق الهوى والنفس الأمارة بالسوء ويعرف مكائد الشيطان وحبائله وإغواءاته، ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي قال: (( سبعة يظلهم الله تعالى تحت ظلّ عرشه يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله ) )رواه البخاري ومسلم.

تأمل ـ يا رعاك الله ـ كيف كانت منزلة الشاب الذي نشأ في طاعة الله بعد الإمام العادل مباشرة قبل السبعة الأصناف؛ ليبين لنا النبي بما لا يدع مجالًا للشك أنّ الشاب الذي ينشأ في طاعة الله رجل عظيم، رجل ذو همة عالية، طلَّق الدنيا، وطلق الهوى والشيطان والشهوات والشبهات، وأقبل على ربه عز وجل، ولذا رُوي في الحديث الذي أخرجه أحمد والطبراني: (( إن الله ليعجب من الشابّ الذي ليس له صبوة ) )وضعفه الألباني، أي: ليس له ميل إلى المعاصي والمنكرات والشبهات والشهوات. وفي الحديث الذي رواه الترمذي وغيره بإسناد حسن أن النبي قال: (( اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك ) )رواه الترمذي والحاكم وصححه الألباني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت