فهرس الكتاب

الصفحة 1154 من 3028

وأخيرا أيها الأخوة: من الضروريات التي اهتمت الشريعة بحفظها صيانة لحقوق الإنسان حفظ العقل، الذي هو أعظم نعم الله على العبد، والذي جعله فرقانا بين البهيمة والإنسان، فبه يميز بين الخير والشر، والضار والنافع، به يسعد في حياته، وبه يدبر أموره وشئونه، به يتمتع ويهنأ، وبه ترتقى الأمم وتتقدم الحياة، وينتظم المجتمع الإنساني العام، وقد أودع الله تعالى في هذا العقل من الطاقات للحكم على الأمور، واستخلاص النتائج من مقدماتها، والغوص إلى معرفة الحقائق الكونية، والاستدلال بها على عظمة الخالق سبحانه وكمال قدرته وحكمته، ولذا حرص الإسلام على حمايته وحفظه مما يفسده فقال تعالى: إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر [المائدة:91] . وقال: (( كل مسكر حرام ) ) [رواه البخاري ومسلم] .

وبهذا يظهر أن حفظ العقل ضرورة لا حياة بدونها وأن حفظه يشمل صيانته عن العقائد الفاسدة والأفكار الضارة، كما يشمل كذلك وقايته من المفسدات المادية كالخمر والمخدرات ونحوها، وفاقد العقل بالسكر، يسيء إلى نفسه ومجتمعه، ويوقع مجتمعه وبني ملته في وهدة الذل والدمار؛ فيخل بالأمن، ويروع المجتمع، ويعيد أساطير الثمالى الأولين، ومجالس الشراب عند العرب الجاهليين.

اللهم إنا نسألك إيمانا يباشر قلوبنا، ويقينا صادقا، وتوبة قبل الموت، وراحة بعد الموت، ونسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين بالمعروف آمرين وعن المنكر ناهين يا رب العالمين اللهم آمن في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور يا عزيز يا غفور، سبحان ربك رب العزة عما يصفون.

(1) رواه الترمذي من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما .

موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 1280)

ناصر بن محمد الأحمد

الخبر

النور

الخطبة الأولى

أما بعد:

يقول الله تعالى: لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه وقال عز وجل: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين.

المسجد أيها الأخوة ،له تاريخه وله دوره في حياة المسلمين ،يجهل كثير من المسلمين تاريخ مسجدهم ،ودور مسجدهم ،وما يجب عليهم تجاه مسجدهم.

عندما وصل عليه الصلاة والسلام إلى المدينة مهاجرًا من مكة ،كان أول مشروع قام بتنفيذه في عاصمته الطيبة طيبة ،أن وضع حجر الأساس لبناء ذلك المسجد ،لتنطلق منه الدعوة الإسلامية ،ولِتُربى فيه الأرواح المؤمنة ،ولتهتدي فيه القلوب الصادقة.

بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده ليكون روضة من رياض الجنة ،إمامه محمد صلى الله عليه وسلم ، وتلاميذه:أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ،وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل ،وزيد بن ثابت ،ومواده المقررة وحي الله عز وجل ،وأما مطلبه فهو أن تكون كلمة الله هي العليا.

أيها المسلمون: عمّار المساجد هم أولياء الله عز وجل وأحبابه من خلقه: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين لذلك فأعداء هذا الدين بجميع مللهم ونحلهم لا يريدون للمساجد أن تُعمر ،ولعلمهم بأن المساجد تهدد بقاءهم وتحول بينهم وبين شهواتهم ،وتُنهي تواجدهم في الأرض.

فهم لذلك لا يريدون عمارتها ،وإنما يسعون جاهدين إلى هدمها وإزالتها من الأرض ،ولذلك وصفهم الحق سبحانه وتعالى بقوله: ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين.

اعلموا رحمكم الله بأن الله عز وجل يثني على عمار المساجد من الرجال المؤمنين فيقول: في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار.

رجال يعمرون بيوت الله سبحانه.

رجال يحافظون على الصلوات الخمس جماعة في المسجد، رجال يحمون هذه البيوت أن تغلق أو تهدم أو تزال أو تضيع قداستها.

رجال يدافعون عن حرمة بيوت الله ،مما يبثه العلمانيون من زبالة أفكارهم في أوساط المسلمين.

فالمساجد بيوت الله عز وجل في الأرض ،أطهر ساحات الدنيا ،وأنقى بقاع الأرض فيها تتآلف القلوب المؤمنة ،وتنزل رحمات الرب، وتهبط ملائكة الله ،وتحل السكينة والخشوع.

بنفس تلك الأرض ما أحس الربى…وما أحسن المصطاف والمتربعا

أيها المسلمون: حق على الأمة الاعتناء بمساجدها لأنها مظهر للرقي والفلاح ،كنا أمة مبعثرة قبل ظهور الإسلام ،فلما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم جمعنا في أعظم جامعة ،آخت بين قلوبنا ،وجمعت كلمتنا، ووحدت شملنا، ولمت شعثنا، ألا وهي المسجد ،فكان حقًا علينا جميعًا أن نظهر هذه المساجد بأجمل مظهر يعرفه الناس ،فنعتني بها أكثر من بيوتنا ومنازلنا ،فعن عائشة رضي الله عنها قالت:"أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب".

كذلك لابد للحرص من الجميع والمطالبة بإقامة المساجد في كل مكان تدعو الحاجة إلى وجودها فيه ،وخاصة في أماكن التواجد البشري ،والعمل الجماعي ،وعلى الطرق للمسافرين وفي محطات الوقوف والانتظار والمطارات ودور التعليم وأماكن النزهة والاصطياف والحدائق العامة وغيرها.

أيها الأخوة: لا مكان للغوغائيين والمشاغبين في المسجد ،فنحن أمة النظام وأمة الهدوء،وأعظم المظاهر الحضارية والمنشآت المعمارية في حياتنا هي المساجد، ولذلك فإن للمساجد في الإسلام حقوقًا، ولروادها آدابًا ينبغي لكل مسلم معرفتها والتمسك بها ،والعمل بمقتضاها ،فلا يجوز لرواد المساجد أن يرفعوا أصواتهم ،لأنها مكان للسكينة والهدوء والانضباط ،ولأن المسلم يقف فيها أمام مالك الملك ،عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا ) )إذ لو فتح الباب لأصبح المسجد مكانًا للدعاية والإعلان ورفع الصوت والضوضاء، وهذا بدوره مخالف لهدي محمد صلى الله عليه وسلم ومناقض لرسالة المسجد ومهمته في الحياة.

كذلك مساجدنا يا عباد الله أسواق لتجارة الآخرة لا لتجارة الدنيا ،تجّار الآخرة هم عمار المساجد ،وتجار الدنيا هم عمار الأسواق ،والمساجد في الإسلام أسواق الآخرة ،بل هي أسواق الجنة وميادين التجارة الرابحة مع الله ، لأنها أسواق الأرواح المؤمنة ،والقلوب المطمئنة. عن أبي هريرة رضي الله عنه ،أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك ) ).

كذلك أيها الأخوة ،فإن المسجد هيئة لتأديب القلوب وتهذيب الأرواح ،وليس مكانًا لإقامة الحدود والتعزير.فالقلوب لا تتأدب إلا بالتربية المتأنية ،والكلمة اللينة والقدوة الحسنة ،وهذه كلها وجدت في مسجده عليه الصلاة والسلام ،ولذا فمن أراد أن يربي نفسه فليزم المساجد ،ومن أراد أن يربي ولده فليُلزمه بالمساجد ،فإنها خير معين على ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت