أيها الإخوة والأخوات في الإسلام: لقد بدأت محاولات الغزو الصليبي الحديث منذ القرن العاشر الهجري - السادس عشر الميلادي بعد أن طرد الأوروبيون الإسلام من الأندلس بعد معارك وحشية طويلة، بارك البابا الإنتصار الصليبي وشجع الصليبيون على متابعة المسلمين لطردهم من بقية بلاد الإسلام, يدفع إلى ذلك ذلك حقدهم الدفين على الإسلام والمسلمين ثم تبعتها الرحلات الاستكشافية تحت غطاء العلم، لأن المقصود من تلك الرحلات هو تطويق العالم الإسلامي آنذاك.
وقد صرح بذلك الرحالة فاسكوداجاما الذي استعان بالبحارة المسلم (ابن ماجد) الذي أَمَدّه بالمعلومات والخرائط وقاد معه سفينته نحو جُزر الهند الشرقية, قال ذلك الصليبي بعد إتمام الرحلة (الآن طوقنا رقبة الإسلام ولم يبق إلا جذب الحبل فيختنق ويموت) .
ثم تتابعت الرحلات الأخرى التي قام بها الصليبيون في العالم الإسلامي يدرسون مداخله ومخارجه هذه الرحلات التي ندرسها نحن على أنها من أعظم الرحلات وأنها كانت رحلات علمية، وتوالت الرحلات وبدأت معها السّرقات للأراضي الإسلامية، يجيئ الصليبيون إلى سلطان من سلاطين المسلمين فيلجئون إلى كرمه أو إلى غفلته فيطلبون منه مساعدة سفنهم التي ترسوا في مَرافئه, فيساعدهم بلا شك ثم يطلبون بعد ذلك قطعة أرض على الشاطئ ليقوموا بخدمة سفنهم إذا جاءت, فيعطيهم قطعة الأرض بمقتضى الكرم, وإذا استولوا عليها وصارت لهم نقطة ارتكاز على الشاطئ جاؤوا بالسفن المحملة بالجنود والسلاح, ولم تكن هذه هي الطريقة الوحيدة للغزو الصليبي، فقد استخدموا كل الوسائل التي تحقق لهم أهدافهم من غزو عسكري صريح إلى حملات تبشيرية تُمهد السبيل إلى استعمار تجاري ينقلب فيما بعد إلى استعمار كامل.
وبعد الثورة الصناعية في أوروبا تم للصليبين ما أرادوا، لأن الثورة الصناعية أدت إلى الإنتاج الكبير الذي زاد عن حاجيات الشعوب المنتجة, الشيء الذي أدى إلى البحث عن أسواق خارجية لتصريف المنتجات بالإضافة إلى أن الثورة دفعت إلى الحاجة الماسّة باستمرار للمواد الخامة وكانت تلك هي المنطلق للاستعمار الدولي وتكوين المستعمرات فاستعمرت البلاد الإسلامية وأخضعوا البلاد الإسلامية إلى الحكم الصليبي جهرة أو بواسطة عملائهم من الخونة, وظاهرة الاستعمار التي هي في الحقيقة امتداد للحملات الصليبية لاتحتاج إلى تفسير أو تحليل، فالحقد كما قلنا هو الذي يحملهم على ذلك كله، كما أخبر بذلك اللطيف الخبير في كتابه المُنزل ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، وقال تعالى: ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، وقال تعالى: ولايزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا، فهو مكر دائم، كامن في قلوبهم ضد الإسلام، لا يحتاج إلى دليل أكبر، فمجرد وجود الإسلام في الأرض كاف لتحريك ضغائن وباعث لهم على التحرك ضد المسلمين ليردوهم عن دينهم إن استطاعوا.
أيها الإخوة المسلمون: تم الاستعمار العسكري للبلاد الإسلامية وكان نصيب فرنسا وأسبانيا والبرتغال أن يتقاسموا بلدنا هذا المغرب وينعموا بخيراته ويتصرفوا في شئون البلاد رغم أن عهد الاستعمار كان يسمى بالحماية والتي يُقصد بها السيطرة على الشئون الخارجية والأمن والدفاع والإقتصاد مع بقاء مظهر من مظاهر الحكم المحلي ولكن هو استعمار في حد ذاته حيث كانت هناك معارك وقتل لأبناء البلاد ونفي وطرد لهم من بلادهم وكانت من نتائج الاستعمار الأوروبي لبلاد المسلمين:
1 -التجزئة واغتصاب الأراضي.
2 -التخلف الإقتصادي في البلاد المستعمرة.
3 -الإحتلال الفكري والإجتماعي.
والذي نريد أن نوضحه هذه المرة أن الإستعمار الأوروبي الصليبي في هذه الحملة الصليبية الحديثة لم يضع وقته عبثًا بعد أن تمكن من مراكز الحكم والتوجيه في بلاد المسلمين، بل شرع النصارى على الفور في تنفيذ خطتهم التي كانت تهدف بالأساس إلى أمرين أساسيين أحدهما: إنشاء جيل مجانس لهم في ثقافتهم ليسهل عليهم الاتصال به والتفاهم معه، والثاني وهو أخطر الأمرين جميعًا أن تخلوا الأجيال المقبلة من الدين ومن الثقافة الإسلامية ومن الحمية الدينية، وكان لابد لبلوغ هذا الهدف من إحداث إنقلاب جذري في حياة المسلمين يصادم المناهج الإسلامية في جملته الأساسية, وما كان لهذ الإنقلاب أن يبلغ مداه إلا في حراسة الجيوش الكافرة وعلى أيدي أئمة الكفر مباشرة.
ويمكن إيجاز العناصر المشتركة وراء هذا الإنقلاب في ثلاثة:
أولًا: الإنحلال الأخلاقي.
ثانيًا: الغزو الفكري بطرقه المتعددة.
ثالثًا: التربية الجديدة للطبقة البديلة.
فالانحلال الأخلاقي يتمثل في انحراف الناس عن الدين وعن أخلاق الإسلام والجري وراء مظاهر الحياة الخربة من إباحية وفتح لمقاهي الخمور ودور البِغاء, وكل ذلك ليتحرر الناس من قيود الدين والعرف، كما يركزوا على جانب المرأة وهي السلاح الأساسي في الغزو حيث أغروها بالحرية الكاذبة وشجعوها على السفور أو الأمر والتبرج والتعري والاختلاط الماجن وتقليد الكافرات في كل شيء بعد ذلك.
أما الغزو الفكري فقد امتد هذا الغزو في كل اتجاه, ودخل على المسلمين في أزياء خادعة وتحت دعاوى المدنية والتقدمية والتجديد، وقد تركزوا في شعب ثلاث كانت كلها شرًا ووبالًا على المسلمين، من حيث ظنوها تقدمًا ورقيًا أو زعموا لهم أعدائهم أنها كذلك سواء من الناحية التعليمية أو الثقافية أو التشريعية، فكانت أشبه بما وصف به القرآن الكريم دخان جهنم يشبه الثلاث، ونوعية تظليله للمكذبين انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب.
ففي الشعبة التعليمية وجد التعليم في المدارس الأجنبية فرصة ذهبية في ظل الاحتلال، الذي أطلق لغلاة المبشرين والقساوسة في وضع برامج التعليم لمدارسهم، وعاها المسلمون أول الأمر ثم ما لبثوا أن تدافعوا إلى تلك المدارس لأن الكفار جعلوها الوسيلة للرزق من ناحية, وللمكانة الاجتماعية من ناحية أخرى وكما تم السعي إلى محاربة المدارس الوطنية والاستيلاء عليها عن طريق رجاله الذين تولوا وضع المناهج الجديدة والسهر على تنفيذها وخدمة أغراضها القريبة والبعيدة.
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 1053)
محمد بن عبد الله الهبدان
الرياض
جامع العز بن عبد السلام
الخطبة الأولى
أعلن أحد أثرياء أمريكا وهو روكفلر عن تبرعه بمبلغ عشرة ملايين دولار لإنشاء متحف للآثار الفرعونية، يلحق به معهد لتخريج المتخصصين في هذا الفن!!
عشرة ملايين دولار ينفقها هذا الرجل الغربي على إحياء الآثار الفرعونية في بلاد الإسلام ـ في مصر ـ فما السر في ذلك؟ ما السر في الاهتمام الشديد من قبل الغرب بإحياء التراث القديم ـ وخاصة منها ما كان قبل الإسلام ـ!؟
ما السر في إثارة مثل هذه الأمور بين شعوب العالم الإسلامي وإعطاء تلك الأشياء الهالة العظيمة! والصورة الضخمة!؟
هل كان ذلك نابعا عن عفوية وحسن نية؟ أم كان نابعا عن محبة لما ينفع الأمة ويغير مسارها لما ينفعها!؟
بالطبع لا! كيف يكون عن حسن نية والله يقول: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120] .
كيف يكون عن عفوية والله يقول: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة:8] .