فهرس الكتاب

الصفحة 1243 من 3028

هذا هو الموقف بين المؤمن و"الآخر"، لا معاونة ولا مناصرة، ولا مداهنة ولا مجاملة، ولا تعاون ولا تمازج، ولا تمييع ولا تطبيع، ولا صداقة ولا تداخل، ولا شراكة ولا حتى مشابهة. لا بد أن تكون هذه هي العلاقة رضينا أم أبينا، فإن العداوة للمسلمين والكيد للمسلمين والغدر بالمسلمين والخداع للمسلمين هي صفات لازمة لـ"الآخر"مهما كانوا وأين وجدوا، ولا ينبئك مثل خبير، فهذا العليم الخبير ينبئك بصفاتهم وسلوكهم تجاهك، قال الله تعالى: هَا أَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ [آل عمران:119] ، إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ [الممتحنة:2] ، مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُم [البقرة:105] . فما موقفك ـ أيها المسلم ـ من"الآخر"؟ ما موقفك تجاه من يكرهك؟ ما موقفك تجاه من يعاديك ويحقد عليك؟ ما موقفك ـ أيها المسلم ـ تجاه من يضمر لك الكيد ويحمل لك الحسد؟ بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء:138، 139] .

أيها المسلمون، لقد رأينا موقف"الآخر"في الإساءة للنبي ، ومع الأسف لم يفتأ كثير من الليبراليين والعلمانيين يُسبّحون ليل نهار بحمد"الآخر"، الذي رضعوا من ثديه ثم أجلبوا على الأمة به، وكأنها لا تستطيع العيش إلا بهذا"الآخر"، ولا تتنفس إلا برئتيه، ولا تسمع ولا ترى ولا تفقه إلا بوجوده وتحت ناظريه! واستغل أولئك القطيع قضية الإرهاب المفتعلة لتذويب قاعدة الولاء والبراء من قلوب المسلمين، حتى طال التذويب شيئًا من مناهج التربية والتعليم والتوجيه، وانطلقت أطروحاتهم الشاذة تدس السم في العسل، تحت عناوين"حوارنا مع الآخر""التفاعل مع الآخر""التعايش السلمي مع الآخر"و"الانبطاح للآخر"! فجاءت الفضيحة الدنمركية لتصيب هذا القطيع الليبرالي والقطيع العلماني في مقتل قبل أن تصيب الأبقار الدنمركية. واتحدت الأمة صفًا واحدًا صغيرها وكبيرها موالية لنبيها ، مضحية بمالها وملذاتها من أجل الانتصار لعرضه عليه الصلاة والسلام، معلنة البراءة ممن تجاوز على عقيدتها وثوابتها، بتطبيق عملي مباشر جعل البقر وأشباه البقر تندم على ما فعلت.

إن هذا الحدث برغم فظاعته في حق نبينا إلا أنه أيقظ عقيدة هامة جدًا في حياة الأمة عقيدة، الولاء والبراء التي سعى بقرنا الليبرالي وبقرنا العلماني لوأدها في مهدها، واستخدموا لذلك أساليب ملتوية ماكرة، ودبّجوا المقالات واللقاءات والندوات والحوارات، فاحترقت كلها في ساعة من نهار. إنا ونحن إذ نقاطع الأبقار الدنماركية اقتصاديًا بحاجة أيضا إلى مقاطعة أبقارنا الليبرالية وأبقارنا العلمانية فكريًا، فكلهم بقر، وإن البقر تشابه علينا.

موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 5057)

عبد الله بن محمد البصري

القويعية

جامع الرويضة الجنوبي

الخطبة الأولى

أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم ـ أَيُّها النَّاسُ ـ ونَفسِي بِتَقوَى اللهِ عز وجل، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤتِكُم كِفلَينِ مِن رَحمَتِهِ وَيَجعَلْ لَكُم نُورًا تَمشُونَ بِهِ وَيَغفِرْ لَكُم وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِئَلاَّ يَعلَمَ أَهلُ الكِتَابِ أَلاَّ يَقدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِن فَضلِ اللهِ وَأَنَّ الفَضلَ بِيَدِ اللهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ.

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، نِعمَةُ الإِسلامِ أَجَلُّ نِعمَةٍ، وَمِنَّةُ إِرسَالِ محمدٍ أَعظَمُ مِنَّةٍ، وَلَو جُمِعَت كُلُّ نِعَمِ الدُّنيا في كِفَّةٍ وَنِعمَةُ الإِسلامِ في أُخرَى لَمَالَت كِفَّةُ الإِسلامِ وَلَرَجَحَت، ذَلِكَ أَنَّ الدُّنيا كُلَّهَا فَانِيَةٌ وَجميعَ نِعَمِهَا زَائِلَةٌ، أَمَّا نِعمَةُ الدِّينِ وَالإِيمانِ فَمُمتَدَّةٌ مَعَ صَاحِبِها مَا تمسَّكَ بها، وَأَثَرُهَا مُتَّصِلٌ بِدَارِ الآخِرَةِ دَارِ النَّعِيمِ المُقِيمِ، وَمَا الحَيَاةُ الدُّنيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعقِلُونَ؛ وَلِهَذَا يُقَرِّرُ اللهُ جل وعلا تمامَ نِعمَتِهِ على عِبَادِهِ بِإِكمَالِ الدِّينِ وَرِضَاهُ الإِسلامَ لهم دِينًا، وَيَمتنُّ عَلَيهِم بِبِعثَةِ محمدٍ خَيرِ الأَنَامِ نَبِيًّا رَسُولًا، قال سبحانَه: اليَومَ أَكمَلْتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمْتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلاَمَ دِينًا، وقال جَلَّ ذِكرُهُ: لَقَد مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤمِنِينَ إِذ بَعَثَ فِيهِم رَسُولًا مِن أَنفُسِهِم يَتلُو عَلَيهِم آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِم وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. وَإِذَا كَانَ الأَعدَاءُ مِنَ اليَهودِ وَالنَّصارَى وَالمُشرِكِينَ وَالمُنَافِقِيَن يحسدُونَنَا عَلى كُلِّ شَيءٍ ممَّا أَنعَمَ اللهُ بِهِ عَلَينَا، فَإِنهم لا يحسدُونَنَا عَلَى شَيءٍ مِثلِ تَمَسُّكِنَا بهذا الدِّينِ وَتَشَبُّثِنَا بِالعُروَةِ الوُثقَى، وَمَا ذَلِكَ إِلاَّ لأَنَّ هذا الدِّينَ القَوِيمَ جَعَلَ مِنَّا نحنُ المُسلِمِينَ قُوَّةً عَظِيمَةً عَظِيمَةً، رُوحُها وَلُبُّها الإِسلامُ، وَوَقُودُها وَمُشعِلُها العَقِيدَةُ، وَبَاعِثُها وَمُحَرِّكُها ابتِغَاءُ الأَجرِ وَالثَّوَابِ، وَحَادِيهَا الأَمَلُ في دُخُولِ الجَنَّةِ وَبُلُوغُ النَّعِيمِ المُقِيمِ. نَعَم أَيُّهَا الإِخوَةُ، لَقَد أَثبَتَ التَّأرِيخُ لهؤلاءِ وَغَيرِهِم أَنَّ المُسلِمِينَ مَهمَا تمسَّكُوا بِدِينِهِم وَعَضُّوا عَلَى عَقِيدتِهِم بِالنَّوَاجِذِ فَإِنهم قُوَّةٌ عَجِيبَةٌ عَجِيبَةٌ، لا تُقَاسُ بِمَقَايِيسِ البَشَرِ، وَلا تُوزَنُ بِمَوَازِينِ القُوَى، قُوَّةٌ لا تُهزَمُ بِكَثرَةِ عَدَدٍ وَلا تُقهَرُ بِاكتِمَالِ عُدَّةِ، وَلا يَقِفُ أَحَدٌ مَهمَا بَلَغَ في وَجهِها ولا يَستَطِيعُ إِيقَافَ مَدِّهَا.

وَمِن هُنَا فَإِنَّ هؤلاءِ الأَعدَاءَ لم تُتَحْ لهم فُرصَةٌ لِلنَّيلِ مِن هَذَا الدِّينِ إِلاَّ اغتَنَمُوها، ولا وَجَدُوا فُرجَةً لإِضعافِهِ إِلاَّ وَلَجُوهَا، وَلَن يَكسَلُوا وَلَن يَتَوَانَوا عَن حَربِ هَذَا الدِّينِ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ وَالكَيدِ لَهُ بِكُلِّ أُسلُوبٍ، غَزوًا وَقِتَالًا، وَحَربًا فِكرِيَّةً وَتَضيِيقًا اقتِصَادِيًّا، وَشِرَاءً لِلعُقُولِ وَاستِمَالَةً لِلقُلُوبِ، وَقَصدًا لِلكِبَارِ وَالصِّغَارِ، وَعَمدًا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، قال تعالى: وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُم حَتَّىَ يَرُدُّوكُم عَن دِينِكُم إِنِ استَطَاعُوا. نَعَمْ أَيُّها الأَحِبَّةُ، لا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَنَا لِيَصُدُّونَا عَن الدِّينِ الحَقِّ، وَلَن يَرضَوا دُونَ كُفرِنا وَاتِّبَاعِنا مِلَّتَهُم شَيئًا، قال جل وعلا: وَلَن تَرضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت