فهرس الكتاب

الصفحة 2683 من 3028

لقد خشي عمر رضي الله عنه أن تكون تلك المجالس والمنتديات نواة لتجمعات وتكتلات صغيرة، وبذرة للتفرق والتشتت المذموم، فمعظم النار من مستصغر الشرر، لذلك نهى عنها وحذر منها، من باب سد الذرائع، لأن التفرق في المجالس، والانغلاق عن المجتمع، ينتج عنه تفرق في الرؤى، فينتسب أهل كل مجلس إلى البارزين منهم، ويتعصبون لهم، ويعجبون بآرائهم، وأقوالهم، وتأخذهم حمية الإلفة والاجتماع.

لذات السبب عندما أراد الأنصار أن يتحزبوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سقيفة بني ساعدة، وقال سعد بن عبادة رضي الله عنه:"منا أمير ومنكم أمير"؛ رد عليه أبو بكر وعمر في الحال، فقالا:"منا الأمراء ومنكم الوزراء"؛ حسمًا لمادة التحزب والتشرذم، لأن هذه الأمة سر قوتها في اجتماع كلمتها، وتوحد صفها، فالإسلام لا يقوم إلا بالجماعة، ونبذ الفرقة، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار"، أو كما قال.

"المتقون سادة والفقهاء قادة"كما قال ابن مسعود رضي الله عنه، والقادة ينبغي عليهم أن يترفعوا عن الصغائر، ويدركوا المخاطر، ويسعوا لرأب الصدع، ولَمِّ الشمل، وتوحيد الكلمة، قبل فوات الأوان، وحلول الندامة والخسران، فما لا يدرك كله لا يترك جله، ويكون ذلك بالآتي:

(1) تحسين الظن بالآخرين، ونعني بذلك كل المسلمين، سيما أهل السنة، فكثير من أسباب الفرقة مردها إلى سوء الظن، وانعدام الثقة، فإذا حَسَّنَ أحدنا ظنه بأخيه المسلم، وحكم عليه بما ظهر منه، وسار فيهم بسيرة ابن عمر رضي الله عنهما:"من خدعنا في الله انخدعنا له"، زالت كثير من تلك الأسباب، وصفت القلوب، واطمأنت النفوس.

(2) إجابة الدعوات والإكثار من الزيارات في جميع المناسبات تذيب كثيرًا من تلك الأوهام.

(3) اللقاءات الدورية والندوات المشتركة والاجتماعات تقرب من وجهات النظر.

(4) منع الأتباع من نقل الأخبار عن الغير، اللهم إلا من أهل البدع الكفرية، الداعين لبدعتهم، فكثير من الجفاء وتوغير الصدور مرده إلى تلك النقول، ولا تقل أخي الكريم: أخبرني الثقة!"فالثقة لا يبلِّغ"كما قال ابن عمر رضي الله عنهما، وإن كان لا بد من ذلك فالتثبت واجب.

(5) ما صح من المنقول إلينا علينا أن نحمله على أحسن وجه، عملًا بنصيحة عمر رضي الله عنه:"ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءًا وأنت تجد لها في الخير مدخلًا، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك".

(6) عدم الخوض في الجدل والمنازعات والخصومات، فعلينا بيان الحق وتجلية السنة، فمن قبل ذلك يُشكر ومن لم يقبله يترك.

(7) لا نقصر حقوق المسلم على أفراد جماعتنا، فهي حقوق عامة لكل المسلمين، عصاة كانوا أم طائعين.

(8) أن يشتغل كل منا بعيوبه وسلبيات جماعته، فما أكثر عيوبنا وما أخطر سلبياتنا!

(9) الصبر والمداراة لإخوة العقيدة ورفقاء الدرب.

(10) اعمل بالحكمة:"رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".

(11) "أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون عدوك يومًا ما، وأبغض عدوك هونًا ما، عسى أن يكون صديقك يومًا ما"، كما أثر عن علي رضي الله عنه.

(12) عليك أن توالي أخاك المسلم بقدر ما فيه من خير وإيمان.

(13) تبرَّأ من الأعمال والأقوال السيئة، ولا تتبرأ من فاعلها، فقد قال صلى الله عليه وسلم عندما قتل خالد رضي الله عنه متأولًا بني جذيمة:"اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد"، ولم يتبرأ من خالد.

(14) لا نحاسب على ما مضى، فالإسلام والتوبة تجبان ما قبلهما.

(15) احذر مسلك أهل الأهواء الذين يبغضون ويقتلون أهل الإسلام، ويتركون ويوالون أئمة الكفر وعباد الأوثان.

أو أن يكون بغضك وعداوتك لمن فارقك وانفصل عنك أشد من بغضك وعداوتك لمن هو أسوأ معتقدًا وعملًا منه، ولله در ابن عمر عندما قال عن الخوارج بسبب تكفيرهم لبعض:"ماذا تركوا من دناءة الأخلاق إلا أن يكفر بعضهم بعضًا".

فالدخول في جماعة تكون على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب التعاون على البر والتقوى، والخروج منها لغيرها لا يقدح بمفرده في عدالة المرء.

(16) نعمل على أن لا تفترق صفوفنا وإن لم تتوحد آراؤنا.

والله أسأل أن يؤلف بين قلوب المسلمين، ويهديهم سبل السلام، وأن يجنبهم الفتن والآثام، وأن ينصرهم على أنفسهم وأعدائهم والشيطان، وصلى الله وسلم وبارك على محمد خير الأنام.

الشيخ الأمين الحاج محمد أحمد*

الحمد لله الذي جعل الدين قائمًا، والجهادَ ـ ذروة سنام الإسلام ـ ماضيًا إلى يوم القيامة، لا يبطله عدلُ عادلٍ ولا جوْرُ جائرٍ، وجعل الطائفةَ المنصورةَ باقيةً، لا يضرُّها من خذلها ولا من خالفها، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وجعلَ الأمّةَ الإسلاميّة وسطًا بين الأمم، وأهلَ السنة نقاوةَ كل الفرق، والأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر بعد الإيمان بالله عزّ وجل دليل خيريّةِ هذه الأمّة، والعلماءَ ورثةَ الأنبياء.

وصلى الله وسلم وبارك على رسوله القائل: (يُوشِك أنْ تَدَاعى عَليكُم الأُمَمُ من كلِّ أفق كما تَدَاعى الأَكَلَة إلى قصْعَتِها، قيل: يا رسول الله فمن قِلّةٍ يومئذٍ؟ قال: لا، ولكنّكم غثاء كغثاء السيل) [رواه أحمد وأبو داود] ، وبعد..

فقد أمر الله بجهاد الكفّار وإخوانهم المنافقين، وفَرَضَه على المؤمنين، فقال عزّ وجلّ مخاطبًا الأمّة في شخص رسولها صلى الله عليه وسلم: (( يا أيّها النّبي جاهدِ الكفّارَ والمنافقين واغلظْ عليهم ومأواهم جَهنّمُ وبئس المصير ) ) [سورة التوبة: 73] .

ودلّنا على أنه مِنْ أربحِ التجارات، وأعظمها أجرًا، وأكثرها ربحًا ونفعًا، في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، فقال: (( يا أيّها الذين آمنوا هل أدلُّكُم على تجارةٍ تنجيكم مِنْ عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إنْ كنتم تعلمون. يغفرْ لكم ذنوبَكم ويدْخِلكم جنّات تجري من تحتها الأنهار ومساكنَ طيبةً في جنّات عدنٍ ذلك الفوز العظيم. وأخرى تحبّونها نصرٌ من الله وفتحٌ قريبٌ وبشِّرِ المؤمنين ) ) [سورة الصف: 10-13] .

ومِنْ رحمته سبحانه بهذه الأمّة أنّه لم يقْصُر الجهاد على الجهاد بالنفس، بل جعله بالنفس، والمال، والبنان، واليد، والقلب، واللسان، كما هو بالسِّنان، وليس وراءَ ذلك مثقال حبّة من خردلٍ من إيمان.

قال العلاّمة ابن القيم رحمه الله:"والتحقيق أنّ جنسَ الجهاد فرضُ عين، إمّا بالقلب وإمّا باللسان، وإمّا بالمال، وإمّا باليد. فعلى كلّ مسلم أنْ يجاهد بنوعٍ مِنْ هذه الأنواع" [زاد المعاد لابن القيم، تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط: 3/72] .

والجهاد أنواعٌ هي:

1-جهاد الطلب.

2-وجهاد الدفاع.

3-وجهاد النفس.

أولًا: جهاد الطلب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت