ثم زعم بعضهم، تمشّيًا مع فكرة الغرور تلك، أن هذه الليبرالية مع أختها الديمقراطية (التي هي في الحقيقة متناقضة معها) هي نهاية التاريخ في مجال النُظم السياسية والاقتصادية، وأن العالم كله سائر في الطريق الذي رسمته له وسارت فيه الحضارة الغربية. لكن يُشكر للرجل أنه استثنى في كتابه المسلمين الذين قال: إنهم ما يزالون يتصورون أن لهم بديلًا هو خير من الليبرالية ومن الديمقراطية. ويشكر له ثانيًا أنه تنازل عن تلك الفكرة السخيفة حين تبين له عورها.
وكما فسروا الليبرالية تفسيرًا جعلها تؤدي إلى الرأسمالية فقد غلوا في تفسير ماتدعو إليه من حرية، وجعلوا أكبر همهم فيها حرية الفحش الجنسي الذي أدى في ما أدى إليه من إضعاف للأسرة، وانحدار عظيم في معدلات الإنجاب، حتى قال قائل منهم: إننا لم نعد نحتاج إلى عدو خارجي يهزمنا؛ بل نحن الذين نهزم أنفسنا بهذا النوع من الانتحار. وحتى قال كبير من كرادلتهم:
«هل تحتاج الديمقراطية إلى صناعة فحش مقدارها بليون دولار لتكون ديمقراطية حقًا؟! وهل تحتاج إلى معدل إجهاض يبلغ عشرات الملايين؟!» . قال الكاردينال الأسترالي (جورج بل) هذا الكلام في محاضرة ألقاها بالولايات المتحدة يحذر فيها الغرب من أن الإسلام قد يكون هو البديل إذا لم يعدل الغرب من ديمقراطيته التي وصفها بالفارغة والأنانية (1) . بيد أنه رغم وجود أصوات معارضة كهذه فقد صارت الحرية الجنسية من أهم الحريات التي يتحدث عنها الغرب إن لم تكن أهمها.
الديمقراطية:
في النظام الديمقراطي، كما هو مطبق في الدول الغربية ودول أخرى كالهند، محاسن كثيرة ولا سيما إذا ما قورن بنظم أخرى كالنظام الذي كان سائدًا في الاتحاد السوفييتي. وككثير من النظم الدكتاتورية أو شبه الدكتاتورية التي ما تزال سائدة في بعض البلاد؛ أَعْمَتْ هذه المحاسن كثيرًا من الناس عن أن أصل الديمقراطية أصلٌ شركي يعطي بعض البشر حق التشريع لبشر آخرين، مع أن هذا الحق إنما هو حق لله ـ تعالى ـ. ونسوا أن ما فيها من محاسن ليس بخاص بها وأن كثيرًا منها ليس من لوازمها، ونسوا أنه ليس فيها محتوى خلقي؛ وأنها لذلك لم تمنع المستمسكين بها من الإقدام باسمها على استعمار الشعوب واحتلالها، واسترقاق أناس ولدتهم أمهاتهم أحرارًا.
العلوم الطبيعية:
من المعلوم أن أحسن ما في الحضارة الغربية هو تقدمها الهائل في مجال العلوم الطبيعية وما بني عليها من تقنية، كانت هي سبب قوتهم الاقتصادية والعسكرية، ووسيلتهم إلى استعمار كثير من بلدان العالم واحتلالها.
ليس في هذه العلوم نفسها ما يجعلها متناقضة مع عقيدة التوحيد أو يدعو إلى فحش أو استكبار، لكنّ الغربيين ربطوا بينها وبين كل ذلك؛ بسبب قيمهم تلك المنحرفة:
1 ـ غرتهم معرفتهم بالسنن التي أودعها الله ـ تعالى ـ في ما أسموه بالطبيعة، ومعرفتهم لذلك بأسباب كثير من المسببات؛ فصار الغالب عليهم فصل هذا العلم عن الدين، واعتبار الطبيعة كونًا مكتفيًا بنفسه، تفسر ظواهره الطبيعية بظواهر أخرى طبيعية، ولا يجوز تفسيرها بأسباب خارجة عن هذا الكون، حتى صار هذا التفسير الإلحادي جزءًا من مفهوم العلم، كما قلت ذلك في عدة مناسبات وكتابات.
2 ـ وغلا بعضهم فصار يعتقد أنه لا حق إلا ذلك الذي يأتي عن طريق منهج هذه العلوم؛ فأغراهم هذا بإنكار كل ما جاءت به الأديان اعتمادًا على الوحي الإلهي.
3 ـ بل إن بعضهم صار يستغل هذه العلوم لتأييد الميل إلى الفواحش التي منها فاحشة الشذود، وقالوا: إنها عند بعض الناس شيء فطري موجود في (جيناتهم!) .
4 ـ ثم ارتبط هذا التطور العلمي بالغرور الأوروبي؛ إذ اعتقدوا أنهم إنما سبقوا غيرهم فيه بسبب عقلانيتهم التي ورثوها عن اليونان، وأن غيرهم لم ينجز ما أنجزوا؛ لأنهم ذوو تفكير خرافي.
5 ـ وقد زاد من فتنتهم بهذا تخلفُ المسلمين في هذه المجالات، تخلفًا بدؤوا يعزونه إلى الدين الإسلامي، ويقول بمثل قولهم فيه بعض المرتدين من المنتسبين إليه.
-طبيعة القيم الغربية:
كيف صارت تلك المصادر والمكونات المتنافرة شيئًا واحدًا يسمى بالقيم أو الثقافة الغربية؟
1 ـ صارت كذلك أولًا لسببٍ ذكرناه سابقًا: وهو كونها كلها جزءًا من تاريخهم الذي ما يزالون يدرسونه في مدارسهم وجامعاتهم، والذي ما يزالون يكتبون عنه ويتأثرون به.
2 ـ وصارت كذلك؛ لأنه ما من مكَوَّن من مكوناتها إلا وله أنصار كبار من المفكرين أو من الجماعات أو الأحزاب.
وصارت كذلك؛ لأن العلمانية، وهي امتداد للشرك الموجود في كل تلك العناصر التي ذكرناها، قد صارت هي الثقافة الطاغية التي يعاد تفسير العناصر الأخرى ـ بما فيها العناصر الدينية ـ لموافقتها. وصارت هذه الأديان تُمدح ويُتسامح معها بقدر تصالحها مع العلمانية وخدمتها لها. فها هو الفيلسوف الألماني الشهير (هابرماس) المعروف بعلمانيته. يقول: إنّ النصرانية لا غيرها هي الأساس النهائي للحرية والضمير وحقوق الإنسان والديمقراطية، وهذه هي أهم معايير الحضارة الغربية..
وقبل قرن كتب عالم الاجتماع الألماني (ماكس فبر) كتابه الشهير عن الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية.
والنصارى بدورهم صاروا يفسرون الدين تفسيرًا يتوافق مع أهواء عصرهم. فأكثر كُتّابهم اليومَ لا ينكرون الشذوذ، ويفسرون قصة قوم لوط وما حصل لمدينتهم (سدوم) : إما بأنها قصة مجازية، أو أن الذين أنكروا هذا الفعل من كتاب البايبل كانوا متأثرين بثقافة عصرهم.
3 ـ ولأن الفكر العلماني وما يستتبعه من قيم صار هو الفكر الطاغي الذي يمثل الإطار العام للثقافة الغربية وقيمها؛ فقد أضحت الخلافات خلافات في داخل هذا الإطار فلم تعد ذات خطر. ولذلك نجِدُ الملحد والنصراني أستاذين في كلية واحدة، ونجد الشاذ وغير الشاذ جنديين في جيش واحد، وصار النساء كلهن يتبعن مظهرًا واحدًا، وهكذا.
4 ـ قد يقول قائل: إننا نجد أمثلة لما عزوته إلى الحضارة الغربية في كل الأمم بما في ذلك الأمة الإسلامية؛ فما الذي يميز القيم الغربية في هذا عن غيرها؟! نقول: إنه مما لا شك فيه أنه لا تكاد تخلو أمة حتى من فاحشة الشذوذ بعد أن سنّها قوم لوط، وأن الشعور بالكبر قد يكون أيضًا طابعًا لأمة لا تنتمي إلى الحضارة الغربية، وأن الشرك موجود حتى بين المنتسبين إلى الإسلام؛ لكننا نقول أيضًا: إن هنالك فرقًا بين أن يكون الزنا، أو الشذوذ، أو الجهر بالسوء من القول، في نظر الأمة جريمة أو ذنبًا يستنكره مجتمعها ويعاقب عليه قانونها، وأن يكون أمرًا مقبولًا لا يستنكره مجتمع ولا يعاقب عليه قانون، وإنْ استنكره بعض الأفراد. هذا الأخير هو ما تمتاز به القيم الغربية الآن متأثرة بتاريخها ذلك. لقد أصبح المستنكَر فيها، وربما كان المعاقَب عليه فيها، هو استنكار الفحش ولا سيما فاحشة الشذوذ. فهذا الكاردينال (راتزنجر) الذي صار البابا الحالي يشكو من أن أحد القساوسة البروتستانت، سُجن لمدة شهر في السويد؛ لأنه أنكر الشذوذ الجنسي استنادًا إلى حجج من كتابهم المقدس!
5 ـ هذه العناصر، ولا سيما عنصر الكبر، هي التي زيّنت للغربيين احتلال الشعوب الأخرى، واستعمارها، واسترقاق بعض أهلها. لقد كانت الحركة الاستعمارية الاحتلالية حركة اشترك فيها، أو شجعها، أو وافق عليها، قادة الثقافة الغربية كلهم إلا ما ندر. لم تكن حركة سياسية فحسب؛ وإنما كانت حركة اشترك فيها الكتاب والشعراء والفلاسفة ورجال الدين، كما بيّن بعض ذلك إدوارد سعيد في كتابه عن الثقافة والاستعمار.
-ما العمل؟