ويواصل البنا حواره مع الأنبا شنودة فيسأله (ص 234) : هل يرضيك ما يفعله بعض النصارى المهاجرين من إثارة الرأي العام في أمريكا وأوربا وتشويه صورة مصر؟!فيجيب نيافته: لا، لا يرضيني هذا أبدًا، وكل من يسيء إلى مصر ليس منا، وأنت تعرف؛ إن بعض النصارى المهاجرين خرجوا بمشاكل شخصية، بعضهم لم يجد عملًا كغيرهم، ولكنهم لم يحتملوا وهربوا، وبعضهم وجد مضايقات في العمل أو الأسرة مما يلاقيه غيرهم، ولكنهم لم يحتملوا، فعامل عدم الرضا يرافقهم منذ غادروا مصر، وبعضهم الآخر قضى في الغربة سنوات طويلة ولم يعد يعرف حقائق ما يجرى في مصر، ولذلك يصدّق أي شائعات تصل إليه، ويقرأ عن حادثة وقعت فتؤثر فيه بأكبر من حجمها الحقيقي، وبعضهم أيضًا خارج على سلطة الكنيسة ومتمرد، يفهم الحرية في الغرب على أنها تحرر من كل شىء، لذلك يجب ألا نعطى لهذه القلة حجمًا أكبر من حجمها.قلت _رجب البنا للأنبا شنودة: ولكن الإعلام الأمريكي يأخذ كلام هؤلاء المرضى والموتورين والمخدوعين على أنه حقيقة، ويتحدث عن اضطهاد النصارى في مصر؟!أجاب الأنبا شنودة: هذا هو الخطأ، الإعلام الغربي (يريد جنازة ويشبع فيها لطمًا) ... إن الدعايات المسمومة تسعى إلى تشويه الحقيقة وتستغل استغلالًا سيئًا بعض أحداث العنف التي تقع ويكون ضحيتها نصارى ومسلمين من المدنيين ورجال الشرطة، أقول ذلك بوضوح، ومع ذلك أجد التعتيم الإعلامي الغربي على هذه الحقيقة، ومن حقنا أن نشكو الإعلام الغربي ونطالبه بالحياد، وبالموضوعية، وبالإنصاف. _وتلك هي شهادة الأنبا شنودة].وآخرًا وليس أخيرًا:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ رسالة خاصة جدًا ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى نيافة الأنبا شنوده رئيس الكنيسة المصرية وزعيمهh
بداية أرجو أن تتقبلوا مني هذه الرسالة، والتي شجعني علي كتابتها؛ ما قرأته كثيرًا في حواراتكم، عن مكانة مصر في قلوبكم، ولولا ذلك ما خطتها أصابعي.فإنني أهيب بكم، لعلمي بقدركم ومكانتكم في نفوس شعب الكنيسة، أن تؤدون الدور المنوط بكم تجاه هذه الفئة التي تناولتم بأنفسكم تحليل شخصيتها، ومكونات عقلها، فأنتم أدرى الناس بأبنائكم.ولا يعيب الأب أن يكون بعض أبنائه من العصاة، أو غير المطيعين، ولكن الذي نأمله من نيافتكم أن تكونوا أكثر إيجابية، وأكثر حسمًا، لأنكم وحدكم بعد الله، القادرون على إسكات هذه الزمرة الهائجة من نصارى المهجر ومن يتعاونون معهم داخل البلاد، ممن تعرفونهم إسمًا إسمًا.
وأنتم أيضًا الذين تستطيعون أن توقفوهم عند حدود التزام اللياقة وأدب الخطاب وضوابط الحوار، واحترام حقوق الوطن وأهله.فإن لم يرتدعوا، فأنتم وحدكم الذي يعرف كيف يكون ردعهم، لأنه ليس مقبولًا أن تستمر هذه المهزلة الأخلاقية التي تمس كرامة الوطن وهيبة حكامه.وإن استمرار الصمت من طرفكم، وغض الطرف عن هذه التجاوزات، لا بد له من نهاية، خاصة والجميع يعرف كل المعرفة، أنك تملك من السلطان والسلطات عليهم، ما تكفي معه إشارة منكم، ولكم في ذلك أكثر من سابقة.ولعل خير شاهد على هذا السلطان أيضًا، ما كان منكم من شدة وصرامة وعقوبات نفذتها نيافتكم على كل من سولت له نفسه أن يعارض قراركم بعدم زيارة كنيسة القيامة في فلسطين المحتلة، إلا مع شركاء التاريخ والأرض في مصر.
فإذا كان هذا هو موقفكم تجاه أرض فلسطين، فإن الموقف تجاه مصر وحاكمها وحكومتها وشعبها، يكون واضحًا قدره وأهميته، لا يحتاج منا أن نُذكِّر نيافتكم به، وأنتم المشهود لكم بالفراسة والحنكة.ومن غير اللائق على الإطلاق، أن نسكت على استعدائهم لأعداء الأمة علينا، واستنفار أمريكا أو غيرها لمواجهة عسكرية أو اقتصادية أو سياسية أو دينية مع شعبنا، كما إنه من العيب ـ مهما بلغ اختلافنا مع قيادتنا السياسية ـ في أن يواجه رئيس الجمهورية في كل زيارة له إلى أمريكا أو أوربا، صبيانية هذه الفئة التي وصفتها نيافتكم بالموتورة حينًا، وبالمرضى حينًا آخر، ثم ـ وهو الأهم ـ إنه من غير المقبول أن نسلم بادعاء البعض أنهم خارج طوعك، أو أن سلطانهم فوق سلطانكم، أو أنكم لا تملكون منعهم من ممارسة حريتهم في إيذاء الوطن.فإن كانوا كذلك؛ وأنه لا سلطان لكم عليهم، وأنهم براء من تبعيتكم ورعايتكم، فليكن ذلك منكم إعلانًا صريحًا وواضحًا، براءة منهم، وهذا مالا نقبله، وما لا نحبه، لكن حب الوطن أغلى كثيرًا من أن نترك تاريخه وحضارته وحاضره تعبث بهم أيدي من لا يحترمون قدره، ويقدسون عقيدته، وينتمون إلى شعبه.
وأعرف إنه لا يرضيكم مني إصدار هذا المقال، وإني أحترم هذا الشعور جيدًا، لكنني أستسمحكم القول صراحة، أنني لم أجرؤ على ذلك، إلا لأنني شعرت أنكم رضيتم بكل ما فعله هؤلاء، وبكل ما قالوه، في الإسلام والمسلمين ومصر والسادات ومبارك والشيخ الشعراوي وشيخ الأزهر (مما تعففت أنا عن ذكره) ، والجيش والشرطة والنيابة والقضاء، ناهيكم عما قيل في كل أهل مصر من المسلمين، عوامًا وخواصًا.إنني أكرر على نيافتكم، أن مصر أغلى وأعز من أن تهان باسم الكنيسة المصرية، داخل مصر أو خارجها، ولو أنك فعلت معهم عُشر مِعشار ما فعلته مع القسس الذين خرجوا عن طوعكم، لارتدعوا وكفوا أذاهم عن الوطن الذي اتخذوا من شتمه وسبه والتآمر ضده تجارة وربحًا.ولكننا على يقين بأن نيافتكم لن تتخلى أبدًا عن أداء الواجب الذي تمليه عليكم المسؤولية التي تتحملونها تجاه مصر وحكومتها وشعبها، وأنك أبدًا لن تبيع ـ معاذ الله ـ سبعين مليونًا من المصريين، بقلة شطت عن الصواب، وتدنست أيديها بأموال وطعام وشراب الصهاينة با عترافهم، وتثير الفتن بين الأهلين.وتعلمون نيافتكم أن الحق واحد لا يتجزأ، والباطل أيضًا واحد وإن تعددت صورة، وأنت الذي قلت كثيرًا؛ أن المخطيء لا يجب أن يترك دون عقاب، غير أننا لا نطمع منك الآن إلا أن يكفوا عنا أذاهم، وألا يهان ديننا ووطننا وحكامنا وشعبنا ليل نهار كما ترى وتسمع، وليعلموا أننا نملك أقلامًا أحدّ من أقلامهم، لكننا نرفض أن نظل في صراعات لا طائل منها، في عالم ينشد كله السلام.راجيًا ألا تتأخر استجابتكم، وأشكر لنيافتكم من الآن، قبول مقالي، الذي سوف أرسله بمشيئة الله على بريدكم الإلكتروني، ومقر مجلتكم (الكرازة) .وبالله التوفيق.
مع وافر احترامي وتقديري
مع اليوم الأول من شهر رمضان المبارك ، ومع اليوم الأول للعام الثاني من عمر هذا الموقع المبارك ، ومع اليوم الأول من بث الموقع بشكله الجديد ، كنت أتمنى أن تكون هذه الافتتاحية ، تهنئة للمسلمين لحلول الشهر المبارك ، وبدعاء لي ولهم بالخير واليمن والبركة والنصر المؤزر القريب بمشيئة الله ، بشيء من التفصيل والإسهاب .
لكنني وجدت أن أكتفي بهذه التهنئة المقتضبة ، وعلى كل مسلم أن يتقبلها مني ولا يبخل باستيعاب كل معنى طيب يمكن أن تتحمله هذه التهنئة الخالصة من قلبي .
إذ وجدت أن أجعل التهنئة ، تهنئتين ، الأولى وهي السالفة ، مقتضبة ومتروك للقارئ المسلم الكريم تفصيلها على قدر ما يستطيع ، أما الثانية فسوف أتولى أنا تفصيلها بمشية الله .