فهرس الكتاب

الصفحة 1299 من 3028

عرضنا في الباب الأول قضية المعارضين الذين يزعمون أنه لا داعي لأن يبقى الدين في عصرنا الحاضر. والحقيقة أن هذه القضية لا تقوم على أساس ، ولسوف نتناول في الأبواب الآتية أفكار الدين الأساسية واحدة واحدة لننظر في مدى حقيقتها كما كانت قبل العصر الحديث.

وإليكم نقدا عاما لقضية المعارضين:

أولا: حقيقة الطبيعة:

لنتكلم أولا في الدليل الذي يعرض باسم البيولوجيا وهو أن الحوادث تحدث طبقا (لقانون الطبيعة) فلا حاجة لأن نفترض لهذه

الحوادث إلاها مجهولا. إن أحسن ما قيل في هذا الصدد ما قاله عالم مسيحي:

(إن الطبيعة حقيقة(من حقائق الكون) وليست تفسيرا (له ) ) . لأن ما كشفتم ليس بيانا لأسباب وجود الدين ، فالدين يبين لنا الأسباب والدوافع الحقيقية التي تدور (وراء الكون) وما كشفتموه هو الهيكل الظاهر للكون. إن العلم الحديث تفصيل لما يحدث وليس بتفسير لهذا الأمر الواقع فكل مضمون العلم هو إجابة عن السؤال: (ما هذا؟) وليس لديه إجابة عن السؤال: (ولكن لماذا؟) . وإن التفسير الذي نحن بصدده هنا يتعلق بالأمر الثاني.

لنفهم هذا من مثال بسيط ، فالكتكوت يعيش أيامه الأولى داخل قشرة البيضة القوية ويخرج منها بعدما تنكسر مضغة لحم ، كان الإنسان القديم يؤمن بأن الله أخرجه. ولكننا اليوم بالمنظار أنه في اليوم إلحادي والعشرين يظهر قرن صغير على منقار الكتكوت يستعمله في تكسير البيضة لينطلق خارجا منها ثم يزول هذا القرن بعد بضعة أيام من خروجه من البيضة.

هذه المشاهدة كما يزعم المعارضون أبطلت الفكرة القديمة القائلة:بأن الإله يخرج الكتكوت من البيضة ، إذ قد رأينا يقينا أن قانونا لواحد وعشرين يوما يحدث هذه العملية. والحقيقة أن المشاهدة الجديدة لا تدلنا إلا على حلقات جديدة للحادث ولا تكشف عن سببه الحقيقي فقد تغير الوضع الآن فأصبح السؤال لا عن تكسر البيضة بل عن (القرن) ؟ إن السبب الحقيقي سوف يتجلى لأعيننا حين نبحث عن العلة التي جائت بهذا القرن ، العلة التي كانت على معرفة كاملة بأن الكتكوت سوف يحتاج إلى هذا القرن ليخرج من البيضة ، فنحن لا نستطيع أن نعتبر الوضع الأخير (وهو مشاهدتنا بالمنظار) إلا أنه (مشاهدة للواقع على نطاق أوسع) ولكنه ليس تفسيرا له.

يقول البروفيسور (سيسيل بايس هامان) وهو أستاذ أمريكي في البيولوجيا:

(كانت العملية المدهشة في صيرورة الغذاء جزءا من البدن تنسب من قبل إلى الإله ، فأصبحت اليوم بالمشاهدة الجديدة تفاعلا كيماويا ، هل أبطل هذا وجود الإله؟ فما القوة التي أخضعت العناصر الكيماوية لتصبح تفاعلا مفيدا؟ . . . إن الغذاء بعد دخوله في الجسم الإنساني يمر بمراحل كثيرة خلال نظام ذاتي ومن المستحيل أن يتحقق وجود هذا النظام المدهش باتفاق محض. فقد صار حتما علينا بعد هذه المشاهدات أن نؤمن بأن الله يعمل بقوانينه العظمى التي خلق بها الحياة!) . (17)

كان الإنسان القديم يعرف أن السماء تمطر ، لكننا اليوم نعرف كل شيء عن عملية تبخر الماء في البحر ، حتى نزول قطرات الماء على الأرض وكل هذه المشاهدات صور للوقائع وليست في ذاتها تفسيرا لها ، فالعلم لا يكشف لنا كيف صارت هذه الوقائع قوانين؟ وكيف قامت بين الأرض والسماء على هذه الصورة المفيدة المدهشة ، حتى أن العلماء يستنبطون منها قوانين علمية؟ والحقيقة أن ادعاء الإنسان بعد كشفه لنظام الطبيعة أنه قد كشف تفسير الكون-ليس سوى خدعة لنفسه ، فإنه قد وضع بهذا الادعاء حلقة من وسط السلسلة مكان الحلقة الأخيرة.

ويضيف العالم الأمريكي سيسيل قائلا:

(إن الطبيعة لا تفسر شيئا(من الكون) وإنما هي نفسها بحاجة إلى تفسير).

فلو أنك سألت طبيبا: ما السبب وراء احمرار الدم؟

لأجاب: لأن في الدم خلايا حمراء ، حجم كل خلية منها من البوصة!

-حسنا ولكن لماذا تكون هذه الخلايا حمراء؟

-في هذه الخلايا مادة تسمى (الهميوجلوبين) وهى مادة تحدث لها الحمرة حين تختلط بالأكسجين في القلب.

-هذا جميل. ولكن من أين تأتى هذه الخلايا التي تحمل الهميوجلوبين؟

-إنها تصنع في كبدك.

-عجيب! ولكن كيف ترتبط هذه الأشياء الكثيرة من الدم والخلايا والكبد وغيرها بعضها ببعض ارتباطا كليا ، وتسير نحو أداء واجبها المطلوب بهذه الدقة الفائقة؟

-هذا ما نسميه بقانون الطبيعة.

-ولكن ما المراد بقانون الطبيعة هذا ، يا سيدي الطبيب؟

-المراد بهذا القانون هو الحركات الداخلية العمياء للقوى الطبيعية والكيماوية.

-ولكن لماذا تهدف هذه القوى دائما إلى نتيجة معلومة؟ وكيف تنظم نشاطها حتى تطير الطيور في الهواء ، ويعيش السمك في الماء ، ويوجد إنسان في الدنيا بجميع ما لديه من الإمكانات والكفاءات العجيبة المثيرة؟

-لا تسألني عن هذا ، فإن علمي لا يتكلم إلا عن: (ما يحدث) وليس له أن يجيب: (لماذا يحدث؟) .

يتضح من هذه الأسئلة مدى صلاحية العلم الحديث لشرح العلل والأسباب وراء هذا الكون. ولا شك أنه قد أبان لنا عن كثير من الأشياء آلتي لم نكن على معرفة بها ، ولكن الدين جواب لسؤال آخر لا يتعلق بهذه الكشوف الحديثة العلمية فلو أن هذه الكشوف زادت مليون ضعف عنها اليوم فسوف تبقى الإنسانية بحاجة إلى الدين ، إن جميع هذه الكشوف (حلقات ثمينة من السلسلة) ، ولكن ما يحل محل الدين لابد أن يشرح الكون شرحا كليا وكاملا.فما الكون على حاله هذه إلا كمثل ماكينة تدور تحت غطائها لا نعلم عنها إلا أنها (تدور) ، ولكنا لو فتحنا غطاءها فسوف نشاهد كيف ترتبط هذه الماكينة بدوائر وتروس كثيرة يدور بعضها بعضا ، ونشاهد حركاتها كلها. هل معنى هذا أننا قد علمنا خالق هذه الماكينة بمجرد مشاهدتنا لما يدور داخلها؟ هل يفهم منطقيا أن مشاهدتنا هذه أثبتت أن الماكينة جاءت ن تلقاء ذاتها ، وتقوم بدورها ذاتيا؟ لو لم يكن هذا الاستدلال منطقيا فكيف إذن نثبت بعد مشاهدة بعض عمليات الكون- أنه جاء تلقائيا ويتحرك ذاتيا؟ . . .

لقد استغل البروفيسور هريز (A.Harris) هذا الاستدلال حين نقد فكرة داروين عن النشوء والارتقاء فقال:

(إن الاستدلال بقانون الانتخاب الطبيعي يفسر عملية(بقاء الأصلح) ، ولكنه لا يستطيع أن يفسر حدوث هذا الأصلح) (18) .

ثانيا: اللاشعور ودليل علم النفس:

لنعالج الآن الدليل الذي يقدمه علم النفس والقائل بأن الإله والآخرة قياس للشخصية الإنسانية وأمانيها على مستوى الكون. ولست بمستطيع أن أدرك نقطة الاستدلال في هذا الدليل. ولو أنني ادعيت-بدوري-أن الشخصية الإنسانية وأمانيها موجودة فعلا على مستوى الكون فلست أدرى ما عسى أن يبطل ادعائي هذا من منطق المعارضين؟ !

ونحن نعرف أن المادة (الجنين) التي لا تشاهد إلا بالمنظار تنبئ في ذاتها عن إنسان طوله 72 بوصة ، وأن (الذرة) التي لا تقبل المشاهدة تحتوى نظاما رياضيا كونيا يدور عليه النظام الشمسي ، فلا عجب إذن أن يكون النظام الذي نشاهده على مستوى الإنسان في الجنين ، وعلى مستوى النظام الشمسي في الذرة موجودا أيضا ، وبصورة أكمل على مستوى الكون. إن ضمير الإنسان وفطرته ينشدان عالما متطورا كاملا ، فلو كان هذا الأمل صدى لعالم حقيقي فلست أرى في ذلك أي ضرب من ضروب الاستحالة ! !

(أ) لا شك في قول العلماء: إن الذهن الإنساني يحتفظ بأفكار قد تظهر فيما بعد في صورة غير عادية. ولكن سوف يكون قياسا مع الفارق أن نعتمد على هذه الفكرة كي نبطل الدين. فهو قياس في غير محله ، وهو يعتبر استدلالا غير عادى من واقع عادى. فهو أشبه بمن يشاهد مثالا يصنع صنما فيصرخ: هذا الذي قام بعملية خلق الإنسان.

ومن معايب الفكر الحديث أنه يستنبط من حادث عادي دليلا غير عاديا فهذا الدليل لا وزن له من الناحية المنطقية ، ولو افترضنا أن رجلا يسير في شارع اخذ يهذي بكلام غريب نتيجة لأفكار مختزنه في ذهنه فهل يمكن أن نستغل هذا الحادث في البحث في كلام الأنبياء وهو الكلام الذي يكشف سر هذا الكون . .؟ ؟ سوف يكون هذا الاستدلال غير علمي وغير منطقي ولسوف يدل على أن صاحبه يفتقر الى القيم حتى يستطيع التفرقة بين كلام رجل الشارع وكلام الأنبياء فلا يدعى أن هذا الهذيان هو المسئول عما جاء به الدين.

فالقيم تتغير ذاتيا بتغير الأوضاع ومن الخطأ الظن [أنها لا توجد عند أصحاب الفكر الحديث ولنتخيل أن رهطا من سكان بعض النجوم هبط الأرض وهم يسمعون ولكنهم لا يقدرون على الكلام ولنتصور أنهم يذهبون فيبحثون عن الأسباب المؤدية إلى تكلم الإنسان وبينما هم في طريقهم إلى هذا البحث هبت الرياح واحتك غصنان أحدهما مع الآخر فنتج صوت وتكررت العملية غير مرة حتى توقفت الرياح ، وإذا بهم يعلن كبيرهم: لقد عرفنا سر كلام الإنسان وهو أن فمه يحتوى على فكين من الأسنان ن فإذا احتك الفك الأعلى بالأسفل صوت! ولا شك أنه إذا احتك شيء بالآخر يحدث صوتا ، ولكن هذا الواقع لا يكشف عن سر الكلام الإنساني كما لا يصح تفسير أسرار النبوة بكلام غريب-كهذيان رجل الشارع ، في حال الجنون أو الهستيريا.

(ب) واللا شعور الإنساني-من الوجهة العلمية- فراغ في أصله ، لا شك فيه قبل مولد الإنسان ، وإنما يستقر فيه عن طريق الشعور ما يشغله الآن ، لأن (اللاشعور) ليس سوى مخزن للمعلومات والمشاهدات التي شاهدها الإنسان في حياته ولو مرة ومن المستحيل أن يختزن حقائق لم يعلمها من قبل. والذي يثير الدهشة أن الدين الذي جاء على لسان الأنبياء يشتمل على حقائق أبدية لم تخطر على بال أحد من الناس في أي زمان فلو كان اللاشعور هو مخزن هذه المعلومات ، فمن أين يأتى بها هؤلاء الذين يتكلمون عن أشياء لا طريق لهم إلى العلم بها؟

إن الدين الذي جاء به الأنبياء يتصل من ناحية أو أخرى بجميع العلوم المعاصرة-الطبيعة ، والفلك ، وعلم الحياة ، وعلم الإنسان ، وعلم النفس ن والتاريخ والحضارة والسياسة والاجتماع وغيرها من العلوم ، وكل حديث في التاريخ الإنساني مصدره (الشعور) ، فضلا عن اللاشعور ، لا يخلو من الأغلاط والأكاذيب والأدلة الباطلة. أما الكلام النبوي فإنه بريء ولا شك من كل هذه العيوب رغم اتصاله بجميع العلوم ، ولقد مرت قرون إثر قرون أبطل فيها الآخرون ما ادعاه الأولون ، وما زال صدق كلام النبوة باقيا على الزمان ، ولم يستطع أحد أن يدل على باطل جاء به وكل من حاول ذلك أخفق.

وإليكم مثالا من هذا القبيل اعتمد عليه فلكي كبير ، حتى ادعى أنه كشف غلطة علمية في القرآن الكريم.

يقول (جيمز هنري بريستد) :

(لقد راج التقويم القمري في الدنيا لكثرة تداوله في غرب آسيا ، ولغلبة الإسلام سياسيا بوجه خاص ولقد مضى محمد(صلى الله عليه وسلم) بالاختلاف بين التقويم القمري والشمسي إلى أقصى حد من العبث يمكن تصوره ، حتى إنه أبطل إضافة الشهر الكبيسة (Intercalary months ) . إن السنة القمرية المزعومة تشتمل على354 يوما ، وتقل أحد عشر يوما عن السنة الشمسية. وهكذا تزيد السنة القمرية سنة كل33 سنة ، وثلاث سنين في كل قرن. فلو حل رمضان في يونيو في هذه السنة فسوف يحل بعد ست سنين في أبريل).

لقد مضى 1313عاما منذ (19) الهجرة ، حيث إن قرننا (الميلادي) هو بمثابة مائة سنة وثلاث سنين في تقويم المسلمين ، وقد سجل تقويمهم واحدا وأربعين عاما زائدا في هذه المدة من قرننا. وقد ألغت كنيسة اليهود الشرقية هذه السخافة واختارت طريقة إضافة الشهور (Intercalation ) لتجعل تقويمها مثل التقويم الشمسي ، وهذا هو السبب في أن غرب آسيا يعانى حتى الآن لعنة هذه الطريقة القديمة-التقويم القمري ) (20) .

لسنا هنا بصدد مناقشة الفرق بين التقويم القمري والشمسي ، ولكن لابد من توضيح أن ما نسبه المؤلف إلى رسول الإسلام هو في الحقيقة غفلة شديدة ترجع إلى المؤلف نفسه ، ولم يمنع القرآن الكريم إضافة (الشهور الكبيسة) ، وإنما حرم النسيء (التوبة:38) ومعناه في اللغة: (التأخير) ، ومنه: (نسأ الدابة) عن الحوض لكي تشرب الأخرى ومعناه في الاصطلاح: (تأخير شهر وتقديم شهر آخر عليه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت