لا شك أن الإعلام من أهم وأنفع وسائل الإصلاح وبناء الأخلاق، علاوة على ما يقوم به من إيصال المعلومات إلى الناس، ويجب أن تكون وسائل الإعلام في البلاد الإسلامية غير تابعة لوسائل الإعلام الغربي.. فلا تنشر ما لا يجوز نشره من أخبار مغرضة، أو تحقيقات صحفية ماجنة.. فما أروع الإعلام إذا كان إسلاميًا! متوخيًا خدمة الدين والمجتمع، عن طريق نشر ما يؤدي إلى التمسك بفضائل الدين الحنيف والتصدي للغزو الفكري الذي يعادي الإسلام والمسلمين.. وما أقبح الإعلام الذي لا يحترم أصول الدين، ولا يرعى حرمة الأخلاق، ولا يتقيد بشرع، ولا قانون إسلامي.. ولا يبالي بما أُصيب به المسلمون في أوطانهم من الأعداء المعتدين على الأخلاق، والمروجين للرذائل!! وما أقل نفع وسائل الإعلام في ديار المسلمين، إن هي ظلت تابعة للمنهج الإعلامي الغربي!!
إن القرآن الكريم -الذي أنزله الله تعالى على نبيّه، صلى الله عليه وسلم - فهدى به الناس منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، هو نفس القرآن الكريم الذي يهدي الإنسان في عصر الفضائيات، فالقرآن الكريم، هو كتاب الله تعالى، الذي أنزله لهداية البشرية، عبر المراحل التاريخية المختلفة.. ولا يمكن أن يدّعي إنسان عصر الفضائيات أن المحرّمات خاضعة للتطوير؛ لتصبح حلالًا مع الأيام.. فالحلال بيّن والحرام بيّن.. والمسلم الحق لا يملك إلا الانقياد لأمر الله تعالى في أي عصر من العصور
د. خالد بن عبد الله القاسم 4/3/1427
واجهت الثقافة الإسلامية تحديات عديدة متنوعة ومن أهمها:
أولًا: الغزو العسكري:
عانت الأمة الإسلامية من هجمات عسكرية ظالمة استهدفت وجودها وثقافتها منذ القدم ومن ذلك:
الحروب الصليبية الشرسة (490هـ - 691هـ) التي استهدفت الشام ومصر وأدت إلى انشغال الأمة بها قرنين من الزمان.
ثم الهجوم التترى على العراق والشام وإسقاط الخلاقة العباسية وتدمير الكتب وقتل العلماء في القرن السابع الهجري.
ثم الاستعمار الأوروبي للبلدان الإسلامية في القرنين الماضيين (1798م - 1962م) ومحاولته مسخ الثقافة الإسلامية واستنزاف خيرات الأمة.
وزامن ذلك الغزو الشيوعي على البلدان الإسلامية في آسيا الوسطى ونشر الإلحاد ثم غزو أفغانستان والشيشان واستباحة دماء المسلمين واستعمار بلدانهم ونهب خيراتهم.
وما نشاهده الآن من هجمة صهيونية شرسة زرعها الغرب (1)
في قلب العالم الإسلامي لشرذمة من اليهود اجتمعت من أنحاء العالم باختلاف لغاتهم وعرقياتهم في هجرات متتابعة بمساعدة غربية مباشرة حيث سلمت لهم بريطانيا الأمر في فلسطين، ثم دعمت الولايات المتحدة عدوانهم عسكريًا وماليًا وسياسيًّا في طرد الفلسطينيين من بلدهم ومصادرة أملاكهم ورفع الفيتو أمام العالم حتى لا تتم إدانة اعتداءاتهم المتكررة على المدنيين بل تجاوز العدوان على البلدان العربية الأخرى غير المجاورة، فتمثل في تدمير المفاعل النووي العراقي عام 1989م, وجرى الاعتداء على الفلسطينيين في تونس.
وكان هذا الجسم الصهيوني بالمساعدة الغربية عاملًا مهما في تأخر الأمة وإشغالها.
-وما جرى من احتلال لأكثر من بلد إسلامي بحجج وهمية فقد دمرت أفغانستان، وألقي على المدن والقرى آلاف الأطنان من القنابل، ومات آلاف الأبرياء، وحدث الأمر نفسه في العراق بحجج وجود أسلحة الدمار الشامل التي تبين أنها كذبة لاحتلال بلد إسلامي والسيطرة على خيراته وتهديد سائر البلدان الإسلامية التي لا تخضع لهم وزامن ذلك إصدار الأوامر للدول الإسلامية بضرورة التغيير الثقافي والمقصود منه تجفيف منابع الثقافة الإسلامية.
كما زامن ذلك محاربة الجمعيات الإسلامية الخيرية ورميها أيضًا بتهمة دعم الإرهاب (مع أنها أوضح وسائل ترابط المجتمع الأهلي الذي ينادون به في معظم الدول) ، وما ذاك إلا لمحاربة الإسلام، فتلك الجمعيات تدعوا إلى الإسلام وتكفل الأيتام وتقيم المستشفيات وتحفر الآبار وتعين الفقراء وتقيم المدارس وتصب في خدمة الإسلام والمسلمين وخدمة الثقافة الإسلامية.
وهذه التحديات لن تقضي على دين الله تعالى فقد أخبر المولى سبحانه ببقاء دينه وظهوره"هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ" [التوبة:33] وقال عليه الصلاة والسلام: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) (2) .
وإن من حكم المولى سبحانه أن تقع هذه التحديات عقوبة للمعرضين ليعودوا:"وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" [السجدة:21] . كما أنها بلاء للمؤمنين لرفعة الدرجات وتكفير السيئات"الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ" [العنكبوت:1-2] . وفيها تنقية للصف المسلم قال تعالى:"وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ" [العنكبوت:11] .
ثانيًا: الغزو الفكري:
وهو غزو غير مسلح غزو للأفكار والعقول، بعد أن أدرك الأعداء أن الغزو المسلح لا يكفي لإضعاف الثقافة الإسلامية، فعمدوا إلى غزو العقول والأفكار لتحقيق هدف عام وهو إضعاف الإسلام والمسلمين.
أ- وسائل الغزو الفكري:
1-الإعلام: استغل الغربيون والمستغربون وسائل الإعلام المختلفة لحرب الإسلام, حيث أصبح المدافع عن أرضه وبلده إرهابيًّا والمحتل مدافع عن نفسه، ونظرة سريعة إلى بعض وسائل الإعلام ترينا مدى البلاء الذي تصبه ليل نهار لتشويه صورة الإسلام والمسلمين والإساءة إلى معتقداتنا وشعائرنا وسلفنا وعلمائنا, سيل من الشبهات التي تشكك في الدين وأحكامه, وسيل آخر من الأفلام والتمثيليات والمسرحيات التي تتهكم بالإسلام, وتقوم بعرض نماذج من أنماط الحياة تضاد الإسلام في كل شيء, تمجد الجريمة, وتدعو إلى الفسق والفجور, وتنفر من الحياة المستقيمة الفاضلة, وتتهكم بالمسلمين والمسلمات, وتتخذ الدين هزوًا, وتعرض ما حرَّم الله: الرقص الفاضح, وشرب الخمر, والكذب والدجل, وقد أقامت للتافهين أسواق ضخمة في كل مكان باسم الفن (3) .
وقد ازداد خطر هذه الوسيلة مع انتشار الفضائيات، وتنامي الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) حيث نجد المواقع التي تثير الشبهات، وتشكك في العقائد، وتنشر المذاهب الباطلة.
2-الاستشراق: وهو دراسة الغربيين للشرق وعلومه وأديانه خاصة الإسلام لأهداف مختلفة (4) ، ومن أهمها تشويه الإسلام وإضعاف المسلمين.
ومن أهم نتاج المستشرقين في القرن العشرين دائرة المعارف الإسلامية التي صدرت بثلاث لغات: الإنجليزية والفرنسية والألمانية وصدرت في عدة طبعات وترجمت إلى عدة لغات وقد اشترك في تأليفها أكثر من 400 مستشرق وبلغت أكثر من 3000 مادة في أكثر من 10.000 صفحة احتوت على معلومات مهمة عن الشرق والإسلام بالذات، كما أنها اشتملت على شبه ومطاعن متفرقة حول القرآن والعقيدة والشريعة الإسلامية وأعلام المسلمين بلغت أكثر من (300) مطعن وانتقاص للعقيدة الإسلامية (5) .
وقد ملئت كتابات المستشرقين بالتعصب الصليبي باعتراف كثير من المستشرقين، يقول برنارد لويس:"لا تزال آثار التعصب الديني الغربي ظاهرة في مؤلفات العديد من العلماء المعاصرين ومستترة في الغالب وراء الحواشي المرصوصة في الأبحاث العلمية (6) ."