فما الخطر الذي يمثله الإسلام إذًا؟ أهو الإرهاب؟ لكن الجماعات الإسلامية التي تُسمَّى بـ (الإرهابية) مهما ألحقت بالبلاد الغربية من أضرار فإنها أضرار محدودة؛ لأنها لا تملك هي الأخرى من القوة ما يُمكّنها من هزيمة الدول الغربية أو حتى إضعافها. إن تصرفات الساسة الغربيين، ولا سيما الأمريكان منهم والبريطانيين، تدل على أنهم لا يحصرون الخطر الإسلامي على حضارتهم في ما يسمونه بالإرهاب، بل يجعلونه في الدين الإسلامي نفسه. ولهذا صاروا يصفون حربهم على الإسلام بأنها حرب قِيَمٍ وأنها معركة لكسب القلوب والعقول. إنها معركة؛ لأن الإسلام رغم ضعف أهله المادي هو ـ كما يقولون ـ أكثر الأديان انتشارًا في بلادهم. لكننا مرة أخرى نتساءل: ما الخطر في هذا على الحضارة الغربية؟ إذا كانت هذه الحضارة قد قبلت النصرانية واليهودية وهما دينان شرقيان، وإذا كانت قد استفادت في تاريخها من نتاج الفكر الإسلامي في مجالات الدين والفلسفة والعلوم، وإذا كانت قد قبلت العلمانية بل والإلحاد وغير ذلك من أنواع الأيديولوجيات؛ فما الذي يمنعها من أن تقبل الإسلام إذا كان هذا هو ما اختاره بعض أهلها لأنفسهم طوعًا لا كرهًا؟!
إنه لا إجابة عن هذا السؤال الصعب إلا القول بأن الأمم الغربية، رغم تعددها وتفاوتها ورغم تعدد مكونات حضارتها وتنافرها، إلا أن فيها فكرًا يمثل غالبيتها ويشيع بينها، ويؤثر في تصرفاتها، وأنه هو الذي يحدد موقفها من غيرها من المعتقدات والقيم ولا سيما الإسلامي منها. لكن هذا ليس بالشيء الغريب ولا الخاص بالحضارة الغربية وأممها، بل هو سنة اجتماعية عامة قررها كتاب ربنا الذي نقرأ فيه: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 108] .
فكل أمة صغيرة كانت أم كبيرة لها أعمال تراها حسنة، سواء أكانت هذه الأعمال في نفسها صالحة أو كانت فاسدة. لا حظ أن الآية الكريمة تحدثت عن تزيين العمل لا عن الاعتقاد مع أن العمل تابع للاعتقاد! ربما لأن المقصود هو الاعتقاد الذي يؤثر في العمل ويوجهه، لا الذي يدّعيه الناس بألسنتهم.
في القرآن الكريم تفاصيل أخرى عن هذه السُّنّة الاجتماعية:
منها: أن ذلك العمل المزين هو الذي يجمع الأفراد وينشئ بينهم ودًّا يجعل منهم أمة معينة. قال ـ تعالى ـ: {وَقَالَ إنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ} [العنكبوت: 25] .
قال ابن كثير: {إنَّمَا اتَّخَذْتُم} هذه لتجتمعوا على عبادتها في الدنيا صداقة وألفة منكم بعضكم لبعض في الحياة الدنيا، وهذا على قراءة من نصب: {مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ} على أنه مفعول له. وأما على قراءة الرفع فمعناه: إنما اتخاذكم هذا يحصل لكم المودة في الدنيا فقط، ثم يوم القيامة ينعكس الأمر فتبقى هذه الصداقة والمودة بغضة وشنآنًا.
ومنها: أن الأمة إنما تتخذ مواقفها من غيرها بحسب قربه أو بعده من هذا العمل المزين الذي يجمع بينها؛ فهي لا تتحمل ولا تتسامح مع من يخالفها فيه مخالفة كاملة ويعترض عليها، وإن كان من أبناء وطنها.
قال ـ تعالى ـ: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} [البقرة: 120] .
وقال: {قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} [الأعراف: 88] .
وقال: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلاَّ أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [الأعراف: 82] .
وقال: {وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] .
ومنها: أنه قد تشذ جماعة من الأمة فترى ما لا ترى غالبيتها.
قال ـ تعالى ـ: {وَإن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [الأعراف: 87]
وقال: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 28] .
ومنها: أن العاقبة تكون لمن كان على الحق: إمَّا بغلبتهم على أعدائهم، وإمّا بانتقام الله ـ تعالى ـ من أولئك الأعداء، كما نرى ذلك في قصص كل الأنبياء مع أقوامهم المعادين لهم.
-ما العمل الذي زين للغربيين؟
نعود بعد تقريرنا لهذه السُّنّن الاجتماعية التي فصلها لنا كتاب ربنا إلى سؤالنا الذي بدأنا به: ما العمل الذي زينه الله ـ تعالى ـ للأمم الغربية والذي هو سبب عدائها للإسلام وأهله؟ إنك لا تجد جوابًا واضحًا لهذا السؤال في ما يسمى بالنظريات أو الفلسفات أو الأيديولوجيات السياسية الغربية. فالغرب ليس، من حيث هذه النظريات أو الفلسفات أو الأيدلوجيات، أمةً واحدةً؛ وإنما هو أمم مختلفة ودول حدثت بينها حروب وتفرقت أحزابًا وجماعات.
لعل الإجابة هي في ما يسمى بالقِيم الغربية التي صار الغربيون الآن يكثرون من ذكرها، ولا سيما حين يريدون بيان موقفهم من الإسلام وأهله؛ سواء في بلادهم أو في غيرها. فما القيم الغربية هذه التي تجعل من الغرب كله أمة واحدة في مقابل الأمم الأخرى، ومنها الأمة الإسلامية؟ إن الذي يكادون يجمعون عليه هو ما يعدّونه من مصادر ثقافتهم العامة أو مكوناتها؛ وهو الفكر اليوناني، والحضارة الرومانية، والديانتان: اليهودية والنصرانية، والفلسفة الليبرالية، والديمقراطية، وحركات الإصلاح والنهضة والتنوير. لم أذكر الإسلام؛ لأنه ليس من المصادر المعترف بها عند عامتهم، وإنْ كان مما يعترِف به قلة من علمائهم؛ فهذا أحد مؤرخيهم الكبار المعاصرين يقول: «إن أوروبا كانت في القرون الوسطى مَدِينَةٌ بالشيء الكثير للإسلام، وإنها لم تكن مدينة لأية مدنيّة أخرى مثلما ما كانت مدِينة للإسلام» (1) .
إذا تأملنا في هذه الثقافة المعترف بها تاريخيًا وجدنا فيها، أو في فهمهم وتصورهم لها، عناصر مشتركة؛ لعلها هي التي تمثل قيمهم أو عملهم الذي زُين لهم. إنها عناصر الشرك والاستكبار والفحش في القول والسلوك.
وإليك أمثلة على ذلك:
الفكر اليوناني: