فهرس الكتاب

الصفحة 2517 من 3028

وعظم شأن العلم وحثَّ على طلبه والسعي إليه كما في قوله تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} ، {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} ، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"من سلك طرقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة"،"طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة".

ونوه بفضل الحكمة وما فيها من السمو والتألق والارتفاع كما في قوله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} ، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل أتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس".

ورفع منزلة العلماء وجعلهم أهل خشيته وقرن شهادتهم بشهادته تعالى وشهادة الملائكة كما في قوله تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ} ، {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} ، {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ} .

وجعلهم ينابيع العلم وموارد المعرفة ورواد الحق كما في قوله تعالى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} ، {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلاَّ الْعَالِمُونَ} .

بقلم الشيخ أحمد حسن المدرس بالعهد الثانوي

تخوض أمتنا معركة حاسمة في جميع مجالات الحياة، ولا سيما في ميدان الفكر والثقافة، حيث تستعمل في هذه المعركة كل أنواع الأسلحة الفتاكة، التي تهدف إلى بلبلة الأفكار، وإشاعة الفوضى والانحلال، والانسلاخ من العقيدة والتراث والتاريخ، والإتيان على بنيان هذه الأمة من القواعد..

ومن أخطر هذه الأسلحة، سلاح المصطلحات والشعارات، الذي طرحه الغرب [1] للتداول في عالمنا الإسلامي مع بدء الغزو الفكري، ولم يمضي كبير وقت، حتى شاعت هذه المصطلحات وذاعت بعد أن رددتها وسائل الإعلام، وعممتها الصحف والمجلات، وأقحمت في صلب المناهج والكتب الدراسية وأصبحت اليوم عملة دارجة، تطالعك بها الأغاني الشعبية، وأحاديث الدهماء، فضلا عن أنصاف المتعلمين والمثقفين، الذين يلهجون بذكرها - حين يستريحون وحين يسرحون - ليثبتوا للناس أنهم بلغوا الحلم، وآنسوا من أنفسهم الرشد! وتأتي خطورة هذه المصطلحات والشعارات، من أن كل مصطلح أو شعار، مرتبط ارتباطا وثيقا بشجرته الفكرية التي يمثلها، ويتغذى منها، ويعيش عليها، وبالتالي فهو حينما يطرح للتداول في مجتمع جديد، لا بد أن يحمل معه رصيده وفلسفته وتاريخه ولا بد أن يلقي بظلاله وإيحاءاته وقيمه في هذا المجتمع الذي يحسن استقبال الوافد الجديد - بحكم تقاليد الضيافة العربية - ويخلي له البيت، ويرفع من طريقه العقبات، وإيثارا لمبدأ التسامح الديني الذي عرفنا به!! ونتنازل - بسماحة حاتم - عن مصطلحاتنا وشعاراتنا، ليخلوا الجو لضيف الثقيل، الذي يبيض ويفرخ، ويستوطن ويستعرب، وعلى المصطلح الإسلامي أن يغادر أرضه وبلاده، ليعيش لاجئا ذميا في بلد آخر، أو يكتفي أن يعيش في زاوية ميتة من زوايا التاريخ علما بأنهم يلاحقونه حتى في مثل هذه الزاوية، ويلبسونه لباسا جديدا، ويفسرونه تفسيرا مشوها حتى يفقد حرارته، ويخبو ضوءه، وتسكن إشعاعاته، ثم يضربون حوله ستارا حديديا يمنع الناس من الوصول إليه ويمنعه من أن يلقي إليهم بشهاب قبس أو جذوة من نار..

و تقوم المعركة داخل المجتمع، إذا شعر العقلاء بخطورة هذا المصطلح، حيث ينبهون الناس إلى حقيقته وأهدافه وأنه ليس صديقا زائرا، وإنما هو غازٍ، فاتح وعدو فاتك ..

و يستنجد بالمصطلح بالطابور الفكري الخامس، الذي يهب للوقوف إلى جانبه، ويشهر سلاحا آخر من المصطلحات والشعارات، فهؤلاء الذين يحاربون المصطلح الجديد: رجعيون!! برجوازيون!! خونة!! عملاء!! رأسماليون!! ديمانموجيون!! ثيوقراطيون!! إمبرياليون!! ..إلى هذا المسلسل الأجنبي ..!!

ويحفظ العوام والدهماء، و (البروليتاريا) هذه المصطلحات، من كثرة ترديدها، على مسامعهم، ويظنون أنهم إذا ما رددوها، قد صاروا في عداد العلماء، واجتازوا بذلك مرحلة الأمية، وأصبح بإمكانهم أن يتحدثوا للناس ويخطبوا في المجالس والاحتفالات، ويناقشوا في المراكز والمنتديات، ويقدموا لنا نظريات في بناء الدولة والمجتمع، ويقدوا الأمة بمفكريها وعقلائها إلى هذا الدرك الهابط والمستنقع الآسن، حيث يسود الجهل وينزوي العلم، وتنقلب القيم، وتختلط المفاهيم، فتضيع الحقائق وتنتشر الفوضى وينحل المجتمع، فيقتل الناس بعضهم بعضا، وتسود شريعة الغاب، فتطل الذئاب، وتنبح الكلاب وينعق البوم، ويسود الوجوم، ويسجل التاريخ نهاية أمة ..

... ومن هنا كان علينا أن ننتبه لخطر هذه المصطلحات فهي بمثابة الجسم الغريب الذي يدخل جسم الإنسان، فإما أن يطرحه على هذا الجسم، وإما أن يقتل هذا الجسم، أو يضعفه ويمرضه، وليس هناك حل وسط، ولا نستطيع نحن أن نقف في وجه هذه المصطلحات موقفا سلبيا فقط بل لابد من موقف إيجابي أيضا، بل هو الأصل الذي نعوِّل عليه، وهذا الموقف الإيجابي يعني أن نطرح مصطلحاتنا الإسلامية بقوة للتداول، ويفضل أن تكون المصطلحات مصطلحات قرآنية أولا قبل كل شيء، ذلك أن المصطلح القرآني، هو المصطلح الرباني الذي لا يوازيه أي مصطلح آخر من حيث الصياغة والمحتوى، أو من حيث الدقة والتحديد، أو من حيث الشيوع والذيوع، والاقتصار على المصطلح القرآني - إن وجد - يوفر علينا كثيرا من المشاكل التي تنتج عن المصطلحات الاجتهادية التي تختلف باختلاف المجتهدين والتي تؤدي إلى تعدد المصطلحات لمفهوم واحد، مما يضعف هذه المصطلحات، ويسلبها القوة والقدرة على الصمود في وجه المصطلحات الغربية، كما يؤدي إلى نوع من بلبلة في الأفكار واختلاط المفاهيم بين المسلمين أنفسهم..

و لا تزال أمتنا تعاني من كثير من المصطلحات - التاريخية - التي دخلت إلى تراثنا، ولم تكن مصطلحات قرآنية، مما أثار الخصومات والمعارك الكلامية التي قتلت وقت المسلمين، وشغلتهم عن الجهاد، وفرقتهم شيعا وطوائف، {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} .

وإذا أخذنا على سبيل المثال مصطلح (التصوف) .. هذا المصطلح الذي ليس قرآنيا والذي بدأ في العصر العباسي حينما أطلق على جماعة من الناس قاموا يحاربون الترف والنعيم الذي ساد الدولة العباسية، ويدعون إلى الزهد في هذه الدنيا الفانية.. ثم تطور ليعني طريقة في السلوك والتربية والأخلاق، ثم دخلته مفاهيم وأفكار هندية ونصرانية وأعجمية تخالف عقيدة الإسلام وأفكاره، ثم ليصبح بعد ذلك نظريات فلسفية تقول بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود.. ثم ليصبح طرقا متعددة لها أول وليس لها آخر، تملأ العالم الإسلامي، وكل واحدة منها تعتقد أنها الفرقة الناجية، وأن الحق لا يجاوزها، وتتهم غيرها بالانحراف والفسوق.. وعاش المسلمون فترة طويلة من تاريخها يتنابزون بالألقاب، ويأكل بعضهم لحم بعض وما تزال أثار هذه الحياة تلوِّن بعض أنحاء العالم الإسلامي..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت