(3) نعم أطلق عليه «بلاء الحضارة الغربية» ـ فالعالم الإسلامي بدون ابتلائه بهذه الحضارة كان أمره سيكون أفضل، لكن التدافع بين حضارتنا والحضارة الغربية هو الذي جلب علينا كل المشكلات التي نعيشها؛ بدءًا بالتخلف ونهب الثورة، وحتى وجود المشروع الصهيوني في فلسطين، وفرض التجزئة والقطرية، وبالطبع نحن لا نعفي أنفسنا ـ نحن المسلمين ـ من «قابليتنا للغزو وللاستعمار» كما عبر مالك بن نبي، لكن هذه سنة الله في خلقه، وهي ما أطلق عليه «ابتلاء الأمم» . فكل مفكري الحضارة الغربية سوَّغوا الاستعمار بمسؤولية الرجل الأبيض تجاه هذه الشعوب لإدخالها في عالم الحداثة الغربية، ولا يمكن فهم نظرية عبء الرجل الأبيض التي سوَّغت الاستعمار إلا من منظور صليبي، أي فرض رؤية كونية واحدة على العالم بحيث يكون الرجل الأبيض هو مركزها، والمسيحية هي عصبها، والغرب قلبها.
(4) هناك كتب كثيرة عن هذه الموضوعات مثل «التبشير والاستعمار» لفروخ والخالدي، لكن أفضل ما كتب في هذا الموضوع على الإطلاق ـ في تقديري ـ رسالة «في الطريق إلى ثقافتنا» لمحمود شاكر.
(5) معركة الأفكار وتغيير المفهومات والعادات والنظم ـ أي المعركة الحضارية الدينية الثقافية ـ هي الأخطر، وكان العلمانيون الوطنيون في بلدان العالم الإسلامي ركزوا على تفسير الاستعمار كظاهرة سياسية دون تقدير الآثار كظاهرة حضارية، لكن الإسلاميين كانوا هم أول من انتبه إلى خطر المعركة الثقافية والحضارية والدينية، والمعركة الثقافية والدينية هي الأخطر والأهم، والصمود فيها معناه إما أن نكون مسلمين أو لا نكون.
(1) يعرف المخططون الغربيون أن المرأة هي مفتاح التغيير في أي مجتمع من المجتمعات، ولذا فإنها تمثل قاعدة إعادة هيكلة المجتمعات التي يراد لها أن تتغير. لذا ففي خطابات وتصريحات المراجع السياسية الأمريكية والغربية تجد موضوع المرأة وما يتصل بها هو الموضوع الأول على أجندة أي إصلاح يتم طرحه من المنظور الغربي والأمريكي. ويشق على الغربيين أن تظل المرأة المسلمة في الخليج، خاصة السعودية، محتفظة بلباسها الإسلامي وبقواعد الاجتماع الإسلامي.
(2) المقصود هو تحويل المرأة في السعودية إلى نمط المرأة الغربية؛ بحيث لا تتميز المرأة المسلمة بشيء عن المرأة الغربية.
(1) آلان تورين «نقد الحداثة» ، ترجمة أنور مغيب، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية 1997م ـ القاهرة.
(2) إن العلمانية الاستئصالية هي العلمانية الأيديولوجية التي تتشابه مع الفاشية والنازية، وحين تتماهي العلمانية مع الروح القومية؛ فإنها تصبح وجهًا لأيديولوجية ذات طابع قمعي استبعادي، وتوصف علمانية كمال أتاتورك في تركيا بأنها علمانية استئصالية؛ أيMihtant seclorism ، وراجع خطاب شيراك بشأن تأييده لمشروع منع الحجاب، وبيان الخارجية الفرنسية لتجد الوجه الاستئصالي القمعي للعلمانية.
(3) إبان متابعتي لمعركة الحجاب في فرنسا ناقشت الدوائر الرئيسية الفرنسية إمكان منع اللحى إذا كانت تعبيرًا عن رمز ديني، والمقصود هنا اللحى الإسلامية، فالشاهد أن أي رمز للتعبير عن الوجود الإسلامي في مركز الكاثوليكية يجب أن يتم استئصاله وقمعه.
فوزية محمود سليمان
أثيرت مجددًا في عدد من البلاد الأوروبية ظاهرة انتشار الحجاب (غطاء الرأس) بين زوجات وبنات المهاجرين المسلمين المقيمين في تلك البلدان، وفي الوقت الذي أقرت فيه محكمة ألمانية يوم الثلاثاء 27/7/1424هـ الموافق 23/9/2003م، حق واحدة من المعلمات من أصل أفغاني في إحدى المدارس الحكومية، بلبس الحجاب بعد أن منعت من ذلك أثناء ممارسة التدريس، عبرت «توقية سيفي» وزيرة التنمية في حكومة يمين الوسط الفرنسية، عن معارضتها الشديدة لارتداء الطالبات المسلمات الحجاب الشرعي في المدارس الفرنسية، وقالت إنها ستبذل كل ما في وسعها لمنع مثل هذا الأمر.
? إعادة موظفة محجبة بأمر المحكمة:
ولعل قصة الحجاب في فرنسا قد أخذت بُعدها المناسب في الصحافة والتلفزيون الفرنسيين، منذ النصف الثاني من ديسيمبر 2002م، عندما أمرت المحكمة الفرنسية شركة كبرى في باريس، بإعادة موظفة مسلمة إلى عملها كانت قد فصلتها من العمل بسبب ارتدائها الحجاب في عملها.
وطالبت المحكمة شركة إس. آر تيلي بيرفورمانس للهواتف؛ بأن تدفع لـ «دليلة طاهري» (30 عامًا) الجزائرية المولد، كافة أجورها التي لم تتقاضها منذ فصلها في يوليو السابق 2002م، مع دفع غرامة مالية قدرها ألف يورو بسبب الفصل التعسفي للموظفة المذكورة.
وفصلت دليلة ـ التي ترتدي الحجاب منذ ثماني سنوات ـ من عملها بعد أن رفضت الإذعان لمطالب مديرها بأن ترفع الحجاب عن جبهتها ورقبتها، ودفعت دليلة أمام المحكمة في العاصمة باريس بأن دينها يمنعها من ذلك، ورفضت افتراضًا بأن ارتداء الحجاب يقلل من شأن المرأة، وقالت في مقابلة معها للتلفزيون الفرنسي بعد الجلسة: «بالنسبة لي، فالمرأة والرجل متساويان (1) ، ويجب أن تتمكن المرأة من العمل وتشارك في المجتمع الذي تعيش فيه» ، بينما علقت المحامية والخبيرة في قضايا الهجرة إيمانويل هاوز فيليزون قائلة: «إن الحكم يرسي سابقة في أكبر تجمع للمسلمين في أوروبا» ، وأضافت: «إذا قرر صاحب عمل آخر فصل سكرتيرته؛ لأنها ترتدي الزي الإسلامي، فإن محاميها سيستخدم هذه القضية» .
ويرى مراقبون أن هذه القضية أتت يومها في سياق محاولة الدولة العلمانية التي تقطنها أغلبية كاثوليكية متعصبة، تحسين العلاقات مع خمسة ملايين مسلم من سكانها. وقال تينو جرومباش محامي دليلة: «إن هذا يثير تساؤلات عما إذا كان ذلك مؤشرًا على تحول في المناخ العام للشركة التي سمحت بالحجاب ثم غيرت رأيها بعد 11 سبتمبر» .
لكن القضية لم تنته بعد صدورالحكم، إنما بدا وكأنها قد بدأت؛ حيث بدأت حملة إعلامية مكثفة تحت ستار سياسي خفي، يعلن عن حيرته بين شعارات الحرية التي نصت عليها فرنسا العلمانية في صلب دستورها، وبين ضغط الرأي العام الكاثوليكي الذي أصبح يشعر بكثير من عدم الارتياح للتوسع الأفقي الذي يحققه المد الإسلامي بين ثنايا المجتمع الفرنسي.
? المحفل الماسوني يقرر:
وكان على جان بيير رافاران، رئيس الوزراء الفرنسي الذي لم تمض أيام على توليه منصبه أن يدلي بدلوه، ويفصح عن رأيه ـ في أول لقاء له ـ أمام أكبر لوبي ضغط في فرنسا، وهو المحفل الماسوني الفرنسي، يوم الأربعاء 25/4/1424هـ الموافق 25/6/2003م؛ حيث قال ردًا على سؤال عدد كبير من أعضاء المحفل: «إن فرنسا ربما تصدر قانونًا جديدًا يحظر الحجاب الإسلامي وغيره من الرموز الدينية (الإسلامية) في المباني والمدارس العامة، إذا لم يحترم هؤلاء الناس السياسات العلمانية للجمهورية.
وأوضح رافاران أمام المحفل الماسوني الفرنسي أنه يأمل أن تكون التقاليد العلمانية لفرنسا من القوة، بما يكفي لأن يحترمها كل السكان، قائلًا: «إذا لم يكن هناك إجماع وخاصة على الرموز والسلوك المرتبط بالدين في المنشآت العامة، فلن أتردد في فرض احترام العلمانية بالقانون» .