فهرس الكتاب

الصفحة 2654 من 3028

إننا إزاء تحدٍّ كبير على ديننا وأمتنا؛ فماذا نحن فاعلون؟ ليس هذا بالسؤال الذي يختص بالإجابة عنه فرد واحد؛ لأنه سؤال للأمة كلها: علمائها، وزعمائها، وعامتها. فالإجابة التي أقترحها إنما هي جهد فرد مقل من أفراد هذه الأمة.

أرى:

أولًا: أن ننأى بأنفسنا عن مشاعر الحزن والضيق والأسى فإنها مشاعر سلبية لا تحل مشكلة خارجية، وإنما تنشئ مشكلات نفسية. وما أكثر ما يحذرنا كتابُ ربِّنا من أمثال هذه المشاعر السلبية! وما أكثر ما يُذكرنا علماؤنا الأفاضل بهذه المعاني القرآنية! فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول في معرض تعليقه على حديث «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ» :

وكثير من الناس إذا رأى المنكر، أو تغيُّر كثير من أحوال الإسلام جزع وكل وناح كما ينوح أهل المصائب. وهو منهي عن هذا؛ بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين الإسلام، وأن يؤمن بالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن العاقبة للتقوى.

ثانيًا: أن نكون على يقين بأن مداهنة أعداء الحق ومحاولة إرضائهم بالاستجابة لمطالبهم ـ وهي مطالب قديمة ـ بتغيير هذا الدين وإعادة تفسيره بما يتناسب مع أهوائهم المعاصرة، أن هذا فوق كونه خيانة علمية؛ فإنه لن يجدي شيئًا في حل المشكلة. نعم! إن الأعداء سيرضون عن كل محرف للدين بمقدار تحريفه؛ لكن هذا التحريف لن يزيدهم إلا شرًا؛ إذ يرون أن المسلم المحرف يقترب منهم مع أنهم ثابتون في مكانهم؛ فيطمعون منه ثم من غيره في قرب أكثر، ويحاولون أن يجعلوا منه وسيلة للكيد من غيره من إخوانه المسلمين. لكن القاعدة هي ما قال الله ـ تعالى ـ عن كل من زين له عمله: أنه لن يرضى عنك رضى كاملًا إلا إذا اتّبعت ملته: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا} [النساء: 89] .

ثالثًا: إن الرؤساء الغربيين يصرحون بأن الحرب على ما يسمونه بالإسلام الراديكالي حربان: حرب أيديولوجية، يقولون: إنها لكسب العقول والقلوب، وحرب سنانية تساعد على تحقيق أهداف الحرب الأيديولوجية. أما نحن فما نزال منتصرين في ما أسموه بالحرب الأيديولوجية. إن ديننا هو الذي يزحف نحوهم ويكسب كل يوم من عقولهم وقلوبهم، وإن أديانهم وقيمهم وأيديولوجياتهم هي التي تولّيه الأدبار. وهذا أمر يدعونا إلى المضيّ، لا إلى التواني في نصرة ديننا بالحجج العقلية والعلمية والمعايير الخلقية. إن مشكلتنا هي في الحرب السنانية؛ لقد فرطت أمتنا في الأخذ بالأسباب العصرية لاكتساب القوة التي دعاها ربها إلى إعدادها. لقد آن الأوان لأن نبذل جهودًا كبيرة في اكتساب العلوم الطبيعية المرتبطة بالتقنية والمساعدة على اكتساب القوة الاقتصادية والعسكرية. ويجب أن تكون هذه الجهود على مستويين: مستوى شعبي عام ينشر مبادئ هده العلوم بين الناس ويجعلها جزءًا من ثقافتهم الشعبية، ومستوى تخصصي تتعاون فيه الدول العربية على الأقل، حتى يكون لنا علماء مبرزون مكتشفون ومخترعون ومنظرون في كل المجالات المرتبطة بالتقدم التقني.

إننا لا نريد أن نكون أقوياء لنعتدي على غيرنا، وإنما لنرهب ونردع من تحدثه نفسه بالاعتداء علينا. إننا نعلم أن السِّلم في مصلحتنا، نعلم هذا من ديننا ومن تجاربنا، فنحن حريصون عليه، واثقون بأن عاقبته خير إن شاء الله.

رابعًا: بما أن الغرب ليس كله كتلة واحدة صماء معادية للإسلام، بل فيه جاهلون بهذا الدين، وفيه مغررون، وفيه منصفون مدافعون عن حقوق الناس، وفيه عقلاء يرون أنه ليس من مصلحتهم شن حروب شاملة دعائية كانت أم قتالية على الثقافات الأخرى، وفيه... وفيه...؛ فيجب عند المعاملة ألّا نشمل الجميع بخطاب واحد لا يميز بين محق ومبطل، ومعتدٍّ ومنصف. إن التفرقة بين هذه الأصناف، ومعاملة كلٍّ بحسب موقفه، أمرٌ يتطلبه العدل الذي يقوم عليه بنيان الدين الحق، ثم إنه سياسة مربحة تؤدي إلى نتائج أفضل.

خامسًا: لكن التقدم الحقيقي لأمتنا لا يكتمل إلا بتقدم آخر لا يحتاج منا إلى جهد كبير. فكما نأخذ بوسائل عصرنا في التقدم العلمي التقني، فكذلك يجب أن نعتبر مقتضياته في الإصلاح السياسي. إننا لا نريد أن نكون أمة تابعة تترك الأصالة لغيرها ثم تقلده في كل ما رآه مناسبًا له من مؤسسات ومبادئ وأسماء. نريد أن نكون أمة أصيلة تؤمن بأن كتاب ربها هو دستورها الأعلى، ثم تأخذ منه المبادئ السياسية العامة، ثم تنشئ لنفسها من المؤسسات ما يناسب تلك المبادئ من مؤسسات تتناسب مع عصرها. إن كل من له أدنى معرفة بالإسلام يعلم أن مبادئ مثل: حكم القانون، والشورى، واختيار الحكام، وحرية الرأي وحقوق الإنسان، التي صار الناس يربطونها بالديمقراطية، هي مبادئ إسلامية بيّنتها النصوص، وطبّقها النبي وخلفاؤه الراشدون.

وإذا كان مثل هذا الإصلاح أمرًا يستوجبه ديننا وتستدعيه ظروفنا؛ فإنه أيضًا أمر لازم لتحسين صورتنا العالمية التي صارت ترتبط في أذهان الكثيرين، ولا سيما في الغرب، بالدكتاتورية والفيودلية والثيوغراطية، ويقال عن جهل أو سوء قصد: إنها من تعاليم ديننا.

أ.د. جعفر شيخ إدريس*

هيام بالغرب يعمي ويصم قبل أيام أرسل إليّ أحد الإخوان بالبريد الإلكتروني مقالًا لم أرَ مثله مصورًا لحال المتيَّمين بحبِّ الغرب حبًّا يُعمي ويصم، لذلك رأيت أن أجعل التعليق على بعض ما جاء فيه موضوعًا لمقالي هذا؛ لما قد جمع فيه صاحبه ـ وبكثير من الجُرْأة والاعتداد والتعالم ـ جملة مما تفرّق في كتابات أمثاله من الحُجج الواهية والدعايات الكاذبة والعبارات المتناقضة التي تُساق للترويج لحضارة الغرب وثقافته، والتنقّص من كل ما هو عربي أو إسلامي.

الهدف الواضح من مقاله ـ وهو مقال في ظاهره عن الحوار ـ أن نعترف بأن الآخر ـ ويعني به الغرب ـ خير منا في كل شيء، فعلينا أن لا ننتقده أو نعترض عليه أو نحاربه، بل علينا أن نخضع له ونستسلم. وفي سبيل الوصول إلى هذه الغاية المرذولة فإنه يحشد جملة من الحُجج الواهية والأفكار المتناقضة ما لو قرأه مثقف غربي لسخر منه وأنهضه دليلًا على انحطاط الفكر العربي.

1 ـ بدأ صاحبنا المفتون هذا مقالَه بالحوار مع الآخر بمبادئ وشروط ما أنزل الله بها من سلطان، منها: أن الهدف من الحوار هو تفهّم المواقف وليس تغيير المواقف.

أقول: مع أن الحقيقة هي أن فهم موقف الآخر شرط سابق للحوار معه؛ لأنني إذا لم أكن على علم بموقفه ففِيْمَ أحاوره؟ وفهم موقف الآخر لا يحتاج إلى حوار بل قد يكون في صيغة سؤال وجواب، فإذا عرفت موقفه فإما أن ترضى عنه فلا يكون بينك وبينه حوار لأنك صرت مثله وفي مكانه، أو تخالفه وتطمع في أن تغيّر موقفه فيكون هنالك داعٍ لحوارك معه.

2 ـ ثم يحذرنا بقوله: من لديه قناعة تامة بأنه يمتلك الحقيقة المطلقة لا يمكنه الدخول في حوار مثمر مع أي طرف آخر؛ لأن الطرف الآخر ـ أيضًا ـ له مواقفه التي تخدم مصالحه وقناعاته التي تتماشى مع طريقته في التفكير.

والله إنني لأعجب كيف يفكر هذا الرجل! ما الذي يمنع مدّعي الحقيقة المطلقة (إن كان في الوجود شخص كهذا) من الحوار المثمر مع غيره؟! لماذا لا يكون هدفه إقناع كل من خالفه في أيِّ شيء كان أنه جاهل وأن مخالفته له مخالفة للحقيقة المطلقة؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت