على أن هذا الاحتمال لا ينطبق على السياسيين ورجال الأحزاب في مصر أمثال سعد زغلول والنحاس باشا وفؤاد باشا سراج الدين فقد كان هؤلاء مستفيدين على الدوام من عضويتهم الماسونية وحققوا أهدافهم من حيث السلطة والنفوذ والصعود على النخبة بكل مغرياتها.
فسعد زغلول مثلا كان من عملاء الاحتلال وكان شقيقه فتحي زغلول خائنًا دون أدنى ستار مثل شقيقه الذي كان عميلًا مستورًا للاحتلال.
بل"الوفد"لم يكن جادًا في المطالبة بجلاء قوات الاحتلال ، ومن مظاهر ذلك عدم القيام بأي مواجهات حقيقية (قتال) ضد الانجليز بل إن مصطفى النحاس باشا قبِل أن يقوم بتشكيل الحكومة على أسنَّة الدبابات البريطانية التي حاصرت الملك فاروق في فبراير 1942م
بل قد ظهر في بعض الأقلام في فترة الخمسينات و ما بعدها ما يكشف جانبًا من ذلك الغموض الذي ألقى بشباكه داخل بعض الفئات المتنفذة و المنخرطة في العمل الماسوني ـ آنذاك ـ .
الماسونية الثقافية في مصر:
كان النشاط الثقافي للماسونية يتمثل في الاهتمام بالفنون وعلم المصريات وقضايا التعليم والصحافة.
و لا ننسى بالطبع الدور الخفي للماسونية في الصحف القديمة في النصف الأول من القرن العشرين، حيث استكتبت كثيرا من الكتاب أمثال جورجي زيدان و شاهين مكاريوس"مؤرخ الماسونية المصرية".
وكذلك ذلك الدور االذي لعبته الماسونية في توجيه دفة السينما المصرية ، و استقطابها لكثيرٍ من الفنانين أمثال محمود المليجي ومحسن سرحان وزكي طليمات مؤسس الحركة المسرحية في الكويت في الستينات .
و يؤيد ذلك مع ما جاء مؤخرًا في حديثٍ للفنان كمال الشناوي الذي ذكر فيه بالاسم زكي طليمات وعبد الحميد حمدي ومحمود المليجي ومحسن سرحان، وأكد أنهم فشلوا في إدخاله المحافل الماسونية .
الحركات المضادة للماسونية في مصر:
بعد عام 1948م و عندما ثبت في كافة أرجاء العالم العربي علاقة الماسونية بالصهيونية ظهرت في مصر كثير من الحركات المضادة للماسونية ، واحتدمت المناقشات في مصر، وكان يدافع فيها عن الماسونية كل من جورجي زيدان وشاهين مكاريوس اللذين امتدحا رجال الأعمال اليهود وزعما أن لهم دورًا كبيرًا في انعاش الاقتصاد المصري.
بعد قيام ثورة يوليو 1952م فقدت المحافل الماسونية الكثير من أعضائها الأغنياء العاملين بسب بالخوف أو الحرص على المصالح الشخصية، وتوقفوا عن حضور الاجتماعات، وحاولت المحافل الماسونية الاستفادة من الأحداث السياسية بإعلان التأييد مرة والتهليل مرات، ووصل بها الأمر إلى محاولة ضم الرئيس جمال عبد الناصر إلى صفوفهم، لكن جمال عبد الناصر ما لبث أن وجه لهم ضربةً قاصمة في إبريل 1964م عندما أغلق المحفل الماسوني بشارع طوسون بالإسكندرية ـ بعد وجود في مصر دام أكثر من قرنين من الزمان ـ لكونه يندرج تحت اسم جمعيات لا ربحية غير معلنة وغير مصرح بها، و ذلك ضمن سياساته المناهضة لحقبة النفوذ الاوربي ، و المكرسة للنفوذ الامريكي.
وكان الدليل الأكثر ازعاجًا الذي استغلت الحكومة المصرية ـ آنذاك ـ اعتقال الجاسوس الصهيوني"إيلي كوهين"الذي نجح في خداع المخابرات السورية سنوات طويلة ثم اكتشفت حقيقته المخابرات المصرية لكونه مصري المولد وتاريخه معروف لدى مخابرات مصر.
ومضات عن الحملة الفرنسية:
1-لفتت"الحملة الفرنسية على مصر"أنظار العالم الغربي لمصر وموقعها الاستراتيجي وخاصة إنجلترا، مما كان لهذه النتيجة محاولة غزو مصر في حملة فريزر (19 سبتمبر 1807) الفاشلة على رشيد بعد أن تصدى لها المصريون ، بعد ذلك بسنوات قلائل.
2-أثارت تلك الحملة شيئا من الوعي لدى شريحة من المثقفين في الدول العربية ـ لاسيما في مصر و الشام ـ و لفتت إنتباههم إلى وحدة أهداف المحتلين على اختلاف مشاربهم ، و أنها تتلخص في طمس هويتها الاسلامية و من ثّمَّ امتصاص خيرات البلاد .
3 ـ يعد المؤرخون الغريون من أبرز نتائج الحملة الفرنسية فك رموز اللغة المصرية القديمة التي كانت غامضة بالنسبة للعالم على يد العالم الفرنسي شامبليون، بعد اكتشاف حجر رشيد .
ألاَّ أن الترجمة الإنجليزية لكتاب العالم المسلم ابن وحشية النبطي في كتابه الموسوم بـ"شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام"و الذي كان قد فك فيه رموز الهيروغليفية قبل ذلك بزمن بعيد ، كانت قد نشرت في لندن بتحقيق المستشرق النمساوي جوزف همر عام 1806م ، أي قبل 16 عاما من اكتشاف شامبوليون المزعوم .
بل و قد قام ابن وحشية أيضًا بتناول 89 لغة قديمة وكتاباتها ومقارنتها بالعربية ومن ضمنها اللغة الهيروغليفية حيث اكتشف أن الرموز الهيروغليفية هي رموز صوتية، وقام أيضًا بتحليل العديد من رموزها قبل اكتشاف شامبوليون المزعوم.
ـ تعرف المصريون على الحضارة الغربية بمزاياها ومساوئها،و بدأت عملية التغريب في بعض فئات المجتمع المصري .
ـ لعل من أبرز من تتبع الحملة الفرنسية على مصر هو الشيخ عبد الرحمن بن حسن برهان الدين الجبرتي المولود في القاهرة عام 1756 وتوفي بها في القاهرة عام 1825 م . والذي يعد تاريخه المسمى بـ .."عجائب الآثار في التراجم والأخبار"هو المرجع الأساسي لتلك الفترة من تاريخ مصر ، و المشهور بتاريخ"الجبرتي"فقد ذكر كل الحوادث بالتفصيل و منتهى الإنصاف ، كما أرخ لانقضاء الحملة الفرنسية في كتابه الشهير"مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس".
أحد رواد دراسة الاستشراق في العالم الإسلامي
د.مازن بن صلاح مطبقاني
نشرت جريدة الحياة اللندنية مقالة لموريس أبو ناضر زعم فيها أن كتاب إدوارد سعيد (الاستشراق) هو أول دراسة تحليلية نقدية للاستشراق متجاهلًا الجهود الكبيرة التي بذلها علماؤنا الكبار في هذا المجال. ولأن مثل هذا الرأي بعيد عن الصدق والموضوعية فقد اخترت في هذه المقالة أن أعرف برائد حقيقي في دراسة الاستشراق في العالم الإسلامي . كما وجدت أن جامعة اكستر البريطانية قد عقدت ندوة أو مؤتمرًا بمناسبة مرور الذكرى الثانية لوفاة المؤرخ المصري محمد عبد الحي شعبان الذي عمل في هذه الجامعة رئيسًا لقسم الدراسات الإسلامية مدة طويلة . وقد اطلعت على بعض إنتاج المؤرخ المذكور فوجدته أساء إلى التاريخ الإسلامي أكثر مما قام بمثله كثير من المستشرقين، وهاهم يحتفلون بذكره أو ذكراه، فكم من مؤتمر عقدنا في الجامعات العربية الإسلامية احتفاءً بذكرى السباعي رحمه الله وأمثاله ممن قدموا جهدًا ونتاجًا فكريًا مباركا؟
نشأته وتعليمه
ولد الشيخ مصطفى السباعي عام 1334ـ1915م في مدينة حمص السورية لأسرة عريقة في العلم والتدين والجهاد. فقد كان والده حسني السباعي من علماء حمص المعدودين، وكان خطيب الجامع الكبير فيها. بدا رحمه الله تعليمه بحفظ القرآن الكريم ومبادئ العلوم الشرعية، ثم التحق بالمدارس النظامية حتى أنهى الدراسة الثانوية عام 1930م، ولم يكن التعليم النظامي المصدر الوحيد للتعليم لدى السباعي.
و في عام 1933م التحق بقسم الفقه في الجامعة الأزهرية بالقاهرة، ثم انتقل إلى كلية أصول الدين ونال الماجستير منها، أما بحثه للدكتوراه فكان بعنوان السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي الذي ردّ فيه على شبهات المستشرقين حول السنة وبخاصة شيخهم المجري اليهودي إجناز جولدزيهر بأسلوب علمي رصين
حياته التعليمية