بلا شك فإن الحرب على العراق قد أقضت مضاجع العديد من النظم السياسية العربية في المنطقة ، وسوف يكون لها آثارها على تطور أوضاع داخلية ، فالحرب بمستوى العنف الذي مارسته القوات الأمريكية تركت انطباعا بأن الخطط التي سبق وأعلنت في أمريكا عن صياغة شرق أوسطي جديد ، والتأسيس لنظم سياسية تقوم على التعددية والديمقراطية واحترام الحريات العامة ونحو ذلك ، إضافة إلى أن تكون غير معادية للولايات المتحدة وإسرائيل ؛ هي خطط جدية وليست مجرد تهويمات أو تهديدات ، ولقد تصاعدت موجة من مطالب المثقفين في عديد من دول المنطقة إلى ضرورة إجراء النظم السياسية إصلاحات عاجلة تتضمن انفتاح السلطة على شعبها قبل أن يأتي ذلك بقوة الخارج . والحقيقة أن مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة قد تبلور لديها ـ في سعيها إلى إجابة السؤال: لماذا يكرهوننا؟ ـ قناعة مفادها أن أحد أهم أسباب الكراهية للولايات المتحدة هو دعمها للنظم القمعية في المنطقة ، وهو القمع الذي تذهب ضحيته الشعوب المغلوبة على أمرها ، الأمر الذي يجعل هذه الشعوب تدرك أن"أمريكا"هي شريك أساس في هذا القمع الواقع على الشعوب ، كما أن أحداث 11 سبتمبر تركت انطباعًا لديهم بأن الكبت وانعدام الحريات في الشرق الأوسط والفكر البوليسي لنظم الحكم وانتشار التعذيب على نطاق واسع وانعدام وجود اعتبار لحقوق الإنسان هو الذي ولد دوامات العنف المسلح والذي انتهت"شظاياه"إلى أمريكا ذاتها ، ومن ثم فإن"الشأن الداخلي"في العالم العربي لم يعد بمنأى عن اهتمام الإدارة الأمريكية؛ بل هو أصبح جزءًا من الأمن القومي الأمريكي ، وهذا الكلام أصبح معلنًا من خلال أجهزة إعلام وصحف ومجلات متخصصة، فضلا عن تصريحات العديد من المسؤولين الحاليين والسابقين في الإدارة الأمريكية وأجهزتها الأمنية ، والذي لا شك فيه أن مثل هذه التطورات المقلقة للنظم العربية سوف تربكها بصورة كبيرة ، وتضعف مواقفها الداخلية ، وسوف تجعلها تعيد النظر ـ بدرجة أو أخرى ـ في علاقاتها مع شعوبها ، وإن كان الأخطر في حالة الضعف هذه هي الانزلاق في تقديم تنازلات سياسية مخجلة ومهينة على مستوى القضايا المصيرية الإقليمية والدولية ، وفي مقدمتها بطبيعة الحال ، قضية فلسطين ، ولكن ؛ حتى هذه التنازلات لو وقعت فإنها لن تنجيهم من الملاحقة الأمريكية ، لأن القناعة الآن هناك أن الشأن الداخلي العربي يحتاج إلى تعديل جذري ، وأنه ـ كما سبق ـ أصبح مؤثرًا مباشرًا على الأمن القومي الأمريكي .
وفيما يخص التهديدات بالعمل العسكري المباشر ضد سوريا أو غيرها ، فهو ـ في تقدير العديد من الخبراء ـ أمر مستبعد لاعتبارات عديدة تتعلق بالمشروعية والإجماع الدولي ضده ومخاطر التداعيات في المنطقة التي ستختلف عن الوضع في العراق، فضلا عن القلق من خوض تجربة مقلقة جديدة قد تمثل إحراجا للعسكرية الأمريكية، خاصة وقد واجهوا إحراجات كبيرة في جنوب العراق رغم هشاشة الوضع هناك ، ولولا الصفقة الغامضة في بغداد لكان من العسير عليهم دخولها دون خسارة الآلاف من الجنود.
فالعمل العسكري غير مطروح"الآن"ولكن تبقى هناك مساحات كبيرة للضغط المؤثر والعنيف ، خاصة مع نظم سياسية لا تملك قوة تماسك شعبي داخلي كافية ، ولا تملك دعمًا إقليميًا عمليًا وجادًا تستطيع أن تتحصن به .
رؤية مغايرة للموقف الإسلامي
هذه التطورات الجديدة من شأنها أن تفرض على الإسلاميين -بشكل خاص- وعيًا جديدًا بها، وقدرة عالية على التعامل بحكمة وأفق مستقبلي معها، فإعلان الرفض الكامل لكل ما يطرح من قبل القوى الغربية -بما فيها أمريكا- ليس موقفًا حكيمًا، كما أن التصديق الكامل بكل العبارات والرؤى الجميلة التي تعلن عنها الإدارة الأمريكية هو محض سذاجة سياسية، وكذلك الموقف من النظم الرسمية في العالم العربي، إذ إنه من الممكن -بل الراجح- أن تحاول كثير من النظم فتح أبواب التواصل مع التيارات الإسلامية، وكسب ودها لجعلها في صفها ضد الضغوط الأمريكية، بوصف الإسلاميين هم القوة الشعبية والجماهيرية الوحيدة تقريبا في الشارع العربي، وبنفس المنطق نقول أيضا: بأن رفض أية مبادرات سياسية داخلية للإصلاح، وتحسين الأوضاع السياسية والإنسانية في المجتمع من قبل الحكومات هو موقف غير حكيم، وبالمقابل فإن الدعم المطلق والمجاني لموقف هذه النظم -أمام الضغوط الأمريكية أو الأوربية دون أن تقدم على مصالحات عملية مؤسسية مقنعة مع شعوبها- هو سذاجة، وإنما الأمر تحكمه اعتبارات المصالح العامة للمجتمع وهويته ودينه، وكرامة إنسانه وحرياته العامة واستقلال إرادته السياسية محليا ودوليا، وباختصار اضطراري نقول: بأن العواطف وحدها -في هذه اللحظة التاريخية الفارقة- تكون سلوكا أحمق، والعقل والحكمة والوعي السياسي والتاريخي والمستقبلي هو وحده الذي يجعل الأمة تفيد من هذه اللحظة لصالح حاضرها ومستقبلها.
في ما يتعلق بالشأن الإسلامي أيضا، فعلى غير ما يتصور البعض أن الاحتلال الأمريكي الحالي للعراق سيمثل ضغطا على الأوضاع السياسية في المنطقة، فإن الذي لا شك فيه أن تحرر العراق من قبضة (صدام) والبعث سيعيد المجتمع العراقي -رغما عن الهوى الأمريكي- إلى أمته من جديد، وسوف ينفتح العراق على مختلف التيارات والحركات السياسية في المنطقة، بما في ذلك الحركات الإسلامية المختلفة، وهناك بالفعل -خلال السنوات العشر الأخيرة- إحياء إسلامي كبير في العراق، تعمد النظام البعثي تركه يتفاعل، لإدراكه بالحاجة إليه في مواجهة الضغوط الأمريكية، التي بدأت بالحصار والتهديدات المتوالية بالحرب، والمهم أن عودة المجتمع العراقي إلى أمته ومحيطه العربي والإسلامي سيمثل دعمًا كبيرًا للدعوة الإسلامية، وإضافة مهمة للمسار الإسلامي على مختلف الأصعدة، فالعراق ثقل فكري وحضاري وأدبي وديني كبير، والدمار الذي أحدثه فيه البعث لن يكون بحجم الدمار الذي أحدثه الاتحاد السوفييتي في الجمهوريات الإسلامية على مدار ثلاثة أرباع القرن، ومع ذلك فهي تعود من جديد إلى الإسلام، وينبغي النظر إلى الوضع الاجتماعي الجديد في العراق من هذه الزاوية، ولا يستغرقنا الشأن السياسي ومراراته وتوازناته عن (العمق الاجتماعي) ، وعلى المؤسسات الإسلامية الدعوية والخيرية والثقافية وغيرها المبادرة بسرعة لاصطناع الجسور مع المجتمع العراقي الجديد وملء الفراغ، قبل أن يملأه آخرون بتيارات التغريب والتخريب الثقافي والتربوي والأخلاقي
علي بن بخيت الزهراني 18/4/1423
اسم الكتاب:الانحرافات العقدية والعلميةفي القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين
المؤلف:علي بن بخيت الزهراني
الناشر: دار الرسالة/ السعودية
عدد الصفحات:1094
التعريف بالكتاب:
احتوى البحث على مقدمة وتمهيد وأربعة أبواب وخاتمة .
:المقدمة اشتملت على بيان الموضوع ، وأهميته ، والأسباب التي دعت إلى اختياره ، وبعض ما اعترضه من عقبات.