وقد علم أعداء الله أن حربهم للإسلام بالسلاح مهما اشتدت وطالت، فلا بد أن تكون نهايتها الفشل والهزيمة، بشرط أن تكون أمة الإسلام قائمة حقا بأمر الله سائرة على منهاجه، متمسكة بهدية الذي أنزله في كتابه.
ولهذا اتخذوا لحربه وحرب أهله ثلاث وسائل:
الوسيلة الأولى: الغزو الفكري الذي ضللوا به كثيرا من عقول أبناء المسلمين الذي استطاعوا به السيطرة المطلقة عليهم والهيمنة على شعوبهم عن طريق مناهج تعليمهم سواء أكان ذلك في بلدان المسلمين عندما احتلوها وسيطروا على كل مرافقها، أو في البلدان الغربية عندما هاجر شباب المسلمين إليها استقبلوا فيها الوافدين منهم، فخرجوا أجيالا من هؤلاء أسماؤهم أسماء إسلامية كمحمد وعلي وإبراهيم، وعقائدهم وأفكارهم أجنبية مراجعها جورج وميشال وكيسنجر، ودأبوا على متابعتهم ورعايتهم حتى مكنوهم من مراكز القيادة في أغلب الشعوب الإسلامية، فحققوا لأسيادهم ما لم يكونوا يحلمون بتحقيقه بأنفسهم، فأقصوا دين الإسلام وأحلوا محله ما يخالفه ويضاده من عقائد الكفر وأخلاق الكافرين.
الوسيلة الثانية: وضع كافة السدود التي تحول بين الشعوب الإسلامية و اتخاذها وسائل الرقي والتقدم المادي الذي يخافون أن يجمع المسلمون بينه وبين الرقي المعنوي وهو التمسك بالإسلام، لأنهم يعلمون أن جمع المسلمين بين الأمرين سيحررهم من العبودية لهم، وبخاصة الصناعة بمعناها الشامل الذي يخفى على غالب المسلمين الذين يظنون أن الصناعة قاصرة على ما هو مشهور من صناعة وسائل المواصلات، كالطائرة والسيارة وغيرهما.
والحقيقة أن الصناعة أصبحت في هذا العصر شاملة لما لا يحصى من الأمور، فهناك صناعة المواصلات وهناك صناعة الاتصالات، وهناك صناعة الإعلام، وهناك صناعة الاقتصاد، وهناك صناعة السياسة، وهناك صناعة البنوك والأموال، وهناك صناعة الزراعة وهناك صناعة التكتلات والتحالفات، وهناك صناعة مرافق المعيشة الشاملة لكل ما تحتاجه الأمم والشعوب، هذه الصناعات كلها استطاع أعداء الإسلام أن يستأثروا بها يحولوا بين المسلمين وبينها، بأمرين:
الأمر الأول: تزهيد قادة الشعوب الإسلامية في الاهتمام بها، والضغط على من يفكر في شيء منها لإثنائه عن محاولة تنفيذ تفكيره فيها في الوقع، حتى لا تتقدم الشعوب الإسلامية في تلك الصناعات.
الأمر الثاني: اتخاذ كافة الأسباب التي تمكن الغربيين من أن يكونوا هم المحتكرين لجميع الصناعات بحيث يغرقون الشعوب الإسلامية بما تحتاج إليه من مرافق حياتها من الدراجة العادية إلى الطائرة العملاقة، ومن الدراجة النارية إلى السفينة الضخمة لتكون بلاد المسلمين سوقا تصدر للمعتدين المواد الخام بأرخص السعار، ثم يبيعهم الأعداء مشتقاتها بعد صنعها بأغلى الأثمان، فيترتب على ذلك أن تكون بلدان المسلمين سوقا يسيطر عليها الأعداء لصناعاتهم الغالية التي يستهلكونها، ولا ينتجون شيئا ذا بال يغنيهم عن السادة الغربيين، حتى إذا سيطروا على العالم الإسلامي سيطرة كاملة أدبوا أي قائد في أي شعب يحاول السعي في تحرير نفسه وشعبه من الهيمنة الغربية.
فيحاصرونه بالمقاطعة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية والزراعية والطبية، فيجوع الشعب المحاصر ويعرى وتقتله الأمراض الفتاكة، ليصبح مضطرا إلى الاستسلام الكامل للأجنبي الظالم.
الوسيلة الثالثة: الاستمرار في الغزو العسكري المباشر بالجيوش الغازية إذا لم تنجح الوسيلتان السابقتان، بعد أن تصبح الشعوب الإسلامية المقاطعة في غاية من الضعف بحيث لا تستطيع الدفاع عن نفسها، كما حصل في هذه الفترة للشعبين العراقي والأفغاني، وكما هي الحالة الدائمة على الشعب الفلسطيني المجاهد الذي تعاون عليه العدو اليهودي والنصراني والعملاء من أبنائه وغيرهم.
إن أعداء الإسلام قد استعملوا المقاطعة ضد المسلمين مقاطعة شاملة لكل ما يحتاجونه من طعام وشراب وبيع وشراء ومصاهرة وغيرها من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه من المسلمين ومَن انضم إليهم من أسرته وأقاربه من غير المسلمين، ومكثوا في شعب أبي طالب ثلاث سنين، حتى وجد من قطع صحيفة الظلم والقطيعة من عقلاء المشركين، وصبر الرسول صلى الله عليه وسلم على تلك المقاطعة حتى أكلوا أوراق الشجر وما وقعت عليه أيديهم، حتى فرج الله عنهم، ولا زال أعداء المسلمين يسلكون نفس المسلك ولكن بصورة أشد ضررا كما هو معلوم.
وإن للمسلمين الحق في مقاطعة أعداء الله كما يقاطعهم هؤلاء جزاءا وفاقا ومعاملة بالمثل والبادئ أظلم، وعندما يدعونا علماؤنا إلى مقاطعة أعدائنا فعلينا الاستجابة لدعوتهم، حتى تنزل بهم الخسائر التي تردعهم عن العدوان علينا والتطاول على ربنا عز وجل وكتابنا وديننا ونبينا صلى الله عليه وسلم.
ولكن يجب على أولياء أمور المسلمين أن يجتهدوا في اتخاذ كافة الأسباب التي توفر لشعوبهم ما تحتاج إليه من فروض الكفاية التي لا غنى لهم عنها، من مأكل ومشرب وملبس وكافة الصناعات المشار إليها سابقا وغيرها، حتى يستغنوا عن عدوهم الذي إذا قاطعهم أوقعتهم مقاطعته في غاية الحرج والمشقة وألب على مقاطعتهم كافة الدول حتى الدول التي تحكم الشعوب الإسلامية، كما حصل في العراق وليبيا وغيرهما، وعلى الشعوب الإسلامية أن تتعاون مع من يقوم بذلك من حكامها، بل عليها أن تحملهم على القيام بذلك لتنجو من عدوان أعدائها عليها.
فإذا قام حكام الشعوب الإسلامية ورعاياهم بذلك حققت مقاطعتهم لعدوهم مقصودها من إنزال الخسائر باقتصاده وكل ما من شأنه أن يقويه على عدوانه.
أما إذا لم يقم المسلمون بتوفير ما يحتاجونه لاعتمادهم على ما ينالونه من أعدائهم، فما ذا تجدي مقاطعته التي تكون خسائرهم فيه أشد، لأنهم يحتاجون إلى ما عنده من لقمة عيشهم ولباسهم واقتصادهم وبنوكهم ومواصلاتهم واتصالاتهم وقطع غيار آلاتهم وغير ذلك؟ ثم إن مقاطعة المسلمين لا تدوم لأنها تكون ناشئة عن عاطفة سرعان من تبهت ويعودون إلى ما كانوا عليه من قبل.
أليس من العيب علينا أن نكون مثل السفهاء يحجر علينا أعداؤنا في أموالنا وبنوكنا واقتصادنا وتجارتنا وفي كل شأن من شئوننا إذا قاطعَونا ونحن لا نقدر على مقاطعتهم، وإذا حاولنا مقاطعتهم نزلت بنا الخسائر والضيق والحرج، وهو يهز كتفيه مستهزئا بنا وساخرا منا ويقول لنا: ما ذا حققتم من مقاطعتنا كما صرح بذلك بعض المسئولين في الدانمارك عندما قاطعتهم بعض الشعوب الإسلامية بعد طعنهم في نبينا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم. ؟
إن الواجب على علمائنا ومفكرينا وذوي الحل والعقد فينا أن يهتموا بهذا الأمر ويجدوا فيه، ولا يتباطئوا فيه ويغفلوا عنه، لأن أعداءنا لنا بالمرصاد وقد أعدوا لنا به العدة لنكون دائما مضطرين إلى ما عندهم وهم مستغنون عنا، والله تعالى يقول: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ .... [النساء(71) ] ويقول: (( وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً ... ) ) [النساء (102) ]
وقال تعالى: (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم، وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) ) [الأنفال:60] .
كتبه
د . عبد الله قادري الأهدل
برامج تلفزيون الواقع وإشاعة الفاحشة
أم سارة
التعريف بهذه البرامج: