فهرس الكتاب

الصفحة 533 من 3028

والآن؛ إذا قارنا ما بين كلمة بلدوين التي قالها عام 1941. المجتمع وهو مطمئن تجاه الإسلام؛ ومقالتي روبييه وبيد هام وهما في حالة قلق من انتشار الإسلام؛ سنجد أن القاسم المشترك بينها هو اعتبار الإسلام عدوًا؛ وأنه بحالة حرب مع الغرب المسيحي منذ 1300 سنة؛ ويجب عدم نسيان الثأر من الإسلام لأنه ألحق الهزائم العسكرية الفادحة بالعالم الغربي عبر التاريخ؛ وهكذا فإن أعداء الإسلام يحرصون على إبقاء نظرة الغرب إلى الإسلام والمسلمين عدائية.

تفاعل أم غزو؟

في الصحوة الإسلامية المعاصرة تفاقمت نظرة العداء نحو الإسلام من قبل أعدائه؛ وبالتالي ازدادت جهودهم لتوسيع المفاهيم الخاطئة عن الإسلام في أذهان الغربيين من جهة؛ وتصعيد عمليات الغزو الثقافي للمسلمين من جهة أخرى؛ والمؤسف أن بعض المفكرين المسلمين يرفضون مصطلح الغزو الثقافي أو الفكري لأن (الغزو) مصطلح عسكري؛ ويطالبون بأن نتحدث عن (استيراد) فكري أو إيديولوجي بمعنى التفاعل مع الغرب؛ ولهذا فإن الحديث عن (الغزو الفكري) في رأيهم يعني الانغلاق على الهوية؛ وهو ما يجب أن يتحاشاه المسلمون

إن أمر هؤلاء عجيب فعلًا؛ فهم يرفضون أن نتحدث عن الغزو الثقافي الذي يستهدف المسلمين كي لا نُتهم بالانغلاق على الهوية؛ في حين أن ألمانيا مثلًا تتحدث عن ضرورة مقاومة الغزو الفرنسي للثقافة الألمانية؛ وفرنسا بدورها تثير بعنف مسألة الغزو الثقافي الأمريكي للفرنسيين؛ ووزير الثقافة الدانمركي وقف مؤخرًا أمام البرلمان الدانمركي وتحدث عن أخطار الغزو الثقافي الأمريكي على الدانمركيين؛ بينما المسلمون برأي بعض مفكريهم يجب أن لا يتحدثوا عن الغزو الثقافي الذي يستهدفهم مع أنه أمر واقع وخطير؛ بل إننا نصل مع الدكتور فؤاد زكريا وعلي حرب إلى أنه يجب أن نتحدث عن (انفتاح ثقافي) (2) وهذا يعني أن نتحدث عن خلوّ وفاضنا من الثقافة وضرورة أن نستورد ثقافة الآخرين بلا قيود!!

يتناسى هؤلاء بأن الثقافة الموجهة إلينا لم توجه أصلًا إلاّ لغايات عدوانية؛ وما هي إلاّ جهد خبيث للحد من انتشار الإسلام؛ وأن ثقافة الغزو آتية إلينا من أعداء لم ينسوا ثاراتهم مع الإسلام؛ وما من مسلم عاقل يقبل بعد هذا بأن تغزو ثقافة الغرب بهذا الشكل عقولنا؛ وأن تنفذ إلى وجودنا من خلال السينما والتلفاز والأغنيات والأدب وكتب الموضة والمجلات؛ مع أننا يجب أن نعترف بأن العالم شهد تقدمًا في العلوم بينما ظللنا متخلفين وعلينا أن نلحق بالركب ونبلغ التقدم وأن نستفيد من علوم الآخرين ونكسبها ولكن دون أن نخضع إلى تأثيرهم أو نكون تابعين لهم وتحت سلطتهم الثقافية؛ ودون أن ننسى بأن لدينا من الإرث الثقافي والفكري والعلمي ما يستحق الاعتزاز؛ وهذا يعني أن ثمة فارقًا بين الغزو الثقافي والتفاعل الثقافي؛ فلكل أمة من الأمم تمايزها الثقافي؛ وهذا التمايز هو الذي يحمل قيم كل أمة وإبداعاتها وإبداعات أبنائها وأصالة هذا الإبداع؛ وما يحدث اليوم هو محاولات حثيثة من قبل أعداء الإسلام لإلغاء التمايز الثقافي للمسلمين وإحلال قيم ثقافات أخرى محل ثقافتهم.

هكذا يفعلون:

ولكي نوضح أن ما يحدث هو غزو وليس تبادلًا فكريًا نورد بعض أشكال وأساليب هذا الغزو حيث نجد أن أهم ما يلجأ إليه الغرب في حربه ضد المسلمين والإسلام هو عرضه الخبيث للفارق بين واقع المسلم وواقع المواطن الغربي من جميع النواحي؛ فهم يصورون الغربي على حالة من الرفاهية والنعيم التي يصعب على المسلم أن يصل اليها؛ ويصورون الغربي في حالة من الحرية والرخاء وحرية القول والعمل؛ بينما المسلم مكبوت مضطهد لا يستطيع أن يتصرف أو يتكلم بحرية!!

وبعد أن يرسخ أعداء الإسلام هذه المفاهيم في أذهان بعض المسلمين وكأنها أمر واقع لا سبيل إلى تغييره يمضون في بث الشعارات والمفاهيم المغرضة؛ ولنعترف بأن هذه المفاهيم المغلوطة قد تكونت لدى كثير من الأجيال المعاصرة واستطاعت أن تحدد للدين دوره بمعزل عن الحياة وفي زاوية ضيقة يلخصها شعار- فصل الدين عن الدولة -أو تلغي دوره من الحياة أساسًا؛ فهو لا يرتبط بالواقع من خلال المعاني التي تصنع القوة والحركة والتقدم؛ بل ينظر إليه باعتباره سبب الضعف والجمود والتأخر كما تدل على ذلك شعارات كاذبة مثل"الدين أفيون الشعوب"و"الدين ضد العلم".... !!

ويمكن أن نعدد أيضًا من أساليب الغزو الثقافي المحاولات التالية:

-توظيف السينما والتلفزة؛ فثمة مئات من الأفلام السينمائية الغربية التي تحاول تشويه صورة الإسلام والمسلمين؛ ويوميًا تبث الأقنية الفضائية عشرات المسلسلات التلفزيونية التي تكرس فكرة تخلف المسلمين.

-توظيف الكثير من الكتاب والمؤلفين ليكتبوا ما يشوّه صورة الإسلام بأسلوب خبيث ذكي وليتسرب بذلك السم إلى عقول المسلمين.

-تشجيع الخلافات المذهبية بين المسلمين وتعميقها ثم إبرازها للمسلمين عبر الأقنية الإعلامية على أنها تمثل الإسلام... (3) .

ما العمل؟

دعونا نعترف أن الخوف في مسألة الغزو الثقافي الذي يستهدف المسلمين والتصدي له موضوع خطير يحتاج إلى كثير من البحث ولا يمكن أن نفيه حقه عبر هذه العجالة؛ ولكن يجب أن ندرك بأن هذا الغزو الثقافي الذي يستهدف المسلمين قد وصل إلى أشد حالاته شراسة وأنه يزداد عداء وخبثًا مع ازدياد انتشار الإسلام في العالم؛ وهذا يعني أنه لاخيار أمام المسلمين إلا التصدي لهذا الغزو؛ ولا شك في أن سبل التصدي مرهقة وشاقة وتحتاج إلى بذل الكثير من الجهود التي نذكر بعضها:

-مسؤولية القادة والعلماء المسلمين عن شحذ الهمم الإسلامية وبث الفعالية الروحية للأمة الإسلامية.

-الاتجاه السليم إلى الأجيال المسلمة الجديدة وإيجاد حالة التصاق متين بينها وبين الإسلام وقيمه ومبادئه.

-نشر الوعي الثقافي الكفيل بتكوين المسلم المتمتع بالشخصية الإسلامية الحقيقية التي تملك تصورًا شاملًا عن الكون والإنسان.

-التعريف بالتاريخ الإسلامي المضيء وقدرة الثقافة الإسلامية على الوقوف في ساحة الحياة وقدرتها على قيادة الأمة نحو ما تصبو إليه.

-تأمين الوسائل الإعلامية الحديثة بتقنياتها المتطورة والقادرة على التصدي للوسائل الإعلامية المعادية.

إن سبل التصدي كثيرة وشائكة كما قلنا؛ ولكن كل السبل لا يمكن أن تكون فعالة ما لم يلتق المسلمون على صعيد واحد وعلى هدف واحد؛ والالتقاء يجب أن يكون مبنيًا على حب الخير والمصلحة لجميع المسلمين دون تمييز؛ ويجب ألا يغرب عن البال بأن الأعداء هم الذين زرعوا الشقاق والخلاف في صفوف المسلمين.

الهوامش:

1-عبد الرحمن حمادي - صورة المسلمين في السينما العالمية - مجلة البيان - العدد171- الكويت - 1997.

2-سليم علي جواد - نحن والآخر - مجلة الراية - العدد 203 - بيروت - 1988.

3-من المؤسف تلك المناظرات التي يتناظر فيها مذهبيًا مسلمون غير مؤهلين وبشكل مستمر في صالة نيوجرسي سكوير بالولايات المتحدة الأمريكية وتبثها عدة أقنية فضائية وخاصة الشتائم التي يتبادلها الطرفان أثناء المناظرات؛ وتتناقلها بعض وسائل الإعلام الإسلامية.

أمين عام جمعية علماء أهل السنّة بالهند:الغزو الثقافي الهندوسي للمسلمين عديم الأثر

حوار: محمود بيومي

22/1/1426هـ الموافق له 03/03/2005 م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت