ومما يدعو للدهشة أن تجد أن النصرانية التي هُزمت في بلادها وعُزلت عن الحياة منذ عصر النهضة، قد دخلت بفضل الغزو الفكري المكثف والضخ الغربي المستمر إلى نتاج عدد من أدبائنا، وقد خلف هذا التيار وذاك آثارًا خطيرة في الأدب المعاصر، وفي مقدمتها الرموز النصرانية المتفشية في الشعر الحديث، وقصص الإنجيل التي أصبحت مادة أساسية لعدد كبير من الشعراء والقاصين.
ـ إلى جانب هذا وذاك، قد تجد أدبًا وجوديًا، وماركسيًا، ومذاهب واتجاهات تسرح وتمرح في وسطنا، وتسهم في تلوُّث وعينا يتبنّاها أبناء المسلمين ويبشرون بها، ويسعون لتكريسها، أو على الأقل يمنحونها مشروعية الوجود، ولا في معاشرتها، وطرد الغربة عنها.
وهكذا اختلطت الأصوات، وتوزع قسم وافر من أدبنا المعاصر وراء المذاهب الأدبية الغربية «المستوردة» ، وحمل أدواتها الفنية من جهة، وقيمها وتصوراتها من جهة أخرى، ففقد كثيرًا من ملامح الشخصية العربية الإسلامية، وتحول إلى حربة تهاجم الإسلام والمسلمين في عقر دارهم.
ومما يزيد الطين بِلَّة ظهور أعمال أدبية تعبث بالقيم الخلقية ـ التي يحرص عليها الإسلام ـ عبثًا شديدًا، وتصوّر العفن والهبوط والنزوات الجنسية المحرمة على أنها عواطف إنسانية رقيقة جديرة بالاهتمام، وتسوّغ التحلل والتفسّخ وتسعى إلى ترسيخه في أعماق الشباب والفتيات تحت ستار الحرية الشخصية.
وقد لاقى هذا الأدب الرخيص تشجيعًا من بعض الأجهزة ومن الهيئات والمؤسسات الثقافية والإعلامية في كثير من بلادنا المغلوبة على أمرها؛ كما أقبلت دور النشر على هذا الأدب المكشوف في سباق محموم، وغطى واجهات المكتبات، بل تسلّل ـ بكل ما فيه من إثارة وتهديم ـ إلى حقائب المدارس ومخادع النوم.
وصارت هذه الأعمال ـ بفضل التطبيع والتغريب والأمركة ـ صارت عنوانًا لـ «التنوير» و «الموديرنزم» ، وشعارًا لـ «الحداثة» ، وطريقًا لـ «التفكير العلمي» الصحيح، وتمشيًا مع «روح العصر» وآفاقه وأشواقه الحارة.
ومع كل ما فعله هؤلاء القوم من بني جلدتنا، فإن إيماننا أن الثقافة العربية والإسلامية لهي أقوى من أن تشوّه روعتها بعض الأتربة العابرة، أو أن يطمس نورها الذين يحاولون حجب الشمس بغربالهم الهزيل.
وأخيرًا: أرجو ألا أكون قد نكَّرت لأحد عرشه، أو وضعت «السقاية» في رحله... فأنا لم أجهر بالقول ولم أخافت، ولعلِّي ابتغيت وراء ذلك سبيلًا.
(*) عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
مجلة البيان - (ج 211 / ص 10)
إعداد: إبراهيم جاسم
-ضيوف الندوة:
-فضيلة الشيخ الدكتور محمود المشهداني: عضو الهيئة العليا للدعوة والإرشاد والفتوى.
-فضيلة الشيخ أحمد البغدادي: عضو هيئة الدعوة والإفتاء.
-فضلة الدكتور مثنى حارث الضاري: المدرس في كلية العلوم الإسلامية والمسؤول الثقافي والإعلامي في الهيئة.
تتشرف مجلة البيان بدعوة أصحاب الفضيلة الضيوف للمشاركة في ندوتها (العراق بعد الانتخابات) ، وهي تقدر استجابتكم لعلمها بما تعانونه من ضغوط وتضييق من قِبَل قوات الاحتلال، نسأل الله لكم الأجر العظيم على ذلك، وعلى جهودكم في تنوير القارئ المسلم، فيما حصل ويحصل في العراق الذي يتعرض لتضليل كبير من وسائل الإعلام الغربية، والسائرة في ركبها.
وتتناول هذه الندوة أربعة محاور مهمة في الواقع العراقي، وهي على النحو التالي:
-المحور الأول: الانتخابات:
البيان: الانتخابات حصلت رغم المقاطعات ومطالب التأجيل؛ فكيف تقوِّمون الانتخابات والنتائج التي تمخضت عنها؟
-د. محمود المشهداني: يعرف الجميع أن الانتخابات العراقية أُجريت بطلب من بوش لأغراض أمريكية داخلية. وهذا يفسر إصرار الرئيس الأمريكي بالذات على إجرائها؛ والذين سعوا إلى تأجيلها كانوا محقين في طلبهم من أجل أن تكون هذه الانتخابات حرة ونزيهة وشاملة. ولكن الإصرار الأمريكي أحبط هذا التوجّه، وكان ما كان، وبرغم ذلك فإن السحر انقلب على الساحر؛ حيث جاءت نتائجها مخيبة لآمال الذين راهنوا عليها، وأظهرت أغلبية السنة عصبية (شوفينية) الأكراد العلمانيين المقيتة، وعززت المخاوف من تداعيات الاحتلال الأمريكي للعراق، وتنقسم نتائجها في نظري إلى قسمين:
أولًا: النتائج السلبية:
1 -شرعنة الاحتلال.
2 -تهميش السنَّة العرب.
3 -تكريس الطائفية السياسية والدينية.
4 -إظهار التشرذم العرقي والمذهبي بأبشع صورة.
5 -الجاهلية السياسية لدى معظم المنتخبين.
6 -زيادة رصيد المشروع الإيراني في العراق.
7 -إعطاء الغطاء الشرعي لذبح المقاومة العراقية البطلة.
8 -ضعف الأداء السياسي لدى الحزب السني الوحيد الحزب (الإسلامي) .
9 -اضطراب الخطاب الشرعي والسياسي للنخب الدينية السنية.
10 -دفع مشروع (إسرائيل الكبرى) خطوة إلى الأمام.
ثانيًا: النتائج الإيجابية:
1 -اصطفاف ستة ملايين ناخب من أصل أربعة عشر مليونًا وراء المقاومة العراقية.
2 -إبراز الدليل الملموس لأكثرية السنة العرب في العراق.
3 -إعطاء الدافع القوي للسنة العرب، وبعض الشيعة العرب؛ للتجمع في خيار المشروع الوطني العراقي، المتمثل في مجلس الحوار الوطني العراقي لخوض الانتخابات القادمة من موقع القوة والمسؤولية.
4 -زيادة اهتمام قيادات المقاومة العراقية المسلحة لبلورة مشروعها السياسي البديل.
5 -فضح التواطؤ السياسي بين الفرس وأمريكا في احتلال العراق.
6 -زيادة مخاوف الدول الخليجية تجاه المشروع الفارسي في العراق؛ مما قد يدفعها للتعاون البناء مع مشروع الحوار الوطني العراقي، ودعمه ماديًا وسياسيًا وإعلاميًا.
7 -زيادة الضغط على أمريكا بسبب تهميش السنَّة العرب.
8 -إبراز إشكالية المثلث السني، الذي هو القاسم المشترك الأعظم بين الأكراد السنة والشيعة العرب؛ وقدرته على إسقاط أو شل أي مشروع إن لم يأخذ دوره كاملًا في العملية الديمقراطية؛ وذلك لأن ورقة المقاومة بيده.
9 -إبراز نهم الأحزاب السياسية للسلطة، وضعف دورها في إنقاذ الشعب العراقي من معاناته.
-الشيخ أحمد البغدادي: إن هدف أمريكا من هذه الانتخابات هو شيء واحد: صنع حكومة عميلة تجعل وجودها العسكري، وهيمنتها السياسية أمرًا واقعًا معترَفًا به إقليميًا ودوليًا، ثم الانطلاق إلى الخطوات التالية في مشروع القرن الأمريكي، وعلى رأسه تحقيق أمن الدولة العبرية في المنطقة.
نتائج هذه الانتخابات ـ والتي جاءت تحت مدافع الدبابات ودوي القاذفات، وأثناء عمليات هدم وإبادة المدن كما حدث في الفلوجة، وسامراء، والرمادي، وتلعفر، وتعذيب الشعب في غياهب السجون، واغتيال العلماء ـ هذه النتائج جاءت لصالح الذين أتوا مع المحتل من إيران في انتخابات ذات نتائج متولدة من رحم الخوف والرعب والبؤس وذهاب الأمن الذي ولَّده الاحتلال. أضف إلى ذلك تهميش السنَّة العرب الذين يمثلون الدعامة الأساسية في إدارة العراق قديمًا وحديثًا، والواقع يشهد بذلك.