فهرس الكتاب

الصفحة 2612 من 3028

قد كان من نتيجة ذلك جمع المسلمين على كلمة سواء في العقائد والعبادات والأخلاق وأحكام المعاملات في كل بقاع الأرض. فكيف يمكن حدوث ذلك إذا لم يكن الدين قد اكتمل، والقواعد قد ترسخت، والأخلاق قد تمكنت من النفوس، والعبادات قد استقرت أوضاعها. إن القول بأن الحديث أو القسم الأكبر منه كان نتيجة للتطور الذي حدث في المجتمع الإسلامي في القرن الأول والثاني يترتب عليه ألا تتحد عبادة المسلم في شمال أفريقيا مع عبادة المسلم في جنوب الصين، نظرًا للاختلاف البعيد في البيئة في كل منهما. فكيف اتحدا في العبادة والتشريع والآداب وبينهما هذا البعد وهذا الاختلاف ؟! (121) .

أما اختلاف المذاهب وتعددها بعد القرن الأول فقد كان نتيجة لاختلاف أفهام المسلمين في فهم الكتاب والسنة. وهو اختلاف في الاجتهادات في الفروع لا في الأصول، وقد أباح الإسلام مثل هذا الاختلاف في الفهم الناتج عن اجتهاد صادق. فإذا كان اجتهادًا خاطئًا فلصاحبه مع ذلك أجر واحد ، وإن كان اجتهادًا صائبًا فلصاحبه أجران . ومن هنا نجد المرونة التي تتلاءم مع كل عصر وكل مكان .

وهكذا لم يصل المستشرقون إلى ما يريدون من زعزعة اعتقادات المسلمين وخلخلة تمسكهم بإيمانهم وسنة نبيهم . وقد ردد بعض من المسلمين بعض الأفكار الاستشراقية (122) ، ولكنها لم تجد أيضًا آذانًا صاغية من المسلمين .

الشريعة الإسلامية .. والقانون الروماني ..

الأمثلة التي ذكرناها من آراء ومواقف المستشرقين من القرآن الكريم والسنة النبوية تكفي شاهدًا ودليلًا على محاولاتهم المستميتة في سبيل هدم هذين الأصلين الكبيرين اللذين يقوم عليهما الإسلام، فالاعتقاد بهما إذا تطرق إليه التخلخل فإن ذلك سيؤدي بدوره إلى تخلخل الاعتقاد في الإسلام من أساسه. ولكن المستشرقين لم يقفوا عند هذا الحد، فدائرة عملهم أوسع من التشكيك في القرآن والسنة، فهم حريصون على تجريد المسلمين والعقلية الإسلامية والفكر الإسلامي بصفة عامة من كل القيم الإنسانية والحضارية والابتكارات العلمية. ولن نستطيع بطبيعة الحال أن نعرض في هذا الكتاب الموجز لكل المزاعم الاستشراقية في هذا الصدد، ولكننا سنكتفي بأن نشير باختصار شديد إلى أنموذجين يوضحان محاولات المستشرقين في التشكيك في أصالة كل من الشريعة الإسلامية والفلسفة الإسلامية.

أما ما يتعلق بالشريعة الإسلامية فإن معظم المستشرقين يميلون إلى القول بتأثر الشريعة الإسلامية بالقانون الروماني، على اختلاف فيما بينهم في درجات هذا التأثر. فمنهم فريق من أمثال ( جولد تسيهر) و ( فون كريحر) و ( شيلدون آموس ) يذهبون إلى القول بأن الشريعة الإسلامية مستمدة من القانون الروماني، فهذا القانون هو المصدر الذي أقام فقهاء المسلمين على أساس من قواعده الكيان القانوني للشريعة الإسلامية. وفي ذلك يقول (شيلدون آموس ) بصريح العبارة:

( إن الشرع المحمدي ليس إلا القانون الروماني للإمبراطورية الشرقية معدلًا وفق الأحوال السياسية في الممتلكات العربية) . ويقول أيضًا:

( إن القانون المحمدي ليس سوى قانون جستنيان في لباس عربي ) .

ويستدل هؤلاء على دعواهم بأدلة مختلفة أهمها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على معرفة واسعة بالقانون الروماني ، كما أن فقهاء المسلمين قد تعرفوا على آراء فقهاء مدارس القانون الروماني وأحكام المحاكم الرومانية في البلاد التي كانت لا تزال فيها هذه المدارس والمحاكم قائمة بعد الفتح الإسلامي. وهناك بالإضافة إلى ذلك تشابه في النظم القانونية والأحكام والقواعد الموجودة في الشريعة والقانون الروماني، الأمر الذي يعني أن الشريعة الإسلامية اقتبست هذه النظم والأحكام من القانون الروماني باعتباره سابقًا عليها (123) .

وهذه الأدلة باطلة ويسهل كشف زيفها وبطلانها، ولا تستطيع أن تثبت أمام النقد العلمي الجاد. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب، ولم يكن لخروجه إلى الشام في المرتين اللتين سافر فيهما أي أثر في إمكان اطلاعه على القانون الروماني. فقد كانت رحلته الأولى مع عمه أبي طالب وهو ابن تسع سنين أو اثنتي عشرة سنة ، وأما رحلته الثانية فقد كانت سنه حينذاك خمسًا وعشرين سنة، ولم يرافقه فيها إلاّ عرب خلّص، ولم يختلط بأحد من علماء القانون الروماني، فضلًا عن أنه لم يكن هناك أي سبب يدعو الحكام الرومان أو أحد علمائهم لتعليم محمد قواعد القانون الروماني. أما تعرف علماء المسلمين على القانون الروماني من المدارس والمحاكم الرومانية فإنه زعم باطل، لأن هذه المدارس كانت قد ألغيت بقرار إمبراطوري في 16 ديسمبر ( كانون الأول ) 533م ، وما بقي من هذه المدارس في روما والقسطنطينية لم يكن له تأثير على المسلمين. أما مدرسة بيروت فقد اندثرت قبل الفتح الإسلامي بثلاثة أرباع القرن. وما أثير حول تأثر الإمام الأوزاعي بالقانون الرماني لا أساس له ، لأن الأوزاعي كان من فقهاء مدرسة الحديث التي كانت أبعد المدارس عن التأثر بمؤثرات أجنبية. وقد قضى الفتح الإسلامي على أي سلطة أجنبية للقضاء في الدولة الإسلامية .

أما القول بالتشابه المزعوم بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني فإن التشابه لا يعني بالضرورة التأثر، فقد يكون ناشئًا من تشابه الظروف الاجتماعية، كما أن العقول تتشابه في كثير من أنواع التفكير. ومع ذلك فإنه على الرغم من هذا التشابه الظاهري في بعض النظم والقواعد فإن هناك اختلافات كثيرة وأساسية بينهما مما يدل على استقلال كل منهما عن الآخر. فضلًا عن اختلافهما في مصادر الأحكام ، فالخلاف جوهري بينهما، إذ تقوم الشريعة الإسلامية على أساس الوحي الإلهي بينما يعتمد القانون الروماني على العقل البشري، ولذلك فإن الصلة بينهما منقطعة ـ كما يقول العالم الفرنسي ( زيس Zeys ) ـ فكيف يتصور التوفيق بين نظامين قانونيين وصلا إلى هذه الدرجة من الاختلاف ؟ (124) .

وفي هذا الصدد يقول الدكتور السنهوري رحمه الله:

(إن هذا القانون بدأ عادات .. ونما وازدهر عن طريق الدعوى والإجراءات الشكلية . أما الشريعة الإسلامية فقد بدأت كتابًا منزلًا من عند الله، ونمت وازدهرت عن طريق القياس المنطقي والأحكام الموضوعية .. إلا أن فقهاء المسلمين امتازوا عن فقهاء الرومان، بل امتازوا عن فقهاء العالم باستخلاصهم أصولًا ومبادئ عامة من نوع آخر هي أصول استنباط الأحكام من مصادرها ، وهذا ما سموه بعلم أصول الفقه ) (125) .

الفلسفة الإسلامية ..

يميل نفر من المستشرقين إلى تجريد العقلية الإسلامية من كل لون من ألوان الإبداع الفكري، وينكرون على فلاسفة الإسلام الجدة والأصالة في تفكيرهم، ويعتبرونهم مجرد نقلة للتراث اليوناني الفلسفي. وتقوم هذه الدعوى على أساس عنصري يقسم الشعوب إلى ساميين وآريين. فالعرب ـ وهم من الجنس السامي ـ لا قدرة لهم على التفكير الفلسفي وتناول الأمور المجردة. أما الشعوب الآرية ـ ومنهم اليونانيون القدماء ـ فهم وحدهم أصحاب المقدرة على ذلك (126) .

ويصرح ( رينان) في كتابه ( تاريخ اللغات السامية ) بأنه أول من قرر هذا الرأي الذي يذهب إلى جعل الجنس السامي دون الجنس الآري. وبناء عليه فإن ما لدى العرب من فلسفة ليس إلا اقتباسًا صرفًا جديبًا وتقليدًا للفلسفة اليونانية، وبمعنى آخر: إن الفلسفة العربية هي الفلسفة اليونانية مكتوبة بحروف عربية (127) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت