فهرس الكتاب

الصفحة 2587 من 3028

فهو هنا أمام حدث، قديم وقع في مكة، منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان، ولكنه يفسره ويعلله، بروح عصره هو، ويُسقط عليه مشاعر واتجاهات، وعادات وقيم عصره، الآن، يفسره وفي ذهنه، رحلات المصطافين في عصرنا هذا، وكيف يُعدون لها، وينفقون في سبيلها، يفسر هذا الحدث وفي ذهنه قمم الجبال المعشوشبة، التي يكسوها الجليد والبرد.

ولم يكلف نفسه، بل لم يستطع أن يدرك واقع المجتمع المكي، آنذاك، بل واقع المناخ في مكة، والفرق بين درجة الحرارة في شعاب مكة ورأس جبل حراء، وهل حقًا تنخفض الحرارة في رأس (حراء) عند الغار - وهو ما زال موجودًا للآن - انخفاضًا ملموسًا يجعل محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يلجأ إليه؟! لم يذكر أحد قط ممن كتبوا عن مكة وأهلها آنذاك، أن الفقراء كانوا يصطافون بالجبال، والأغنياء كانوا يصطافون بالطائف.

إن الرواية الصحيحة تقول:"إنه صلى الله عليه وسلم حُبب إليه الخلاء، فكان يذهب إلى غار حراء يتحنث فيه ويظل به الليالي ذوات العدد، قبل أن يعود لأهله ليتزود لمثلها". . . .

فكيف يختلي بجبل هو مصطاف الفقراء من أهل مكة، أم يا ترى كان محمد"صلى الله عليه وسلم"، هو الفقير الوحيد في مكة، فخلا له جبل حراء؟؟

أم تراه هو الوحيد الذي أدرك السر الخطير، وهو برودة رأس الجبل؟ وضن به على غيره، فم يشاركه في خلوته بالجبل أحد؟؟

أم يا ترى كان في مكة جبال بعدد فقرائها، لكل فقير - لا يقدر على السفر إلى الطائف - جبل؟؟

ثم أين تقع الطائف من مكة؟؟ ألم يقرأ أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ، ذهب إلى الطائف ماشيًا بعد أكثر من عشر سنوات، أي بعد أن كبرت سنه، حينما اشتد إيذاء قريش وعنادها، ليعرض الدعوة على شيوخ ثقيف؟؟

ثم كيف يستقيم له هذا الفهم العجيب، والتفسير الغريب، (العجز المالي) مع حديثه في كتابه هذا نفسه ص 73 - 75 عن زواج محمد صلى الله عليه وسلم ، من خديجة و ثراء خديجة، فهل كانت خديجة (رضي الله عنها) عاجزة عن إعطاء محمد صلى الله عليه وسلم ، ناقة يسافر عليها إلى الطائف، مع نفقات الإقامة.

ثم لماذا لم يسأل نفسه عن السبب في عدم انتقال خديجة إلى الطائف لتصطاف بها مثل أثرياء مكة؟؟

إن السبب في هذا التفسير العجيب الغريب، هو تصور واقع الصيف والمصطافين في عصرنا هذا: نفقات ورحلات وسيارات وفنادق. . . . إلخ.

ولو حاول أن يستشرف الواقع، في عصر البعثة، ويتمثل أحواله، لأدرك أن الأمر على غير ما فسر وقدر. وإنما هو كما روت السيدة عائشة رضي الله عنها، (كانت الخلوة للتحنث) .

ونجد هذا (التفسير بالإسقاط) عند (لا مانس) حين يحدثنا عن مكة والمدينة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، فعلى حد تعبير (دينيه) "يفسد متعمدًا الصورة التاريخية: فيعطينا صورة أوربية حديثة، وكأنه يحدثنا عن باريس ولندن حينما يتحدث في جزيرة العرب عن الحملة الصحافية، عن الماليين في بنك مكة. مليارات، النقابة القرشية، الضريبة على الدخل، طبقة العمال، إبلاغ الرسالة إلى محل الإقامة، ديوان ذي الجلال، وزارة الله، إلى آخر هذه التعبيرات الحديثة التي تفسد الصورة ولا تصور الحقيقة". (65)

هو نوع آخر من الفساد، يعتري البحوث والدراسات الاستشراقية، وهو غير المنهج المعكوس (المقلوب) أي الذي توضع فيه النتائج مقدمًا، ثم يكون البحث عن الأدلة التي تؤيدها، فذلك قد أشرنا إليه قبلًا، حيث تحدثنا عن الخضوع للهوى، وعدم البراءة من سلطانه، وجعلنا من آثار الخضوع للهوى هذا المنهج المعكوس.

أما منهج العكس، فنعني به شيئًا آخر، وهو أن ينظر الباحث في النصوص والوثائق، والروايات، فإذا قالت شيئًا، فعليه أن يدرك أن الصواب هو عكسه تمامًا.

يقول ناصر الدين دينيه (الذي كان من كبار المستشرقين الفرنسيين وهداه الله للإسلام) ، وهو ينتقد أعمال المستشرقين وأبحاثهم:"إن منهج العكس هو ذلك المنهج الذي يأتي إلى أوثق الأخبار وأصدق الأنباء، فيلقيها - متعمدًا - إلى عكسها وكلما كانت الأخبار أوثق بدت - قوية جامحة - الرغبة في البراعة من ذلك الذي يتبع هذا المنهج، ولما كان ينبغي أن يستند إلى دعامةٍ مّا، فقد تبنى أصحاب هذا المنهج الفكرة التي تقول:"البشر يعملون غالبًا على كتمان عيوبهم والظهور بنقيضها"."

ويستمر ناصر الدين قائلًا:"وهذه فكرة لا يمكن أن تتخذ كمبدأ عام، وإلا كنا مضطريين إلى كتابه التاريخ بأجمعه من جديد، وعكس صورة الطبيعة كلها عكسًا تامًا."

إن جميع القديسين إذًا أشرار. وجميع الأنبياء طالحون، وجميع الشجعان جبناء، وجميع الأديان تهريج.

وقد شاع هذا المنهج عند بعض المتحذلقين حتى أصبح (موضة) . . ولقد أراد بعض الظرفاء أن يسخر من أتباع هذا المنهج، فألّف رسالة دلّل فيها في براعة بارعة، على أن نابليون لم يوجد قط، وأن تاريخه أسطورة ملفقة ابتدعتها فرنسا، تريد بها التغطية على ما يشاع من ضعفها الحربي..

ثم يستمر (دينيه) مدللًا على فساد هذا المنهج، وكأنه يوجه كلامه لمتعصبة المستشرقين، فيقول: وإننا لو نظرنا في الأناجيل، من هذه الوجهة واتبعنا هذه السنة، لوجب أن نتناول كل حسنة فيها، ونعكسها. . وإذن لما بقي جديرا بمودة (القسيس) إلا (هيرود) و (يهودا) اللذان يجب أن يرفعا إلى مصاف القديسين الأخيار. (66)

ولقد كان المستشرق (لا منس) اليسوعي من أكثر المستشرقين، اعتمادًا على منهج العكس، وهذه نماذج من ثمار استخدامه لهذا المنهج:

إن مما لا شك فيه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم ، كان شجاعًا لقد كان يقود الجيوش في الغزوات، ولم تطر نفسه شعاعًا في أية واحدة، منها ولا يوم أحد - وقد ابتلي المؤمنون ولزلوا زلزالًا شديدًا - ولم تهله كثرة الجيوش المعادية في غزوة الخندق، يوم أن زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، ولم ترعه النبال كالمطر، يوم حنين. . ومع ذلك، فإن"لا مانس"يصفه بعدم الشجاعة، ثم يحاول أن يعمم الحكم على العرب قاطبة، يقول:

"زعموا أن العربي يتسم بالشجاعة، بل لقد عللوا النجاح في الفتوح الإسلامية الأولى بما يمتاز به العربي من صفات ومزايا، ولكني أتردد كل التردد في قبول هذا الرأي المبالغ فيه كل المبالغة. . إن شجاعة العرب إنما هي من نوع غير سام". (67)

ويرد (ناصر الدين دينييه) هذه الفرية، مؤكدًا شجاعة العرب، مذكرًا إياه بمواقفهم في الحرب العالمية، ومساندتهم للحلفاء (قوم لا مانس) وأحاله على شهادة القواد الغربيين للمقاتلين المسلمين، فقال:

"والرد على القسيس اللبناني بسيط، ويكفي أن نُسدي إليه هذه النصيحة: وهي أن يقرأ آلاف الشهادات التي نالها من قيادة جيوش الحلفاء الجنود المسلمون الشجعان، الذين حاربوا دفاعًا عما اعتقدوه حقًّا، فكانوا من عوامل النصر في الحرب الكبرى، لقد أثارت فرق الهجوم منهم إعجاب العالم أجمع، وإن هذه الشهادة في أسلوبها العسكري الموجز صرح شامخ مجيد، يسجل روح التضحية والبطولة لدى العرب المغاوير."

وإن سهام النقد، مهما بلغت من العنف، لا يمكن أن تنال من هذا الكتاب الذهبي النفيس، ذلك أنه مكتوب بخط قواد منصفين، لا يمتون إلى الأمة العربية بصلة الجنس أو الدين.

ومن المعروف أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتحنث في غار حراء، ينفرد بنفسه يستجمع ذهنه وشعوره، منصرفًا كل الانصراف عن هذا العالم المادي، مستغرقًا في التفكير في الله، ولكن،"لا مانس"يؤكد أنه كان يكره الوحدة!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت