نقول ذلك على الضجة التي أثيرت في مصر مؤخرًا عن الكتاب التافه الذي أصدرته مكتبة الأسرة بأموال المصريين بعنوان"وصايا عشق النساء"، والذي أصدر مجمع البحوث الإسلامية فتوى تجرمه من المنظور الإسلامي، حيث يشبب بالنساء، ويفتح الباب على مصراعيه للفساد الأخلاقي، ويطلق المشاعر الإباحية للمرأة وعاشقها دون أي قيود، واستخدم الكتاب الآيات القرآنية في ثلاثة مواضع بطريقة تسيء للقرآن!.
لقد أصبحت المراكز الثقافية في بعض بلادنا العربية وكرًا للترويج للقيم الأمريكية، ووكرًا للعملاء الذين يروجون لهذه القيم تحت ستار الإبداع، وهو ليس سوي أداة من أدوات الاختراق الثقافي لحصون الأمة الحضارية لحساب قيم المستعمر الثقافي الجديد، وهو هنا أمريكا هذه المرة.
من يقرأ تاريخ الصراع الفكري بين الإسلام والعلمانية في مصر في أوائل هذا القرن؛ سوف يجد العلاقة الوثيقة بين هذه الحقبة وبين ما يجري اليوم من إعادة إنتاج هذا الصراع من جديد في قوالب جديدة حيث يقف المثقف التاجر يعزف في صف من يدفع له أجره، وكان بالأمس المستعمر البريطاني واليوم المستعمر الأمريكي.. إنها نفس القصة ولكن في سياق جديد
المجيب ... د. محمد بن إبراهيم دودح
باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة
التصنيف ... الفهرسة/ العلم/مسائل متفرقة
التاريخ ... 16/09/1427هـ
السؤال
ما رأيكم بما يدور حول الفيزياء الكمية وهي تناقش قدرات الإنسان الموجودة في عقله وأنه يرى ما يصدق، ولو كان يصدق أنه يستطيع وضع يده على لهب شمعة دون أن تحرقه لمدة 10 دقائق فلن تحرقه؛ لأنه متيقن من هذا الشيء وغيره كثير... فما رأي الشرع في ما يتعلق بإمكانية حدوث أي شي ولو كان في نظر الكل مستحيلا فقط لأن العقل يؤمن به. وشكرًا.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله العلي القدير والصلاة والسلام على إمام الأولين والآخرين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ وبعد:
إجابة على السؤال حول رأي الإسلام في الفيزياء الكمية، وهي تناقش ادعاء القدرات الخارقة نتيجة للاعتقاد العقلي؛ مثل المشي على النار دون احتراق، كما هو سائد اليوم في أديان وافدة تروج بين المسلمين ممارسات لا تدخل تحت إطار المنهج العلمي. أقول مستعينا بالعليم القادر وحده تعالى على كل شيء سائله تعالى التوفيق والسداد:
لا يقف الإسلام في وجه البحث العلمي، بل يدعو للتطلع للكون فيسد باب التوهم, يقول تعالى:"أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ"الأعراف 185، ويقول تعالى:"قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ"يونس101، والفيزياء الكمية Quantum Mechanics تصور فيزيائي مثل نظرية النسبية Relativityيحاول تفسير ظواهر كونية على أسس علمية.
ومجال الفيزياء الكمية هو البنية الذرية بينما مجال الظواهر النفسية هو علم النفس Psychiatry, وقد نال المنهج العلمي الثقة؛ لأنه يكشف لك الحقيقة كما هي في الواقع. ولذا يحاول البعض التخفي تحت ستار العلوم التجريبية للترويج لممارسات وافدة، لم يثبت فيها دليل علمي قاطع بعد، أو تتصل بعقائد قديمة تضفي القدسية على المجسدات.
ودورات: البرمجة اللغوية العصبية والتنفس العميق والاسترخاء والطاقة والتشي كونغ والريكي والماكروبيوتيك؛ رغبة في التطوير الذاتي، وبحثًا عن الصحة والنشاط ووهم اكتساب القدرات الزائفة، أصبحت اليوم بديلا رائجا للخشوع في الصلاة, والدعاء والأذكار والاستغراق في التفكر, والصيام تطهرا وتقوية للإرادة وقمعا لنزوات النفس وتدريبا على التزهد. جملة خدع غزت بلاد المسلمين تحت أسماء براقة تبديها وكأنها من علوم العصر؛ تظاهرت باكتساب المهارات. وليست في الحقيقة سوى ممارسات عقائد وافدة قد جُمعت فوائدها النفسية والجسمانية في العبادات الإسلامية إذا مورست بخشوع, والنظر بتشوف إلى الآخرين واستلهام نهجهم بلا تمحيص ليس له من ثمرة إلا زعزعة الثقة بالمنهج الإيماني.
فالتغذية تصبح على الطريقة الماكروبيوتيكية، والتأمل والتفكر على الطريقة البوذية، والصحة واللياقة على الطريقة الطاوية، وفلسفة الشنتوية في اليابان، والتفاؤل والإيجابية على طريقة أهل البرمجة اللغوية. والنتيجة الفعلية ضياع الهوية الإسلامية!
فبعد معاناة شديدة من الارتباك والقلق قد يذهب الضحية إلى عيادة الاستشفاء بالطاقة في مركز الطب البديل والنتيجة مثلا"قلادة"ذات لون يزعمون تناسبه مع الحالة تكسبها ثقة زائفة، وتوهمها السبح في بحور السكينة والسلام ونيل الرضا والنور، وتلقي طاقة تكسبها قدرات خارقة. ولكن النتيجة الفعلية مكاسب هائلة لتجار التمائم واللعب بعقول البسطاء الذين قد يتعجبون متسائلين: كيف يمكن أن يكون هذا الخير كله حرامًا أو مسترابًا بحجة ضرره على التوحيد, وإعطاء ثقة المتدربة لمدربها الأجنبي؛ مغترة بتمكنه قد يذهب بالحياء، ويجعله في شعورها ألصق من زوجها, قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله) :"من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه, لقول الله تعالى:"قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ" [الزمر:38] , (و) عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا في يده حلقة من صفر، فقال:"ما هذه؟"قال: من الواهنة، فقال:"انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنًا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا". رواه أحمد بسند لا بأس به. وله عن عقبة بن عامر مرفوعا:"من تعلق تميمة فلا أتم الله له ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له"، وفي رواية"من تعلق تميمة فقد أشرك", ولابن أبي حاتم عن حذيفة أنه رأى رجلا في يده خيط (يعتقد أنه يقيه) من الحمى، فقطعه وتلا قوله تعالى:"وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ" [يوسف:106] ." (القول السديد شرح كتاب التوحيد ج1ص42) .
وتعتبر الدكتورة فوز بنت عبداللطيف كردي أستاذة العقيدة والأديان والمذاهب المعاصرة بكلية التربية بجدة هي الرائدة في بيان زيف تلك الممارسات الوافدة, ومن كلامها:"إن من أخطر ما يواجه الأمة اليوم هو الغزو الفكري الذي يستهدف الدين والعقل عن طريق صرف الأمة عن الكتاب والسنة وتهميش دورهما. فيكونا في مرتبة التابع لا مقام الهادي والمرشد، فتفقد الأمة بذلك هويتها، وتضل عن مقومات عزها ونصرها وتميزها، ثم تلتفت بقوة التلبيس واستغلال الخوف والقلق من مشاكل العصر الصحية والنفسية إلى مصادر الأديان الأخرى، أو نظريات الشرق والغرب القائمة على معتقداتهم ونظرتهم للكون والحياة."