فهرس الكتاب

الصفحة 2652 من 3028

يعتقد عامة الغربيين أن الفكر اليوناني هو أساس فكرهم، حتى قال أحد فلاسفتهم: إن الفلسفة الغربية كلها إنما هي حواشٍ على كتابات أفلاطون. هذا الفكر اليوناني هو أول ما لا يزالون يرجعون إليه في تأريخهم لقضية من القضايا العلمية أو الأدبية أو الفنية. لكنهم يعتقدون فوق ذلك أن الفكر اليوناني هذا هو الذي وضع أسس الفكر العقلاني المعتمد على المنطق (أليس أرسطاليس هو واضع علم المنطق؟) ، وأن الأمم الأخرى ـ ومنها العرب ـ لا تعرف هذا التفكير العقلاني المنطقي. حتى قال أحد كبار المستشرقين عن العرب: إنهم لا ينكرون التناقض، بل يعدونه مما يزيد العبارة غنى. هذا مع أن العرب عندما اطّلعوا على علم المنطق لم يروا فيه شيئًا جديدًا حتى قال قائلهم: إنني كنت أعلم دائمًا أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد (1) . ذلك لأن الأسس التي يقوم عليها هذا العلم هي من المعايير العقلية التي فطر الله عليها البشر أيًّا كانوا، وخاطبهم بها في رسالاته. والعرب كغيرهم من البشر يعلمون بطلان الكلام المتناقض؛ ولذلك فإنهم يحتملون في لغتهم كل شيء إلا التناقض. قال سيبويه عن العرب:ويحتملون قبح الكلام حتى يضعوه في غير موضعه؛ لأنه مستقيم ليس فيه نقض. والحضارة اليونانية كانت، رغم إنجازاتها الفكرية الكبيرة، كانت حضارة شرك وفحش. لم يكن شِرْكُها، كما كان شرك العرب، محصورًا في الألوهية، بل كان شركًا في الربوبية أيضًا؛ فلم يكونوا يعتقدون أن آلهتهم مجرد وسائل تقرّب صاحبها إلى الله ـ تعالى ـ؛ بل كانت تحل محله سبحانه! فهذا ربّ للحب، وذاك رب للجمال، وثالث رب للحرب، وهكذا. وكانت حضارة فحش لا ترى بأسًا بالعري، كما تدل على ذلك تماثيلهم المنحوتة، وصورهم المرسومة، وقصصهم وأشعارهم التي يشيع فيها قصص البغاء والشذوذ الجنسي الذي كان معروفًا حتى بين كبار مفكريهم وفلاسفتهم. وقد اهتم مؤرخو هذا الفكر حديثًا بهذه القضية، وكتبوا فيها كتبًا يقال: إن أهمها كتابٌ نشر في عام 1987م، ثم تبعه سيل من الكتب التي تتحدث عن هذا الموضوع.

الديانة اليهودية:

إن الله ـ تعالى ـ يفضل الناس ويكرمهم بأعمالهم الصالحة الاختيارية، وقد فضل الله بني إسرائيل على غيرهم عندما كانوا آخذين برسالة موسى. لكن تحريف الدين والفهم السيء له حوّل هذا التفضيل إلى مسألة عرقية؛ فصاروا يعتقدون أنهم باعتبارهم عنصرًا هم شعب الله المختار، ثم انتقلت هذه الفكرة إلى الديانة البروتستانتية، ثم صارت عن طريقها، كما يذكر لنا صاحب كتاب الثيوغراطية الأمريكية، جزءًا من التفكير القومي للشعب الأمريكي، ومن قبله للشعب البريطاني وللأفركان الذين حكموا جنوب أفريقيا. فاعتقاد الشعب الأمريكي بأهميته القومية الذاتية ليس سرًا لا في داخل أمريكا، ولا في خارجها كما يقول. لقد ظل الأمريكان منذ قرون يعتقدون أنهم شيء خاص، شعب وأمة اختارها الله لتقوم بمهمة فريدة بل خيّرة في العالم. والرؤساء المنتخبون يجنحون إلى الدعوة إلى هذه الخصوصية ويؤكدونها. وما يسمونه بالكتاب المقدس مليء بقصص من الفحش، منسوبة إلى أنبياء الله ـ أكرم خلق الله ـ. وقد استغل بعض الملحدين هذه الحقيقة؛ فنشروا كتبًا أحصوا فيها كل النصوص التي فيها ما اعتبروه نوعًا من الفحش، ثم طالبوا بأن يكون هذا الكتاب من الكتب التي تسمى بالفاحشة، التي يمنع وضعها بين أيدي الأطفال!

الديانة النصرانية:

أما الديانة النصرانية فأخذت عنصر الاستكبار من العهد القديم الذي تعده جزءًا من دينها كما رأينا في ما نقلنا قبل قليل. ثم زادت عليه أنه لا نجاة لأحد من الأولين والآخرين لم يتشرف بالإيمان بربوبية عيسى ـ عليه السلام ـ واعتبار موته تكفيرًا عنه، وأن هذا تكفير حاصل لا محالة لكل من اعتقد ذلك الاعتقاد مهما كانت سيئاته وجرائمه، هذا مما يزين الفحش لمن كان شخصًا عاديًا ضعيفًا. لكن النصرانية زادت هذا الإغراء به في طلبها من قساوستها أمرًا مخالفًا للفطرة كانت نتيجته الوقوع في الفواحش سرًا والتستر عليها. وقد استغل هذا خصومهم من الملحدين والمنكرين للدين أسوأ استغلال، حتى عدّه الفيلسوف البريطاني الشهير من أسباب كونه ليس مسيحيًا. هاتان الديانتان اللتان كانتا في الأصل ديانتي توحيد مبنيتين على وحي الله ـ تعالى ـ إلى موسى ثم إلى عيسى ـ عليهما السلام ـ صارتا بعد التحريف ديانتي شرك. فاليهود أشركوا بتحريفهم لكلام الله وبرفضهم لنبي الله عيسى ثم لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-، مع أنهم مأمورون في كتبهم بالاعتراف بهما؛ بل باتِّباعهما عند ظهورهما. وكان الاستكبار من أسباب هذا الرفض.

حركة التنوير:

توصف الحركة التي ظهرت في القرن الثامن عشر في أوروبا بحركة التنوير وبكونها كانت حركة عقلانية. لكنها هي الأخرى لم تنسَ نصيبها من الدعوة إلى الفحش وتزيينه.

الحضارة الرومانية:

ورث الغرب من الحضارة الرومانية فكرة الجمهورية وفكرة الإمبراطورية التي توسعت بغزو إمبريالي فيه كثير من القسوة وإخضاع للشعوب، كما يحدِّثنا المؤرخون الغربيون. وكانت قبل أن يجعل الإمبراطور النصرانية ديانة رسمية لها تعج بديانات كلها وثنية.

حركتا الإصلاح والبعث:

من أوضح مظاهر الغرور في الثقافة الغربية أنهم يرون أن هنالك نقصًا في كل حضارة أو ثقافة أو ديانة لم تمر بالتاريخ الذي مرت به حضارتهم وثقافتهم وديانتهم. فمما يأخذونه على الإسلام مثلًا: أنه لم تحدث فيه حركة إصلاح كحركتهم تعيد تفسير الدين وتفهمه فهمًا جديدًا يتناسب مع أهواء الثقافة الشائعة. وهم ما يزالون يأملون أن يحدث شيء من هذا حتى يقترب الإسلام من ثقافة الغرب وقيمه. وما يزال بعض المغفلين في بلاد الإسلام يغرونهم بأن هذا سيحصل، وأن الإسلام سيعود قريبًا دينًا معاصرًا لا خلاف بينه وبين متطلبات الحضارة الغربية.

الليبرالية:

تقوم الليبرالية على فكرة هي في جوهرها صحيحة، فكرة تقول: إن لكل فرد حقوقًا لا يجوز لأحد أن يتغول عليها حاكمًا كان أو أغلبية مواطنين. هذه الحقوق هي في الأصل حقوق أعطاها الله ـ تعالى ـ لعباده كما نجد ذلك في القرآن الكريم؛ فلما غلب الشرك وغلبت العلمانية على الحضارة الغربية فصلوا مفهوم هذه الحقوق عن أصله، ثم لم يجدوا لها أصلًا آخر يتفقون عليه إلا كونها وثيقة أجازتها الأمم المتحدة، أو وضعت في دستور بلد من البلاد. وبهذا صارت هذه الحقوق نفسها هي مما أعطاه بعض الناس لآخرين. ولما كان من أعطوها من المتأثرين بقيم الشرك والاستكبار والفحش؛ فقد فسروا كثيرًا من هذه الحقوق بحسب أهوائهم تلك؛ فجعلوها أو أكثرها انحرافًا عن الفطرة السويّة. فسّروها بحرية الكسب الذي لا قيود عليه فكان أن أدى إلى الرأسمالية، وكان مَثَلُهم كمثل مدين قوم شعيب الذين اعترضوا على أوامر الله في الكسب.

{قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت