فقد حظي المشروع الصهيوني بِدَعمٍ واسِعٍ من أغنياءِ اليهود وحلفائهم في أمريكا وأوربا؛ فجمعوا أموالا طائلةً؛ لتوسيعِ مشروعِ الاحتلالِ والاستيطان وتهويد القدس والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية بكل الطرق. وأما الدولُ الإسلامية وأغنياء المسلمين فقد قصَّروا تقصيرًا عظيمًا في دعمِ الفلسطينيِّين وإعانتِهم على التمسكِ بأرضِهم والتصدي لحملات التهويد لبيت المقدس. ولقد أحسن من قال:"الباحث المؤرخ في هذا الشأن سيجد في نهاية بحثه ما هو أفظع من كل ما سبق، عندما يكتشف أنه في كل مراحلِ التهويد النشِط على مدى ثلاثين عامًا (منذ 1967) ، من الاستيلاء الاستراتيجي العام على القدس العربية، إلى استكمال نزع عروبتها بالاستيلاء التفصيلي عليها من الداخل بيتًا بيتًا، فإنَّ أيَّ دولة عربية أو أيَّ ثري عربي ممن يمتلكون المليارات لم يتحركْ في يوم واحد على مرِّ هذه السنوات الثلاثين ليفكر ولو نظريًا بمشروعٍ تُستَثمَرُ فيه الأموالُ العربية لاستملاك بيوتِ سكان القدس العربية بيتًا بيتًا، قبل وُقوعِها بين فكَّيْ تمساحِ التهويدِ اللذين لن ينطبقا قبل ابتلاعِ عروبة القدسِ حتى آخر بيت عربي فيها، وذلك في مقابل عثور هذا المؤرخ الباحث في الوثائق ذات الصِّلة على أسماء أكثر"
محمد عبد الله الغبشاوي*
التعايش الديني لا إمبريالية أقل ما توصف به مقالة أستاذنا الدكتور الطيب زين العابدين التي حملت عنوان: (مجمع الفقه و التعايش الديني) أنها متعسفة: فهما و سياقا و أحكاما ! و هي بذلك تسئ لمقولة التعايش الديني من حيث تريد الإحسان, و تفسد عليه أمره من حيث تريد إصلاحه, و تثير الريبة و الشك في فحواه و مقصده, و تنبئ عن أن هذا
,, الكفر عند الإسلام و عند غيره من المعتقدات و الأديان الكبرى التي يدين بها بنو الإنسان, هو وصف للغير بكل بساطة و اختصار-فكل ديانة فيما نعلم- تصف معتنقيها, و غير معتنقيها, بوصفين متقابلين: الإيمان و الكفر! و الإسلام ليس شذوذا في ذلك ,,
(التعايش الديني) إن كان على هذا الفهم الذي يبشر به أستاذنا الكبير: فهو حلقة من حلقات الحصار علي الإسلام و معتقده و شرعه, و سيف مصلت على رقاب المسلمين و حدهم دون سواهم ! و إن إعادة النظر في حقيقته و نظرته و ملابسات ميلاده و اجب أساسي, حتى يتحرر من إمبريالية المقولات, و يكون حكما عدلا مترفعا عن التحيزات الغربية, و أهداف الدوائر الصهيو صليبية!!.
فقد تعسف أستاذنا بداية في فهم الكفر و دلالته في المصطلح الإسلامي, فتجافى عن معانيه الأساسية في الاعتقاد الإسلامي, و في مصادره الأهم: كتابا و سنة و أقحم عليه ما ليس منه, و لم يكتف بذلك بل حوره تحويرا خرج به من ساحة الفقه و التشريع و تطبيقاته الملزمة, إلى ساحات السياسة و أهوائها و زج به دون أن يدري أو يريد - نحسب- في مستنقع حرب الأفكار, التي تشنها الدوائر الغربية الصهيو صليبية, صنوا لحربها العسكرية و السياسية و الاقتصادية على عالم و إنسان الإسلام, كما سنتطرق لذلك فيما بعد.
فالكفر عند الإسلام و عند غيره من المعتقدات و الأديان الكبرى التي يدين بها بنو الإنسان, هو وصف للغير بكل بساطة و اختصار-فكل ديانة فيما نعلم- تصف معتنقيها, و غير معتنقيها, بوصفين متقابلين: الإيمان و الكفر! و الإسلام ليس شذوذا في ذلك على ما توحيه عبارات أستاذنا والتي تكاد تصم الإسلام, و كأنه و حده الذي يمارس ذلك و معلوم أن الإسلام ليس المبتدئ لذلك و إنما سبقه على الدرب آخرون! .
و مقولة الكفر عند أهل الأديان التبشيرية الكبرى -لاسيما النصرانية و الإسلام - إن عنت الوصف للمخالف أو المغاير, فلا ينبغي إخراجها من دائرة الوصف إلى دائرة (الوصم) أو التعبير إلا بقرينة و واضحة و صريحة و على الظفر بجريرة الوصم و التعبير التي يبدو أنها أهاجت أستاذنا الجليل و القس (المحترم) , فينبغي إنزالها الحيز المقصود, و الإمساك عن التلاعب بها, و عدم التغليب لإساءة الظن بها, أو تفسيرها بما يخرج بها عن مراد قائلها, ذلك أن الأمر متصل (بدين) و إن كان ذلك الدين هو الإسلام ! .
و فيما نعلمه عن صاحب الدين الصادق, نصرانيا كان أو مسلما أنه (يشفق) على محالفه و يفرق- أي يخاف- من النار التي هو واقع فيها لا محالة على معتقده, إلا إذا فارق ضلاله و انضم إلى ركب المهتدين ! و على ذلك التأويل الذي هو صحيح في ظني, يكون الوصم بالكفر نوعا من التحفيز للمخالف و إن بدا استفزازا ذلك كي يعيد المخالف"الكافر"النظر في نفسه و مصيره و يثوب إلى رشده و كل ذلك مما لا يضره إن لم يعد عليه بالنفع !إذ أنه من خلال عملية إعادة النظر تلك إما أن يثبت على إيمانه الأول, فيزداد يقينا على يقين, أو ينزع لإيمان جديد يجد فيه برد يقين آخر! .
و من هنا فلا تثريب على بيان مجمع الفقه الإسلامي, في استخدامه مصطلح الكفر في ذلك السياق, و أما ما جنح إليه قلم أستاذنا الكبير في التفسير الظني البحت و التأويل المتعسف و الذي تلتمس أسبابه في مظانها, فقد أدى به إلى متاهات, ما كان أغناه و أغنانا عنها, وهو بكل تأكيد من باب لزوم ما لا يلزم, ثم السعي من بعد ذلك لإلزام كل بني الإسلام به و لا أظن أن عاقلا محايدا يجوز ذلك, أو يؤمن عليه !! .
و علي ذلك فالخطاب (التهويلي ) الذي يجسده ذلك المقال , و الذي يتبناه مجلس التعايش الديني ضرورة , غير ذي موضوع, وهو من باب المبالغة الشاذة في تصوير الوقائع, و تضخيمها تضخيما (مجهريا) مهولا ! سرعان ما يعود إلى حجمه الحقيقي, ما نظر إليه بالعين المجردة, التي يستحقها و تستحقه أقول هذا و ألح عليه, حضا على الالتزام بالموضوعية, و التي لن يفيدنا غيرها في النظر و التقويم و التصحيح المراد, و أتمادى في الإلحاح و الشجب لذلك الأسلوب ألتهويلي, لأنه يعنيني أنا في المقام الأول ! لأنني انتمي إلي قطاع مستهدف من قبل المشروع الإمبريالي الغربي الصهيو صليبي في طوره الجديد و الذي لا يواري في أنه يرمي إلي استئصالي و قبيلي, علي المستويين المادي الحي, و الروحي الفكري المعنوي أيضا.
و هنا وقفة لابد منها: فمن أساليب الصراع الفكري عموما (و حرب الأفكار) على وجه الخصوص (التسمية و المناداة بحرب الأفكار ليست لي أنا و إنما للسادة الأمريكان فلزم التنويه) من تلك الأساليب التي دسها الغرب عندنا, و روجها خبراؤه في أوساطنا و أنساق نفر منا في تبنيها و ممارستها, حتى صارت ديدنا و عادة للعديد من الفئات و الأفراد: أسلوب التهويل هذا و الذي يتصل أكثر ما يتصل بمعركة التشهير بالعرب و المسلمين في حرب الأفكار و هي معركة فاصلة في هذه المرحلة سينبني على حسمها تغيير مجرى التاريخ في العالم عموما, و في عالم الإسلام على وجه الخصوص, إما إلى أعلى عليين و إما إلى أسفل سافليين: ( ألفت نظر القارئ الكريم إلى الكتاب الهام الذي أخرجه العلامة المفكر جلال أحمد أمين بعنوان:(عصر التشهير بالعرب و المسلمين ) ) و أسلوب التهويل, هذا له تطبيقات عديدة, يطول بنا المقام لو استطردنا في سردها, و ما يعنيني هنا, التطبيق الذي أحتذاه أستاذنا الجليل الدكتور الطيب زين العابدين.