فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 3028

الأمر الأول: القرآن، وهو منهج المسلمين الذي ينظم لهم حياتهم ويهديهم للتي هي أقوم.

الأمر الثاني: المسجد الذي تمثله الكعبة المشرفة، وهو يعنى إبعاد المسلمين عن الإسلام بتركه كليا، حتى لا تكون لهم قبلة، ولا يتجهون إلى الله بعبادة.

الأمر الثالث: الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أن لا يكون للمسلمين إمام متبوع واحد يجمع كلمتهم بتوجيهه، ولهذا حاولوا ولا يزالون يحاولون النيل من جنابه صلى الله عليه وسلم في وسائل إعلامهم ومراكز بحثهم ومناهج مدارسهم وجامعاتهم وكتبهم، كما حاولوا ألا تجتمع كلمتهم على قائد مسلم واحد، ولا تتراص صفوفهم على منهج الله.

وهذه هي الأصول الثلاثة التي لا دين للمسلمين إذا ذهب أحدها، وهى: المنهج الذي هو القرآن، والإسلام الذي رمز له بمكة، والرسول الذي هو الواسطة الوحيد بين المسلمين وربهم.

ويعلل هذا العدو تمنيه هدم دين الله بأنه يريد أن يتدرج المسلمون في سبيل الحضارة الغربية.

والمقصود بالحضارة اتباع عقائد الغرب ومذاهبهم الفكرية، والاجتماعية والأخلاقية، والتسليم المطلق للتوجيه الغربي اليهودي النصراني، وليس المقصود استفادة المسلمين من التقدم المادي الصناعي والإداري، بل ولا السياسي، فإنهم لا يريدون أن يتقدم المسلمون في المجال الصناعي، لأن تقدمهم في نظرهم، يعنى القضاء على الحضارة الغربية بمفهومها الشامل- أي العقائد والأفكار- كما قال بعض مفكريهم ناصحًا لهم من عودة القوة الإسلامية:"وسيعيد التأريخ نفسه، مبتدئًا من الشرق عودًا على بدء، من المنطقة التي قامت فيها القوة العالمية الإسلامية في الصدر الأول للإسلام، وستظهر هذه القوة التي تكمن في تماسك الإسلام ووحدته العسكرية، وستثبت هذه القوة وجودها إذا ما أدرك المسلمون كيفية استخراجها والاستفادة منها، وستقلب موازين القوى، لأنها قائمة على أسس لا تتوافر في غيرها من تيارات القوى العالمية"إلى أن قال:"إن انتفاضة العالم الإسلامي صوت نذير لأوروبا، وهتاف يجوب آفاقها، يدعو إلى التجمع والتساند الأوروبي، لمواجهة هذا العملاق الذي بدأ يصحو وينفض النوم عن عينيه، هل يسمع أحد؟ ألا من مجيب؟) [الإسلام قوة الغد العالمية ص322ـ324] ."

ويقول آخر محذرًا من تقدم المسلمين الصناعي وخطره على أوروبا كما يزعم:"وفرصتهم [يعني المسلمين] في تحقيق أحلامهم، هي في اكتساب التقدم الصناعي الذي أحرزه الغرب، فإذا أصبح لهم علمهم، وإذا تهيأت لهم أسباب الإنتاج الصناعي في نطاقه الواسع، انطلقوا في العالم يحملون تراثهم الحضاري الغني، وانتشروا في الأرض يزيلون منها قواعد الروح الغربية، ويقذفون رسالتها إلى متاحف التاريخ" [تأمل قوله:"قواعد الروح الغربية ويقذفون رسالتها في متاحف التاريخ"هذه هي الحضارة التي يخشون عليها من قوة المسلمين، وليست الحضارة المادية من مصانع وغيرها، لأنهم قد عرفوا أن المسلمين إذا فتحوا البلدان بالدعوة أو الجهاد، لا يألون جهدا في الاستفادة من حضارات الأمم الأخرى سواء كانت تنظيمية إدارية أو صناعية ما دامت لا تخالف الإسلام ولا تجافيه، وهذا ما عملوه عندما فتحوا بلاد فارس وبلاد الروم]

ثم اقترح على بني قومه ما يحول بين المسلمين والتقدم الصناعي، فقال:"فلنعط هذا العالمَ ما يشاء، ولنقو في نفسه عدم الرغبة في الإنتاج الصناعي والفني، فإذا عجزنا عن تحقيق هذه الخطة، وتحرر العملاق من قيود جهله، وعقدة الشعور بعجزه عن مجاراة الغرب في الإنتاج، فقد بؤنا بالإخفاق الذريع، وأصبح خطر العالم العربي، وما وراءه من الطاقات الإسلامية الضخمة، خطرًا داهمًا يتعرض به التراث الحضاري الغربي لكارثة تاريخية، ينتهي بها الغرب وتنتهي معه وظيفته القيادية" [جند الله ثقافة وأخلاقًا، للشيخ سعيد حوا رحمه الله ص20ـ21] .

وإذا كان التقدم الصناعي للمسلمين وما وراءه من الطاقات الإسلامية، يهدد أهل الغرب ويخيفهم، وأنه لابد من إغراق العالم الإسلامي بما يحتاج إليه من الإنتاج الصناعي من الغرب، حتى لا يفكر في الصناعة، فأيُّ سبيلِ حضارةٍ يريدونه أن يتدرج فيها من الحضارة الأوروبية؟

أتراهم يرغبون أن ينهج منهجهم في النظم الإدارية والسياسية التي يدعون أنهم يطبقونها ويمدحونها، كالديمقراطية مثلا؟ إنهم لا يريدون للعالم الإسلامي ذلك، لأن الديموقراطية تعطي الشعوب حرية اختيار النظام، والشعوب الإسلامية لا ترضى عن الإسلام بديلًا. [راجع نفس الكتاب السابق ص28ـ29 وهاهم يدعون الدول العربية وغيرها من حكومات الشعوب الإسلامية إلى الديمقراطية، فإذا طبقت في بعض الشعوب، كان الفوز فيها للمسلمين وليس للمنافقين الموالين لهم حاربوا لديمقراطية وحكامها الذين اختارتهم الشعوب، وأقرب مثال لذلك فوز حركة حماس في الأرض المباركة"فلسطين"]

وإذا كانوا لا يريدون لنا التقدم الصناعي، ولا التقدم السياسي، فما الحضارة التي حرصوا على أن نتدرج فيها؟ إنها تقليدهم في عقائدهم الكافرة، ونظامهم الاجتماعي، وترك المسجد والقرآن وتوجيهات رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.

لقد فكروا وقرروا ونجحوا!

نعم، إن القوم درسوا تاريخ الإسلام والمسلمين قديما ودرسوا تاريخ المسلمين حديثا، فوجدوا أن الإسلام هو دين الفطرة الذي يدخل الناس فيه أفواجا، إذا وَجَد أمةً تحمله وتحميه وتقوم بتبليغه الناس كافة، تبليغا يتحقق به البلاغ المبين الذي هو وظيفة رسل الله جميعا، وقد ختمهم بخيرهم رسوله محمد صلى الله عليه وسلم إلى الخلق أجمعين إلى يوم الدين، كما قال تعالى: (( فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) ) [النحل (35) ]

وقال مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) ) [المائدة (67) ]

وقال له: (( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) ) [النحل (82) ]

وكلف أمته ما كلف رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: (( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ) )يوسف [ (108) ]

عرف أعداء الله أن هذا الدين عندما بلغه رسوله الكريم وتبعته أمته على ذلك انتشر بسرعة هائلة لم ينتشر بها غيره من الأديان والمبادئ في جميع حقب التاريخ، وصل إلى حدود الصين شرقا وإلى المحيط الأطلسي غربا في فترة قصيرة، وتغلغل في القارة الأوربية ومكث فيها قرونا، أنار بحضارته أطرافا منها كانت مظلمة وعلم ملوكها وأمراءها التمدن الذي كانوا يفقدونه، بل علمهم معنى الدولة وإقامتها، وفتح لهم آفاقا لم يكونوا على علم بها، كما ذكر ذلك بعض فلاسفتهم ومفكريهم، ومنهم العالم الفرنسي"غوستاف لوبون"في كتابه حضارة العرب، ومنهم الفيلسوفة الألمانية"زغرد هونكه"في كثير من كتبها، وبخاصة: كتاب:"شمس الله تسطع على الغرب"الذي حرف عنوانه مترجمه القومي العربي إلى"شمس العرب تسطع على الغرب"وقد أنكرت ذلك التحريف عندما قابلتها في منزلها في مدينة"بون".

كما عرفوا أن دين الإسلام مهما ضعف أهله وغفلوا عن اتخاذ أسباب قوتهم وعزتهم أو ناموا عنها، فلا بد أن ينفخ فيهم روح العزة ليقويهم، وينبههم من غفلتهم فيفيقون ويوقظهم من نومهم فيصحون ويعودون إلى دينهم فينصرونه وينتصرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت