فهرس الكتاب

الصفحة 2645 من 3028

الديمقراطية يؤكد لنا كثير من المفكرين الغربيين أن الدمقراطية إنما هي وسيلة، وأنها مسألة إجرائية، وأنه لا محتوى لها ( أي أنها لا تقول إن الحكم في الاقتصاد مثلا أو في المسائل الاجتماعية أو في التعليم يجب أن يكون كذا وكذا) وأن الذي يعطي الدمقراطية شيئا من مثل هذا المحتوى إنما هو الفلسفة اللبرالية، ولذلك تسمى الدمقراطيات الغربية بالدمقراطيات اللبرالية. فاللبرالية في حقيقتها قيد على الدمقراطية بمعنى أنه لا يجوز حتى للأغلبية سواء كانت أغلبية استفتاء أو أغلبية هيئة تشريعية أن تقضي بشيء يتناقض مع اللبرالية مثل الاعتداء على حق من حقوق الإنسان. والمفكرون الغربيون ـ ولا سيما المحافظين منهم ـ يميزون لذلك بين ما يسمونه دمقراطية العامة populist democracy وبين الدمقراطية المقيدة ببعض القيم. لكن يبدو أن كثيرا من السياسيين وأهل الرأي عندنا ـ حتى من كان منهم منتسبا إلى الإسلاميين ــ لا يعرفون من الدمقراطية إلا الدمقراطية المطلقة التي لا قيد ديني ولا خلقي عليها.

أصحاب هذا الفهم الساذج للدمرقراطية يظنون أن كل أمر مهما كان خطيرا فهو خاضع للدمقراطية، وأن ما تقرره الاغلبية فيه هو الأمر الذي يجب الالتزام به مهما كان نوعه. أذكر أن أحدهم كتب منذ سنين ينصح الإسلاميين بأن يلتزموا بما تقوله صناديق الاقتراع حتى لو ;كان الفائز فيها هو الحزب الشيوعي. تذكرت حين قرأت ذلك كلاما للفيلسوف البرياطاني برتراند رسل فحواه أنه ينبغي أن لا يعطى الشيوعيون من الحرية ما يمكنهم الوصول إلى السلطة، لأنهم إذا وصلوا إليها ألغوا الدمقراطية التي جاءت بهم. وإذا كان ذلك قد كان رأيا شاذا كما تصورت آنذاك فإنني أعجب الآن أن صار مثل هذا الرأي هو الغالب على تصور كثير من الناس في بلادنا للدمقراطية حتى بعض من كان منهم مسلما يؤمن بأن القرآن كلام الله وأن محمدا رسول الله، ويصلى ويصوم بل ويحج!

كنت أحسب أنه إذا كان لا بد لأمثال هؤلاء من مناداة بالدمقراطية أن يجعلوها دمقراطية مقيدة بالقيم الإسلامية، كما قيدها الغربيون باللبرالية. فكان عليهم أن يعلنوا لذلك أن ما يحكم به الله تعالى ليس خاضعا لقرار دمقراطي، كيف والله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)

والمقصود بالتقديم بين يدي الله ورسوله هو أن تعطى الأسبقية لرأي أو هوى لفرد أو جماعة مهما كان وكانوا. وقال تعالى (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (الجاثية:18)

وكل من اقترح أمرا مخالفا لما شرع الله فهو من الذين لا يعلمون أقلية كانوا أم أغلبية والالتزام بما شرع الله تعالى يجب أن يكون ـ من حيث الإيمان ـ التزاما بها كلها: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ. أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) ( المائدة: 49-50 )

أما العمل فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

إن الذي يهدينا إليه كتاب ربنا وتبينه لنا سنة رسولنا هو أننا أمة، أننا جماعة، وأن جماعتنا لا تتحقق إلا إذا كانت لنا دولة تلتزم بكتاب الله وسنة رسوله مااستطاعت. فكما أننا نصلي جماعة وراء إمام مسلم، فكذلك نكون جماعة وراء حاكم مسلم تسمى إمامته بالإمامة العظمى. هذه إذن مسألة لا تقبل المساومة، وليست خاضعة لقرار دمقراطي أو غير دمقراطي.

سيقول بعض الجهلاء إنه ما دام المسلمون أغلبية فلن يختاروا شخصا غير مسلم. وأقول إنه لا يجوز من حيث الإيمان أن يجعل المسلم رأي الأغلبية مبدأ يلتزم به التزاما مطلقا بغض النظر عن النتائج الواقعية. فكما أنه لا يجوز لك أن تقول لإنسان إنه يجوز لك أن ترتد وأنت على يقين من أنه لن يرتد، فكذلك لايجوز لك أن تعلن موافقتك لرأي الأغلبية في أمر تعلم أن الله تعالى قد حكم فيه.

ثم إن الأرض التي يسكنها المسلمون يجب أن يحكمها المسلمون وأن يحكموها بكتاب الله الله تعالى بقدر استطاعتهم. إن المرء ليعجب كيف يرى كثير من الناس في بلادنا أنه من حق أناس كالمواطنين الجنوبيين أن تكون لهم حكومتهم غير الإسلامية لأنهم ليسوا بمسلمين، وينكرون أن تكون للمسلمين في الشمال حكومتهم الإسلامية وهم مسلمون.

والدولة لا تكون مسلمة إلا إذا كان حاكمها مسلما. لكن كثيرا من المنتسبين إلا الإسلام صدقا أو نفاقا صاروا يصرحون بأنهم لا يبالون بأن يكون رئيس دولتنا رجلا غير مسلم، بل إن بعض من يصلي ويصوم ويحج كان يصرح بأنه كان سيعطي صوته لجون قرنج إذا ما رشح نفسه لرئاسة الجمهورية!! هذا مع أن علماء المسلمين لم يختلفوا في الخروج المسلح على الحاكم الكافر ما دام ذلك ممكنا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في الخروج على الحاكم:

( الا ان تروا كفرا بواحا ، عندكم من الله فيه برهان)

فياليت شعري إذا كان ديننا يأمرنا بالخروج على حاكم كان يبدو مسلما ثم طرأ عليه الكفر، فكيف يبيح للمسلمين أن ينصبوا على أنفسهم وباختيارهم حاكما مستعلنا بكفره؟ لماذا نرضى بهذا الإذلال لأنفسنا ونحن أمة أعزها الله تعالى حتى إن عيسى ابن مريم وهو رسول من رسل الله عندما يجيئ لا يرضى بأن يؤم المسلمين بل يعطي هذا الحق لإمامهم يومذاك. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة ، قال: فينزل عيسى ابن مريم - صلى الله عليه وسلم - فيقول أميرهم: تعال صل لنا ، فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة ) .

إن الإيمان بالدمقراطية بمعنى التسليم المطلق لقرار الأغلبية معناه جواز الخروج على أوامر الله. هل يبقى من يؤمن بمثل هذا مسلما؟ لقد أكفر الله سبحانه وتعالى قوما من اليهود فعلوا أقل من هذا فقال لهم: (أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (البقرة:85 )

هؤلاء قوم كان قد أخذ الله تعالى عليهم الميثاق أن لا يسفك بعضهم دماء بعض وأن لا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم فأقروا بهذا لكنهم خالفوه في الواقع فكان بعضهم يتحزب ضد بعض ويقاتلونهم متحالفين مع بعض المشركين. لكنه كانوا إذا أسر العدو بعض من قاتلوهم من إخوانهم فادوهم وأخرجوهم من الأسر اتباعا لأمر الله تعالى. فلم يقبل الله تعالى منهم هذا الإيمان الجزئي بأحكامه فقال لهم"أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ..."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت