فهرس الكتاب

الصفحة 2586 من 3028

فالغدر الذي يعنيه (فلوتن) قد وضحنا مفهومه من كلام فلوتن نفسه قبلًا، أكثر من مرة. أما (الغدر) الذي حكم به، القاضي، وصدق قول أهل سمرقند به، فمفهومه يختلف تمامًا عما يعنيه (فلوتن) .. إن الغدر الذي ادعاه أهل سمرقند، هو أن قتيبة فجأهم من غير أن يعالنهم بالحرب، قبل أن يهجم عليهم، وهذا واضح تمامًا من الرواية التي أوردها الطبري وأشرنا إليها آنفًا، من أن محمد بن أبي عيينة قال في ملاحاة له مع سلم بن قتيبة:"إن العجم يعيرون أباك (قتيبة) الغدر، إنه غدر بخوارزم، وسمرقند". (61)

فالعار هنا يُلحقونه بقتيبة، ويعيرونه به؛ لأنه هاجمهم قبل أن يعلنهم أو ينذرهم، على غيرما هو معروف من قواعد القتال وآدابه في الإسلام، ولو كان الأمر كما ادعى (فلوتن) :"هاجمهم واحتل بلادهم وطردهم منها، رغم التزامهم بالمعاهدة التي عقدوها، قبلًا مع سعيد بن عثمان، لو كان الأمر كذلك، لكان التعيير للمسلمين وللقيادة الإسلامية، وللحكم الإسلامي كله، فتسيير جيش مثل هذا إلى سمرقند ليس من عمل قتيبة، وإنما من عمل قيادة الدولة، ومحال أن ينفرد قتيبة بتوجيه جيش إلى معركة كهذه، من غير إذن الخليفة، وقادة الدولة، ولو سلمنا جدلًا، أن قتيبة انفرد بتوجيه الجيش، وتسييره إلى معركة سمرقند وكان ذلك برأيه هو، فإن ذلك - لو حدث - لا يعفي الدولة الإسلامية من الخطأ - إذا كان - أعني أن حرب سمرقند وإعادة فتحها، وتكليف قتيبة بقيادة ذلك الجيش أمر لم يُعيّر به أحد، ولم يشك منه الشاكون من أهل سمرقند، ولم ينظر فيه القاضي، والذي قبله منهم القاضي هو هجوم قتيبة قبل أن يعالنهم، وهذا هو الذي سموه (غدرًا) وكذلك كان يسمى فعلًا، فقد روى الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي الفيض عن سليم بن عامر قال:"كان معاوية يسير في أرض الروم، وكان بينه وبينهم عهدُ إلى أمد، فأراد أن يدنو منهم حتى إذا انقضى الأمد غزاهم من قريب، فإذا بشيخ على فرس يقول: الله أكبر. وفاءًا لا غدرًا يا معاوية. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من كان بينه وبين قوم عهد، فلا يحلن عقدة، ولا يشدها حتى ينقضي أمد العهد، أو ينبذ لهم على سواء، قال: فبلغ ذلك معاوية، فرجع بجيشه". (62)

فهذا معاوية ما كان يريد أن يهجم على الروم قبل أن ينقضي الأمد، ولكن يريد أن يقرب منهم حتى إذا انقضى الأمد أسرع بالهجوم عليهم - بعد انقضاء العهد - قبل أن يعلنهم، وحتى يفجأهم من غير أن يستعدوا، فجاءه التحذير من أحد رجاله، ذاكرًا له أن هذا هو (الغدر) وحذره وذكره بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، الذي يوجب الإنذار، والمعالنة، (ينبذ لهم على سواء) أي يعالنهم باطراح العهد وبدء القتال، فرجع معاوية.

وما أظنه من قبيل الاستطراد، إذا قلنا: إن هذا الهجوم من قتيبة بدون معالنة، والذي يسمى (غدرًا) كان اجتهادًا من قتيبة، فقد كان نقضهم العهد وامتناعهم عن الوفاء بما عاهدوا عليه من قبل، وقتلهم لقائدهم (طرخون) لعدم متابعته لهم في ذلك، كان ذلك منهم بمثابة الإعلان، والاستعداد والمبادأة فلعل قتيبة رأى أنه بهذا هو المعلن بالحرب، وأنهم البادئون و (المنابذون) وفيما رأينا من وصف المعركة، وتحصنهم وراء أسوار مدينتهم، وعناء المسلمين في فتح ثلمة في السور، كل هذا يشهد أنهم كانوا على أهُبة كاملة للحرب وأن قتيبة كان على صواب في تقديره، أنهم هم المعالنون بالحرب، وأن هجومه عليهم ليس غدرًا.

وأما أن حكم القاضي جاء مخالفًا لتقدير قتيبة، فذلك راجع للوزن والتقدير للقرائن والأحوال، ولا أريد أن أقول: إن الشاهد يرى ما لا يراه الغائب، وربما لو كان قتيبة موجودًا يوم نظر القضية، لاستطاع عرض الظروف والأحوال، والهيئة التي كان عليها الميدان ساعة بدأ المعركة، ولكان للقاضي رأى آخر.

وعلى أية حال لا حرج على قتيبة إن أخطأ في اجتهاده هذا، وهذا الخطأ على أية حال هو الذي أتاح للتاريخ أن يسجل حكم هذا القاضي، الذي يحكم على جيش أمته أن يخرج من المدينة التي احتلها، حتى تشهد الدنيا أي فتح هذا وأي مجد هذا، كان فتح رحمة ونعمة، وتحرير، وعدالة. . . .

ونعود لنختتم بما جردنا الحديث له أصلًا، وهو أن الغدر الذي حكم به القاضي على قتيبة، لا علاقة له أصلًا، من قريب أو من بعيد، بما يدعيه ويفتريه، (فلوتن) ، ومن عجب أنه إمعانًا في التورية، وادعاء الأمانة العلمية، يضع هامشًا في صفحة 69 برقم 11 نصه:"أشرت إلى هذه المراجع ليعود إليها القارئ إذا شاء ذلك".

وها قد رأينا كيفية تعامله مع المراجع، التي يوهمنا بأمانته، بتأكيده للرجوع إليها، ويسمون هذا بحثًا وعلمًا. . . .

ونعني بهذا إسقاط الواقع المعاصر المعاش، على الوقائع التاريخية الضاربة في أعماق التاريخ، فيفسرونها في ضوء خبراتهم ومشاعرهم الخاصة وما يعرفونه من واقع حياتهم ومجتمعاتهم، فيتناولون بيعة أبي بكر يوم السقيفة، وكأنهم، يحللون انتخاب الرئاسة في أمريكا بألا عيبها وفضائحها الحزبية، ويفسرون خروج طلحة والزبير على علي رضي الله عنهم جميعًا بأنه خوف على ثرواتهما التي جمعاها، أثناء الفتوح، ومن غنائم الفرس، والروم، وكأنهم ينظرون إلى الصراع بين شركات الصلب، أو شركات السلاح، ومؤسساتهم ا لرأسمالية الضخمة، التي تصارع، للتأثير على السلطة وعلى صناعة القرار، مع أن أول وأبسط قواعد تفسير النصوص، وفهمها، هو المعرفة التامة لروح العصر، ولما يسمونه، جو النص، ثم المعرفة بحياة قائل النص: نشأته، وثقافته، وحياته، وأعماله. . هذه المبادئ يتعلمها الشادون المبتدئون، وفي الصفوف الأولى من التعليم المتوسط.

ولكن هؤلاء المستشرقين يغضون الطرف عن قواعد المنهج، بل يدوسون قواعد المنهج ويمتهنونها.

فمن عرف تاريخ أبي بكر، وعمر، وأبي عبيدة، وحياتهم، وكيف جاهدوا في الله بأموالهم وأنفسهم، وكيف كانت الآخرة أمام أعينهم، وكيف كانت حقارة الدنيا في نظرهم، كيف يستطيع أن يفسر ما دار يوم السقيفة، على أنه اتفاق بين الثلاثة، على أن يُعين عمر وأبو عبيدة أبا بكر، على شرط أن يعهد بها أبو بكر لعمر، ثم يعهد بها عمرُ إلى أبي عبيدة!! إن هذه صورة منتزعة من واقع انتخاب عصرنا ومؤامراته، يستحيل على من عنده أدنى معرفة برجال صدر الإسلام، وبروح العصر، ومشاعر المسلمين يوم السقيفة، أن يقبل هذا التفسير الذي يُسقطونه من داخل أنفسهم على وقائع تاريخنا.

وكيف يقال: إن طلحة والزبير كانا يخشيان على أموالهما، وهما من هما تضحية وبذلًا في سبيل الله، إن هذا الطراز من الرجال الذين كانوا لا يبالون أيقعون على الموت أم يقع الموت عليهم، كيف يخافون على عرض زائل؟ وقد ظهر كذب هذا التفسير وزيفه، إذ ثبت بأصدق الروايات، وأوثقها، أن الزبير يوم مات لم يكن ماله يكفي لسداد ديونه. (63)

ومن طرائف التفسير بالإسقاط، أو الإسقاط في التفسير، ما رأيناه عند المستشرق الإنجليزي (منتجومري وات) إذ فسر ما كان من خلوة الرسول صلى الله عليه وسلم ، في غار (حراء) قبيل البعثة، بأنه كان هروبًا من حر مكة، وابترادًا في رأس الجبل، جبل حراء، حيث كان محمد (صلى الله عليه وسلم ) فقيرًا لا يستطيع السفر إلى الطائف ، مثل أغنياء قريش!!. (64)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت