لقد كان من بين العادات الكريمة التي دعا إليها إبراهيم عليه السلام العرب تحريم أربعة أشهر لا قتال فيها ولا جدال ، وهى: ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب ، وقد كان العرب يسافرون في هذه الأشهر بكل حرية لكي يؤدوا فريضة الحج والعمرة. وحين دب الفساد في بعض القبائل ، اخترعوا بدعة (النسيء) وهى أن يضعوا شهرا غير حرام محل الشهر الحرام كأن يجعلوا صفر في مكان المحرم ، وذلك لكي يحاربوا قبيلة يلزم قتالها في الشهر الحرام. وهذه هي البدعة المقيتة التي وصفها القرآن الكريم بأنها: (زيادة في الكفر) .
وقال العلماء: إن الشهور الكبيسة كانت رائجة في العرب ، وكانوا يضيفون عدد الشهور في السنة للتقويم.
وقال مفسر للقرآن الكريم في هذا الموضوع ، وهو مولانا شبير أحمد العثماني في تفسيره: (إن بعض القبائل تضيف الشهور الكبيسة كل ثلاثة أعوام ليستقيم التقويم القمري ولا يدخل هذا العمل في النسيء) .
إن ما قاله رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم في عهد الظلام لم يكن من الجهالة ، ولا يدخل قطعا في نطاق ما أورده (جيمز هنري بريستد) طعنا عليه ولو كان كلامه صلى الله عليه وسلم صادرا عن الشعور أو اللاشعور لوقعت فيه أخطاء ما من ذلك بد.
ثالثا: الاستدلال والاجتماع:
إن الذين يستدلون بالتاريخ أو الاجتماع خطأهم الأساسي أنهم لا يدرسون الدين من وجه صحيح ولهذا يبدو لهم الدين شيئا غريبا ، ومثال ذلك أن ترى شيئا مربعا من زاوية منحرفة فيترائي لك مثلثا. إن الخطأ الذي يقعون فيه هو أنهم يتناولون الدين على أنه (مشكلة موضوعية Objective Problem) فهم يجمعون في سلة واحدة كل ما أطلق عليه اسم (الدين) من رطب ويابس ، في أي مرحلة من التاريخ ، ثم يتأملون في ضوء هذا المحصول حقيقة الدين! ! إن موقفهم ينحرف من أولى مراحله فيبدو لهم الدين -جزاء هذا الموقف الفاسد-عملا اجتماعيا لا كشفا لحقيقة ، ومن المعلوم أن لكل ما يكشف عن حقيقة من الحقائق مثلا أعلى ، ولا بد عند البحث عن هذه الحقائق أن ندرس مظاهرها وتاريخها في ضوء مثله الأعلى. أما الأمور التي تأتى بها أعمال اجتماعية فليس لها مثل أعلى. وبقائها رهن بحاجة المجتمع إليها.
والدين يختلف عن ذلك كل الاختلاف ، فليس من الممكن البحث عن حقائقه ، كما يبحث عن تطورات فنون العمارة والنسيج والحياكة والسيارات لأن الدين علم على حقيقة يقبلها المجتمع أو يرفضها ، أو يقبلها في شكل ناقص ، ويبقى الدين في جميع هذه الأحوال حقيقة واحدة في ذاتها وإنما يختلف في أشكاله المقبولة، ولهذا لا يمكن أن نفهم حقائق (الدين) بمجرد فهرسة مماثلة لجميع الأشكال الموجودة في المجتمعات باسم الدين.
ولنأخذ-على سبيل المثال-لفظ (الجمهورية) . فهي قيمة سياسية لنظام خاص بالحكم ، وفى ضوء هذه القيمة نستطيع أن نحكم على بلاد بأنها جمهورية أو بأنها ليست كذلك. لكنا لو ذهبنا نبحث عن معاني (الجمهورية) في النماذج السياسية التي توجد عبر القارات ويلتصق بها لفظ (الجمهورية) ، زعمنا أن كل هذه البلاد قائمة (على أسس جمهورية) . فسوف تصبح كلمة (الجمهورية) بلا معنى. ففي هذه الحالة ستختلف (جمهورية) الصين عن (جمهورية) الولايات المتحدة الأمريكية ، وستعارض (جمهورية) إنجلترا (الجمهورية) العربية المتحدة ، كما أن (جمهورية) باكستان ستصطدم (بالجمهورية) التي تلتزم بها الهند. فإذا تأملنا كل هذه المشاهدات في ضوء (فلسفة التطور) فإن هذه الكلمة سوف تفقد معناها حتما ؛ لأن فرنسا التي أنجبت النظام الجمهوري سوف تبرهن على أن (الجمهورية) بعد (نشوئها وارتقائها) تتمثل في ديكتاتورية ديجول العسكرية.
وهذا النهج في التناول يؤدى إلى نتيجة غريبة هي أنه لا حاجة إلى (الإله) في الأديان! !
إذ يوجد مثال لهذا في تاريخ الأديان وهو مثال البوذية التي تخلو تماما من فكرة (الإله) . ومن ثم آمنت جماعة من الناس بضرورة البحث عن دين مجرد من الإله ، ولو أننا سلمنا بالفكرة القائلة بأن شيئا مثل (الدين) لابد منه للإنسان لحاجته إلى الوعي الخلقي والتنظيم الاجتماعي ، فلا داعي إذن للإله أن يوجد ، وربما قيل: (إن الدين الذي يصح لهذا العصر يلزم أن يكون مثل البوذية ، فإن إله العصر الحاضر هو (مجتمعه وأهدافه السياسية9 ، ورسول هذا الإله هو(البرلمان) الذي يوجه الشعب إلى ما يرضيه ، ومعابد هذا الإله العصري ليست المساجد أو الكنائس القديمة وإنما هي المصانع الكبيرة والسدود العظيمة) (21)
إن لهؤلاء الباحثين الاجتماعيين المزعومين قدرة كبيرة على خلق هذه الأفكار الجديدة ، التي تنتقل من (دين الإله) إلى فكرة (الدين بغير الإله) . وذلك ناشئ عن الطريق المعوجة التي سلكها بحثهم وهم يغمضون أعينهم عن جميع النواحي العلمية الأخرى التي تلقى ظلالا من الشكوك حول جداولهم الارتقائية. ومثاله أن علماء الاجتماع والإنسان قد توصلوا بعد أبحاثهم الفنية الدقيقة إلى أن (نظرية الإله) شكل ارتقائي لفكرة تعدد الآلهة ، غير أن هذا الارتقاء ضل طريقه واتجه إلى طريق غريبة وحير العلماء كما شوش أمره على نفسه بارتقائه الباطل من فكرة تعدد الآلهة إلى فكرة الإله الواحد.
إن فكرة تعدد الآلهة كانت تحمل قيما اجتماعية مؤداها أن يعيش مؤمنو الآلهة المختلفة في سلام باعتراف متبادل ما بينهم ، (ولكن فكرة الإله الواحد أبطلت حتما هذا الإمكان بخلقها نظرية الدين الأعلى(Higher Religion) ونتيجتها أن بدأت حروب ضارية لا نهاية لها بين شعوب الدنيا ، وهكذا سعت فكرة الإله الواحد إلى حتفها بظلفها ، لارتقائها في اتجاه مناقض وهذا هو قانون النشوء والارتقاء) (22) .
ولكننا-فعلا- قد تركنا الواقع الحقيقي في هذا الجدول ، فالتاريخ المعلوم يثبت أن أول رسول معلوم كان سيدنا نوحا عليه السلام وكان يدعو إلى الله الواحد ، كما أن تعدد الآلهة (Polytheisn) ليس في درجة واحدة وإنما معناه: أن يشرك الإنسان مع الإله الأكبر آلهة آخرين يقربونه إليه ويشفعون له ، وفى وجود هذه الحقائق تتحول نظرية النشوء والارتقاء إلى ادعاء لا دليل عليه.
وفكرة (ماركس) هي أكثر نظريات هذه المجموعة عبثا ، فهي تقول:إن الأحوال الاجتماعية هي التي تقوم ببناء الإنسانية وتكميلها ، ومن ثم كان العصر الذي وجد فيه الدين عصر الإقطاع والرأسمالية وهو عصر الانتهازيين اللصوص كما أن الأفكار الدينية والأخلاقية التي تولدت في هذا العصر تحمل نفس الطابع الانتهازي الاستعماري.
والحق أن هذه الفكرة ليست لها قيمة من الناحية العلمية ، كما أنها عند التحليل العلمي والتجربة العملية لا طريق إلى تصديقها.
فالفكرة الماركسية تنفى بشدة إرادة الإنسان وهى تحيل الأحداث إلى تأثير عوامل الزمن الاقتصادية ، ومعنى ذلك أن الإنسان لا شخصية له فهو يصاغ في مجتمعه كما يصاغ الصابون في المصنع ولا طريق أمامه كي يشق أفكارا وطرقا جديدة وإنما هو ينطلق مفكرا على النهج الذي سمحت له به حياته الاقتصادية ، فإذا كانت هذه القضية صحيحة فكيف تمكن كارل ماركس -وليد النظام الرأسمالي- من أن يفكر ضد العوامل الاقتصادية الرائجة في عصره ؛ هل صعد القمر لكي يبحث في أحوال الأرض؟
وبعبارة أخرى: لو صح أن الدين وليد عصر مخصوص فكيف لم تكن الماركسية وليدة النظام الاقتصادي لعصرها؟؟.. وإذا لم نسغ هذا الوضع فيما يتعلق بالماركسية فكيف نسيغه بالنسبة إلى الدين؟.. الحق أن هذه الفكرة عبث مثير لا يحمل على ظهره أي دليل علمي أو عقلي.
هذا وقد اتضحت أخطاء هذه الفكرة بالتجارب العملية. وحسبنا روسيا ، هنالك حيث سادت الماركسية نصف قرن من الزمان ادعت روسيا خلاله أحوال البلاد المادية قد تغيرت تماما وأن النظام الزراعي ، والمبادلة ، وتقسيم الأموال ، قد جرت على أسس غير استغلالية ولكنا وجدنا حين مات ستالين أن قادة الروس أنفسهم قد أقروا بأن الظلم والفساد كانا رائجين في عهده ، وأنه كان يستغل الشعب كما يستغله الحكام في البلاد الاستعمارية. ولو وضعنا في اعتبارنا واقع الرقابة الشديدة على الصحف ووسائل الإعلام وهى التي تمكن بها ستالين من أن يذيع على العالم أن عهده هو عهد العدل والإنصاف ، فلا ريب أن هذه الرقابة موجودة اليوم أيضا ،ومن هنا نستطيع أن نفهم أن الأمور تجرى وراء ستائر الدعايا الجميلة على ما كانت عليه في عهد ستالين. وإن كان المؤتمر العشرون (1956) للحزب الشيوعي الروسي قد أفشى مظالم ستالين فلا غرابة أن يجيء المؤتمر الأربعون للحزب الشيوعي بإفشاء أسرار حكام روسيا اليوم (23) .
إن هذا النظام التي استغرقت تجربته نصف قرن من الزمان ليدلنا على أن الإنسان لا يتغير بتغيير نظام الزراعة والمبادلة المزعوم ، ولو كان العقل الإنساني تابعا للنظام الاقتصادي فلماذا نجد الظلم والفساد والاستغلال في نظام روسيا الشيوعي؟
إن قضية العصر الحاضر لا تعدو أن تكون (سفسطة علمية Scientific Sophism) ذلك أن علماء هذا العصر يعالجون قضاياهم في ضوء العلم الحديث ، غير أن هذه المعالجة لاتجدى نفعا لأنها قائمة على العلم المحض وحسب ، على حين لابد من اعتبار أشياء أخرى ومثال ذلك: أن نشرع في دراسة علمية لأشياء علمية ناقصة فسوف تؤدى هذه المطالعة العلمية إلى نتائج غير علمية ، ناقصة باطلة.
لقد عقد في دلهي في يناير 1964مؤتمر دولي للمستشرقين ، اشترك فيه ألف ومائتان من العلماء من جميع أنحاء العالم. وقدم أحدهم في هذا المؤتمر بحثا يدعى فيه مآثر كثيرة لمسلمي الهند ليست من عمل المسلمين ، وإنما هي من عمل الملوك الهندوس.
وضرب لذلك مثلا بمنارة قطب في دلهي المنسوبة إلى الملك قطب الدين أيبك على حين بناها الملك الهندوسي سامو درا جوبت قبل 23قرنا ، لقد أخطأ المؤرخون المسلمون فنسبوها إلى الملك قطب الدين. ويستدل هذا البحث بأن في المنارة المذكورة بعض أحجار قديمة نحتت قبل عصر الملك قطب الدين.
وهذا -كما يبدو- استدلال علمي إذ أن بعض أحجار المنارة فعلا ن الصنف الذي ذكره العالم ولكن هل يكفى مشاهدة بعض أحجار المنارة للبت في أمر بانيها ؟ أو أنه لابد من نواح أخرى كثيرة لنشاهدها في هذا الصدد. ومن هنا فإن هذا التفسير لا يصدق على منارة قطب -ككل- هذا تفسير. وهناك تفسير آخر هو أن هذه الأحجار القديمة التي يوجد بعضها في المنارة. إنما جاءت من أنقاض أبنية قديمة كما هو معروف في كثير من الأبنية التاريخية الحجرية. ولا مناص من أن نقبل هذا التفسير الثاني حين نشاهد منارة قطب الدين في ضوء طابعها المعماري ورسومها وتصميمها. والمسجد الناقص بجوارها والمنارة الثانية التي لم تكمل ، ثم ننتهي إلى أن التفسير الأول ليس إلا قياسا خاطئا قائما على المغالطات.
وهذا هو أمر قضية المعارضين فإنهم نظروا إلى حقائق ناقصة وجزئية لا يتصل بعضها بالموضوع مطلقا واعتقدوا أن الدراسة العلمية الحديثة قد أبطلت الدين ، على حين أننا لو نظرنا إلى الواقع جملة وتفصيلا فسوف نصل إلى نتيجة تختلف عن الأولى كل الاختلاف.
والدليل الذي يقنعني بصدق الدين هو أن عقولا مثالية منا -بعد أن تركت الدين- قد أخذت تهذي بكلمات لا حقائق وراءها وتعمه في تيه الظلام ، ذلك أن الإنسان بعد أن يفقد أساس (الدين) لايجد أساسا آخر لأفكاره. والأسماء التي تأتى في قوائم المعارضين أكثرها من عقولنا الكبيرة ولكنهم بعد أن تخلوا عن الدين راحوا يكتبون ضروبا من اللغو غاية في الإهمال والتمزق ، حتى إننى أتحير -أحيانا- فلا أفهم كيف صدرت هذه الكلمات عن قلم رجل من العلماء؟.. وإن السجل الذي أنتجه هؤلاء ليشتمل على خرافات وآراء متناقضة واعترافات بجهل الحقيقة كما يشتمل على أدلة أشبه بالسفسطة. فبطولة هؤلاء تكمن في أنهم أغمضوا أعينهم عن الحقائق الظاهرة ، وشادوا قناطر خالية من الادعاء ، كما تتمثل في استدلالهم بالشاذ من الأمور. وذلك من سمات القضايا الباطلة ، أما القضايا الصحيحة فإنها تقوم على أسس علمية ثابتة لا على الشواذ.
وتتجلى حقيقة الدين وسفسطة قضية المعارضين أكثر من ذلك حين نطالع صورة الحياة الإنسانية في ضوء الدين ، إنها صورة جميلة لطيفة تتوافق مع أفكار الإنسان السامية كما يتوافق الكون المادي مع القوانين الرياضية ، بعكس تلك الصورة التي يرسمها المعارضون فهي صورة جد قبيحة وهى لا تتفق أبدا مع الذهن الإنساني ، وانظر إلى ما يقوله برتراند رسل:
(والإنسان وليد عوامل ليست بذات أهداف ، إن بدأه ونشوءه وأمانيه ومخاوفه وحبه وعقائده كلها جاءت نتيجة ترتيب رياضي اتفاقي في نظام الذرة ، والقبر ينهى حياة الإنسان. ولا تستطيع أية قوة إحياءه مرة أخرى. إن هذه المجهودات الطويلة والتضحيات والأفكار الجميلة والبطولات العبقرية كلها سوف تدفن تحت أنقاض الكون ، ولو لم تكن هذه الأفكار قطعية فإنها أقرب ما تكون إلى الحقيقة ، حتى إن أية فلسفة تحاول إنكارها ستلقى فنائها تلقائيا) (24)
ويكاد هذا الاقتباس أن يكون خلاصة الفكر المادي فالكون -في ضوء هذا الفكر المادي -يكاد يفقد أهدافه ولا يبقى غير الظلام الحالك ؛ الظلام الذي تتلاشى فيه معايير الخير والشر حتى إن إبادة الناس بالقنابل لا تعد ظلما لأنهم سوف يلقون حتفهم على أية حال يوما ما. أما الفكر الدين فهو فكر الضوء والأمل. الموت والحياة مرتبطان فيه بأهداف معينة وكل القيم والأفكار الإنسانية السامية تجد لها مكانا فيه وإن كان بعض العلماء بمجرد تصديق القوانين الرياضية لأفكاره يطمئن إلى أنه قد توصل إلى الحقيقة فإن تصديق العقل الإنساني الفكر الديني دليل قطعي على أنه قد توصل إلى الحقيقة التي طالما بحثت عنها الفطرة الإنسانية ، وعندئذ لا نجد أساسا واقعيا لإنكار قيمة الفكر الديني ، هذا وهو (المقياس) العلمي الذي يشير إليه الرياضي الأمريكي البروفيسور (ارل تشستر ريكس) قائلا:
(إننى أستخدم في أبحاثي ذلك المقياس العلمي المسلم الذي يستخدم في ترجيح إحدى فكرتين مختلفتين أو أكثر عن حقيقة واحدة. وهو المقياس الذي نرجح بناء عليه الفكرة التي تفسر المسائل المتنازع فيها بطريقة أكثر بساطة وسهولة. لقد استخدم العلماء هذا المقياس لاختيار إحدى نظريتي بطليموس و كوبرنيك: كانت الأولى تزعم أن الأرض هي مركز النظام الشمسي ، على حين أكدت الثانية أن النظام الشمسي هو مركز الأرض. وكانت نظرية بطليموس غاية في التعقيد حتى رفضها العلماء) (25) .
ولا بأس من الاعتراف بأن هذه الأدلة لن تقنع بعض الناس ، فإن أبواب عقولهم المادية موصدة دون أي كلام -مهما يكن علميا- عن الإله أو الدين ومن المؤكد أن موقفهم هذا ليس لأن استدلالنا ضعيف وإنما هو راجع إلى تعصبهم المقيت ضد الأفكار الدينية ، ولقد صدق عالم بريطانيا العظيم سير جيمس جينز -الذي يعتبر ولا شك أعظم علماء العصر الحديث- حيث قال في كتابه الشهير (عالم الأسرار) :
(إن في عقولنا الجديدة تعصبا يرجح التفسير المادي للحقائق) (26) .
وذكر (ويتكر شامبرز) في كتابه (الشهادة) Witness حادثا كان من الممكن أن يصبح نقطة تحول في حياته. ذكر أنه بينما كان ينظر إلى ابنته الصغيرة استلفتت أذناها نظره فأخذ يفكر في أنه من المستحيل أن يوجد شيء معقد ودقيق كهذه الأذن بمحض اتفاق بل لابد من أنه وجد نتيجة إرادة مدبرة. لكن (ويتكر شامبرز) طرد هذه الوسوسة عن قلبه حتى لا يضطر أن يؤمن -منطقيا- بالذات التي أرادت فدبرت ، لأن ذهنه لم يكن على استعداد لتقبل هذه الفكرة الأخيرة.
ويقول الأستاذ الدكتور (تامس ديود باركس) بعد أن يذكر هذا الحادث:
(إننى أعرف عددا كبيرا من أساتذتي في الجامعة. ومن رفقائي العلماء الذين تعرضوا مرارا لمثل هذه المشاعر وهم يقومون بعمليات كيماوية وطبيعية في المعامل) (27) .
لقد أجمع علماء هذا العصر على صدق نظرية النشوء والارتقاء. . وقد بدأت هذه النظرية تسود فعلا جميع فروع العلوم الحديثة. فكل مشكلة تحتاج (إلها) في تفسيرها توضع مكانه هذه النظرية بغير تردد.
هذا جانب من النظرية وأما الجانب الثاني -وهو الجانب المظلم منها- الذي يقرر (فكرة التطور العضوي) Organic Evolution الذي استنبطت منه فكرة الارتقاء ، فقد بقى إلى يوم الناس هذا بلا براهين وبلا أدلة علمية ! ! حتى قال كثير من العلماء (إنهم لا يؤمنون بهذه النظرية ، إلا لأنه لا يوجد أي بديل لها سوى الإيمان بالله مباشرة) .
وكتب سير آرثر كيث يقول:
(إن نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علميا ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان ونحن لا نؤمن بها إلا لأن الخيار الوحيد بعد ذلك هو(الإيمان بالخلق الخاص المباشر) وهذا ما لا يمكن حتى التفكير فيه (28 ) ) ! !
إننى أقر هنا بعجزي عن إقناع أولئك الذين ينطوون على التعصب الأعمى للتفسير المادي بحقية الدين ، ولهذا التعصب جذور عميقة كما يقول عالم أمريكي: (إن كون العقيدة الإلهية معقولة وكون إنكار الإله سفسطة لا يكفى ليختار الإنسان جانب العقيدة الإلهية فالناس يظنون أن الإيمان بالله سوف يقضى على حريتهم ، تلك الحرية العقلية التي استعبدت عقول العلماء واستهوت قلوبهم ، فأية فكرة عن تحديد هذه الحرية مثيرة للوحشة عندهم(29) .
وبناء على هذا يدعى جوليان هكسلى أن فكرة النبوة (هي إظهار للتفوق بطريقة شاذة لا يمكن احتمالها) ؛ إذ أن معنى الإيمان بنبى أن نؤمن بكلامه على أنه كلام الإله ، ثم نمتثل-طوعا أو كرها-لكل ما يأمر به.
ولكن إذا كان الإنسان مخلوقا وليس خالقا ، عابدا وليس معبودا. فكيف يستطيع أن يقضى على الحقائق بمجرد أفكار نبتت في عقله؟ . . إننا لا نستطيع أن نغير الحقائق وإنما نستطيع أن نعترف-أو نؤمن بها-فحسب. وإذا كنا لا نحب أن تكون عاقبتنا عاقبة النعامة ، فأفضل خيار لنا أن نسلم بالحقيقة قبل أن تفوت الفرصة نهائيا.
إن كفرنا بالحقيقة لن يسيء إلى قضيتها ولكن الخسران كله سوف يكون من حظنا في الآخرة.