فهرس الكتاب

الصفحة 2630 من 3028

إن فكر الغرب وفلسفاته تشكلا ضمن مؤثرات تاريخية وحضارية بعيدة الجذور، ومن خلال التطور الطويل انتقل الغرب من الإيمان بآلهة اليونان والرومان الوثنية إلى الإيمان النصراني ضمن المفاهيم الكنسية والنظام الكنسي (الإكليروس ) ، ثم أخيرًا إلى الإلحاد والمبالغة في الاتجاه العقلي في القرن التاسع عشر الميلادي؛ مما أدَّى إلى التفلت من الكنيسة ومعتقداتها الدينية؛ حيث اعتبرت حليفة للإقطاع والرجعية، ومخدرة للشعوب، ومناقضة للعلم، فظهرت (( العلمانية ) )والنزعة غير الدينية التي انحرف في أحضانها منهج البحث الغربي عن أصوله الإسلامية، فلم يعد يعترف بعالم الغيب أو ما وراء الطبيعة (( الميتافيزيقية ) )وإنما يعترف بالعالم المادي المحسوس وحده.

وهكذا صارت مختبرات علوم الحيوان التي تدرس الخصائص البيولوجية والسلوكية على الحيوانات تصدر نتائجها لتطبق على الإنسان من قبل علماء النفس والاجتماع والتاريخ؛ لأن الإنسان لا يعدوا أن يكون حيوانًا راقيًا حسب نظرية (( داروين ) )ولا يعدو في السلوك على تلبية حاجاته الغريزية وبالذات الجنسية حسب نظرية (( فرويد ) )..

عجز منهج البحث الغربي وانحرافه

وهكذا عجز منهج البحث الغربي بعد انحرافه عن احتواء الإنسان والنظرة الشمولية إليه؛ من حيث إنه روح ونفس وعقل . . فهذه الجوانب لا تخضع للاختبار، كما أن المشاعر ودوافع السلوك لا يمكن حصر تفسيرها بالمقاييس المادية.

وقد ظهرت نتيجة ذلك النظريات ذات البعد الواحد في التفسير التاريخي؛ مثل: التفسير الاقتصادي الذي تبنته الماركسية، والتفسير الحضاري الذي يعتمد على وجود التحدي وقدرة الإنسان على الاستجابة له في تعليل ظهور الحضارات، والتفسير الجغرافي الذي يعتمد أثر البيئة والمناخ .. وهكذا لم تعد النظرة إلى الإنسان تتسم بالشمول الذي امتاز به الإسلام.

ومن عوامل انحراف المنهج الغربي في التطبيق: نزعة الاستعلاء عند الغربيين التي جعلتهم لا يعطون الحضارات الأخرى تقويمًا موضوعيًا، بل جعلوا الحضارة الغربية أساسًا لمحاكمة الحضارات وقياسها؛ مما جعلهم لا يعترفون ـ إلاَّ اليسير من علمائهم ـ بدور الحضارة الإسلامية في بناء حضارة الغرب، بل إنهم أعملوا مباضعهم في تشريح تراث الإسلام لإبراز السلبيات وإغفال الإيجابيات؛ مُلْقين بثقلهم الأكاديمي الاستشراقي لإعطاء قيمة بخسة لتراثنا ودورنا الحضاري، وبالتالي لتشويه الإسلام عقيدة وشريعة وتاريخًا وحضارة لحساب الاستعلاء الغربي

إن هذا كله يقتضي من العلماء المسلمين أن يراجعوا موقفهم من منهج البحث الغربي فلا يستسلمون أمامه، ولا يعتبرونه مجرد منهج محايد، وذلك للمؤثرات الفكرية التي أحاطت به، فالإلحاد لن يسمح بالكلام عن المشيئة الإلهية، بل سيلغي مدلول قوله تعالى: (كُنْ فَيَكُون ُ) ، كما أن المادية لن تسمح بتقويم الدين وآثاره الروحية والخلقية، وكذلك فإن روح الاستعلاء تمنع التقويم الموضوعي.

إن الإفادة من منهج البحث الغربي ينبغي أن تتم بعد إعادته إلى أصوله الإسلامية وتحكيمها فيه، وتقويم انحرافاته من خلالها .. أو بتعبير آخر لابد لنا من العودة إلى منهج البحث الإسلامي الأصيل، وتطويره مستفيدين من منهج البحث الغربي فيما يندرج تحت قواعد الإسلام ومنهجه.

إن منهج البحث العلمي الإسلامي يرتكز على الإيمان بالله وعالم الغيب والشهادة، ويقر الإرادة الإلهية ، ويعترف بالجوانب الروحية في الإنسان، ويقوم على الموازنة بين المؤثرات الروحية والاقتصادية والمناخية والحضارية دون أن يلتزم بعدًا واحدًا.

وهو بعد ذلك يراعي الفطرة، والغرائز، ويتسم بالموضوعية والبعد عن العصبية والاستعلاء العنصري، وهذه السمات تميزه عن منهج البحث الغربي، وتجعله يتفوق عليه.

إن الدعوة إلى إحياء المنهج الإسلامي في البحث العلمي لابد أن تلقى صدى طيبًا لدى الباحثين المسلمين، ولذلك يكونون ورثة للأنبياء كما في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (( وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم ) ) [رواه أبو داود والترمذي] ، و (( من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة ) ) [رواه مسلم ] .

(ج ) نحو منطق إسلامي حديث:

ولنأخذ جانبًا آخر يتعلق بحياتنا الثقافية، ما هي نظرية المعرفة التي ينبغي أن تسود في حياتنا الفكرية المعاصرة؟

هل نخضع للتصور الغربي المحدود والذي يولد الثنائية في حياتنا؛ فنصبح علميين علمانيين في الجامعات ومؤمنين متدينين في الجوامع؟

كيف نخلص من الازدواجية والفِصام في حياتنا الفكرية؟

لا يمكن أن ننكر أثر الضوابط العقلية الكلية، والنظرة الشاملة إلى الأشياء والأحداث في ترشيد الحركة العلمية والفنون الصناعية، إذ لابد أن تتقدم النظرية: الكشف عن الجديد والوصول إلى حقائق المعرفة.

وقد وضع أرسطو وفلاسفة اليونان المنطق الصوري لضبط مسار الفكر ضمن إطار الفلسفة اليونانية ذات الطابع الوثني والمادي.

وأقام المسلمون حضارتهم في العصور الذهبية ضمن إطار تصوري وعقلي استمدوه من الكتاب والسنَّة، وتبلور بشكل قواعد عقلية استخدمها النظار والفقهاء والأصوليون، وانحرف بها بعض من عرفوا بـ (( فلاسفة الإسلام ) )كـ (( الفارابي ) (( ابن سينا ) (( ابن رشد ) )الذين اغترفوا من فلسفة اليونان ومنطقهم أكثر مما استمدوا من القرآن والسنة .. ولكن المنهج العقلي للفقهاء والأصوليين استمر ينمو حتى عصر ابن تيمية الذي قام بحركة نقدية رائعة لتصحيح مسيرة الفكر الإسلامي؛ مستهدفًا تخليصه من انحرافات الفلاسفة والمتكلمين؛ رادًا قواعده العقلية إلى الكتاب والسنة، لكنه لم يمتنع من الإفادة من أية قاعدة عقلية لا تخالفهما أيًا كان قائلها، فالإسلام دين الفطرة، والعقل وقواعده من الفطرة، وما أنتجه العقل لتنظيم الفكر يمكن أن ينضوي كثير منه تحت إطار التصور الإسلامي الذي يحدده القرآن والسنة؛ بحيث يشكلان سياجًا لحماية الفكر من الانحراف عن الفطرة.

وبالتالي فنحن بحاجة إلى استحياء التراث لتكوين المنظومة العقلية لمنهجنا الفكري؛ مستمدين ذلك من الكتاب والسنَّة ومناهج الأصوليين والفقهاء ..

إن إيجاد هذه المنظومة البديلة لعلم المنطق صارت ضرورة حتمية؛ للتلازم الواضح بين المنطق والتكنولوجيا المعاصرة، ويبرز ذلك بوضوح في العقول الإلكترونية التي لا يمكن أن تعمل دون منظومة عقلية فعَّالة.

إن رفض المنطق الغربي بسبب عوارضه الوثنية وجذوره المادية وتفلُّته من السياج الديني يحتاج إلى منظومة عقلية بديله، وأحسب أن أساسها موجود في التراث متمثلًا بصورة خاصة في أصول الفقه، وفي منهج الفقهاء، خاصة ابن تيمية في (نقض المنطق ) ، و (الرد على المنطقيين ) ، و (مجموعة الفتاوى ) .

والحق أننا بحاجة في هذا الوقت إلى ابن تيمية القرن الخامس عشر الهجري يصوغ لنا المنظومة العقلية الإسلامية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت