فهرس الكتاب

الصفحة 2646 من 3028

قلنا إن الإيمان المطلق بالعمل بقرار الأغلبية أمر مخالف للشرع، بل وللعقل أيضا. ونقول الآن إنه لا يكون في الواقع ممكنا. ولذلك قال منظرو الدمقراطية إن العمل بقرار الأغلبية إنما يكون ممكنا في المجتمع المتناسق، أي المجتمع الذي يجمعه ـ في غالبه الأعم ـ ثقافة واحدة وقيم أكثرها مشتركة وهكذا. في مثل هذا المجتمع لا يشعر الناس بأن أمرا خطيرا قد حدث إذا ما فاز حزب وخسر آخر لأن الفرق بينهما ليس فرقا جذريا. وأما حين يكون المجتمع منقسما انقساما حادا في مسائل يعدها المختلفون قضايا جذرية فإنهم لن ينصاعوا لرأي الأغلبية. عبر عن هذه الفكرة بوضوح كاتب أمريكي يدل عنوان كتابه على مقصده: قبل أن يبدأ التراشق ... من الأمثلة التي ذكرها لمثل هذه القضايا التي لا مساومة فيها والتي تؤدي إلى التراشق بالسلاح قضية الاجهاض التي حملت بعض المواطنين الأمريكان على قتل طبيب مارسه لأنه اعتبروه قتلا لنفس بريئة وهو أمر لا مساومة فيه. فكيف إذا كان الخلاف في أمور أخطر، إذا كان بين مؤمنين وكافرين، أو بين فرق دينية كالسنة والشيعة كما هو الحال في العراق، أو بين قوم مع الاحتلال وآخرين يعدونهم خونة كما هو الحال في أفغانستان. لقد أجرى الأمريكان في كل من هذين البلدين انتخابات وافتخروا بأنهم جعلوا هذه البلاد دمقراطية، وظن بعضهم في سذاجة أن الانتخابات ستحل مشكلتهم. لكن الواقع أن الصراع استمر وأن القتل ازداد استعارا. وما كان لهذا إلا أن يحدث حتى لو كانت الانتخابات نزيهة مئة بالمئة.

أ.د. جعفر شيخ إدريس*

مزالق الإيمان بالديمقراطية بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين الهادي إلى الصراط المستقيم

والصلاة والسلام على من أرسله سبحانه رحمة للعالمين

ثم أما بعد،

مقدمتان

باسم الله وعونه تعالى نفتتح حديثنا بمقدمتين مهمتين:

أولاهما: أن الدمقراطية التي نتحدث عنها هي الدمقراطية بالمعنى الذي يدل عليه اسمها، وهو معناها المعروف بين كبار المفكرين الغربيين من كان منهم مؤمنا بها أو منكرا لها، منذ عصر اليونان إلى يومنا هذا.

الدمقراطية بهذا المعنى هي حكم الشعب.

والدمقراطية بهذا المعنى تجيب عن سؤال مهم لعله أهم سؤال في الفكر السياسي، بل في الحياة عامة، وهو لمن الحكم؟ من ذا الذي يحق له أن يقول هذا مسموح به وهذا محظور، هذا واجب وهذا جائز، هذا حلال وهذا حرام؟

الإجابة الدمقراطية عن هذا السؤال المهم واضحة هي أن الشعب هو الذي يملك هذه السلطة التشريعية، فالشعب هو صاحب السيادة التشريعية.

لكن هذا المبدأ الدمقراطي ارتبط في الواقع الغربي المعاصر بأفكار ومبادئ منها ما رأوا أنه من لوازمه، ومنها ما رأوه من وسائله، بل منها ما هو من نقائضه.

لكن كل هذا صار في أذهان الناس في الشرق والغرب داخلا في معنى الدمقراطية:اللبرالية، الرأسمالية، الانتخابات، تداول السلطة، حكم القانون، الشفافية، الأحزاب، حرية التعبير حقوق الإنسان، إلخ.

بل إن الأمر صار أكبر من ذلك كما قال أحد الكتاب الأمريكيين:"لقد صارت الدمقراطية هي المنصة التي يضع عليها كل أحد قربانه المفضل. تكاد كل الجوانب المرغوب فيها في الحياة السياسية بل والاجتماعية تمدح بأنها من لوازم الدمقراطية: التمثيل، المحاسبة، المساواة، المشاركة، العدالة، الكرامة، العقلانية، الأمن، الحرية والقائمة تستمر".

أكرر أن حديثنا الليلة ليس عن شيء من هذه المبادئ والأفكار التي صارت ملحقة عند كثير من الناس بالدمقراطية، بل صارت عند بعضهم هي الدمقراطية.

وثانيتهما: أن حديثنا عن مزالق الإيمان بالدمقراطية، لا عن العمل بالدمقراطية أو تطبيقها.

لماذ؟ لأن الدمقراطية بحسب تعريفها العلمي الذي ذكرناه، نظرية يستحيل العمل بها أو يتعذر إلا في مجموعات لا تتجاوز بضع عشرات من الآلاف من الناس. ولذلك فإن الأوربيين لما بعثوها بعد ألفي عام من موتها في أثينا أسموا دمقراطيتهم بالدمقراطية غير المباشرة أو الدمقراطية النيابية.

أما الأمريكان فقد كان الكثيرون من واضعي دستورهم يرون أن الدمقراطية إنما هي الدمقراطية المباشرة التي كان معمولا بها في أثينا، ولذلك صرحوا بأن نظامهم ليس نظاما دمقراطيا وإنما هو نظام جمهوري نيابي. وقد يستغرب بعضكم كما استغربت إذا علموا أن كلمة الدمقراطية لم ترد في أي من الوثائق السياسية الأمريكية الأساسية الثلاث: الدستور، وإعلان الاستقلال، وحقوق الإنسان، كما قال أحد الكتاب الأمريكان

ندخل بعد هاتين المقدمتين في موضوعنا الأساس:

ما مزالق الإيمان بالدمقراطية بمعنى حكم الشعب؟

أول المزالق

وأعظمها والأصل الذي تترتب عليه كل المزالق الأخرى هو أن الإيمان بأن الحكم للشعب مناقض لأكبر قاعدة يقوم عليها بنيان الدين الإسلامي كله، إنها القاعدة التي تقول: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)

فإذا كانت الإجابة الدمقراطية عن سؤال لمن الحكم هي أنه للشعب، فإن الإجابة الإسلامية هي إن الحكم إلا لله. فالآية لا تقرر فقط أن الحكم لله، وإنما تقول إن الحكم إلا لله، أي إن الحكم لا يكون بحق إلا لله. والمقصود بالحكم هنا وفي النظرية الدمقراطية إنما هو الحكم التشريعي. أما الحكم التنفيذي فإنما يقوم به أفراد من الناس في كل نظام من الأنظمة. فالشعب يشرع والمسؤولون ينفذون، والله تعالى يشرع والناس يحكمون بما شرع.

هذا الحكم التشريعي هو من خصائص الربوبية التي لا يجوز لأحد أن يدعيها أو يشرك مع الله تعالى أحدا فيها، لا ملك ولا دكتاتور ولا رئيس جمهورية ولا علماء ولا شيوخ. فكل من اعتقد أن أحدا من هؤلاء له حق التشريع والتحليل والتحريم يكون قد اتخذه ربا من دون الله تعالى.

يؤكد هذا قوله تعالى عن بعض اليهود والنصارى في زمن الرسالة المحمدية: ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ)

وفسر النبي صلى الله عليه وسلم اتخاذهم لهم أربابا بأنه اتباعهم لهم في تحليلهم لما حرم الله وتحريمهم لما أحل. ولهذا قال تعالى في تمام الآية: ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة:31)

فهم لم يعبدونهم من دون الله تعالى بأنهم سجدوا لهم أو حجوا وإنما عبدوهم بأنهم أعطوهم حق التشريع. وعليه فإن كل من أعطي هذا الحق يكون معبودا لمن أعطاه إياه حتى لو كان ما يسمى بالشعب أو المواطنين.

وإذا أردنا أن نعرف كيف أن هذه الحقيقة، حقيقة إن الحكم إلا لله، هي القاعدة التي يقوم عليها بنيان الدين كله، فلنقرأ الآية بأكملها والتي قبلها ( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (يوسف: 39-40)

فالآية الكريمة تدل على أن العبادة، وهي الغاية التي من أجلها خلق الإنسان، مؤسسة على قاعدة أن الحكم لله. فنحن نعبد الله تعالى لأنه أمرنا بعبادته، ونحن نطيع أمره تعالى لأننا نؤمن بأن الحكم له، والأمر والنهي له. وتدل على أن الدين القيم مبناه على التسليم بأن الحكم لا يكون إلا لله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت