فهرس الكتاب

الصفحة 2172 من 3028

وقد أخرج الطبراني هذا الحديث وزاد في آخره - كما يقول ابن حجر في فتح الباري - فقال عبد الله: ما حفظت وصية شعيب إذًا، يعني قوله - تعالى - حكاية عن شعيب - عليه السلام - (( ومَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ) ) [ هود:88] .

ويقول الدكتور الفرماوي:

إن الإمام الطبري قال: لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التى خلقها الله عليها، بزيادة أو نقص ، التماسًا للحسن ، لا للزوج ولا لغيره ، كمن تكون مقرونة الحاجبين فتزيل ما بينهما، توهم البلج"حسن الطلعة"ومن تكون: لها سن زائدة فتقلعها، أو طويلة فتقطع منها، أو لحية، أو شارب أو عنفقة (1) ، فتزيلها بالنتف ، ومن يكون شعرها قصيرًا أو حقيرًا فتطوله أو تغرزه بشعر غيرها، فكل ذلك داخل في النهي ، وهو من تغيير خلق الله.

ثم يقول:"ويستثنى من ذلك: ما يحصل به الضرر والأذية، كمن تكون لها سن زائدة أو طويلة، تعوقها في الأكل ، أو إصبع زائدة تؤذيها وتؤلمها فيجوز ذلك."

ويشير المؤلف إلى ما يلي:

يرى الإمام النووي المتوفى سنة 676 هجرية (1277م) أنه إذا نبت للمرأة لحية أو شارب أو عنفقة، فلا يحرم إزالتها، بل يستحب.

يعقب ابن حجر المتوفى سنة 852 هجرية (1448م) على ما يراه النووي بقوله: وإطلاقه مقيد بإذن الزوج ، وعلمه ، وإلا فمتى خلا عن ذلك مُنع للتدليس ويقول في موضع آخر من فتح الباري: المذمومة من فعلت ذلك -أي عمليات التجميل - لأجل الحسن ، فلو احتاجت إلى ذلك لمداواة مثلًا جاز ..

يقول بعض الحنابلة: يجوز للمرأة الحف والتحمير، والنقش، والتطريف إذا كان بإذن الزوج لأنه من الزينة.

لماذا.. لماذا ؟:

قد يعترض البعض من الناس ويتساءلون: لماذا كان موقف التشريع الإسلامي على نحو ما سبق ذكره ؟ ولِمَ لا يترك للناس الحرية في مثل هذه الأمور الشخصية ؟ .

ويرد المؤلف على هؤلاء قائلًا: ونحن نخاف عليهم ونرجو لهم الخير، قال الإمام الخطابي: إنما ورد الوعيد الشديد في هذه الأشياء لما فيها من الغش والخداع ، ولو رُخص في شيء منها لكان وسيلة إلى استجازة غيرها من أنواع الغش ، ولما فيها من تغيير الخلقة.

كما يضاف إلى ذلك: أن فتح الباب للنساء - في هذه المبالغات - يؤدي إلى ارتمائهن في أحضان الغرائز الشهوانية والبعد تدريجيًا عن رسالتهن الإنسانية، التى خُلقن لأجلها، والانغماس في فضول الأعمال التى هي إلهاء عن الواجب الأساسي وهو عبادة الله - تعالى - بل عن الإيمان نفسه وبالضرورة: عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وهنا يفقد الإنسان"خيريته"التي خصه الله - تعالى بها - والتى تؤهله لقيادة هذا العالم الذي يتخبط ويقاسي من الحروب ويحاط بالرعب ، والذي هو في أمس الحاجة إلى قيادة حكيمة ، عاقلة، راشدة.

ولن تكون هذه القيادة للعالم إلا بتوجيه ممن خلق هذا العالم نفسه أو بإرشاد منه ، وبالتزام لمنهجه ، وتعاليمه ولا يتوافر كل ذلك أو بعض ذلك إلا في أمة محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .

ويمضي الدكتور الفرماوي قائلًا: أنه لو عمَّت هذه العمليات لكان الاعتراض الدائم على ما خلق الله -سبحانه وتعالى - والانشغال بتغييره عن الوظائف الحقيقية، والمهام الأساسية التي نيطت بالإنسان في هذا الكون ، ولصرفت المرأة بها عن الرغبة في الإنجاب، ولو أنجبت لصرفت عن التنشئة والتربية، حتى لا يحرمها هذا الإنجاب من الجمال أو تصرفها التنشئة وتشغلها عنه.

ولهذا فقد حرم الإسلام هذا النوع من عمليات التجميل ، وليس التشريع الإسلامى في هذا متجنيًا على المرأة ، أو مانعًا لها من شيء فيه مصلحتها وإنما ينبه المرأة دائمًا إلى أن الجمال الحقيقى في الخُلُق ، لا في الخلقة، وأن الجمال الدائم هو جمال الروح والأفعال والأقوال لا في الأشكال والهيئات ، وأن الذي ينبغي الحرص عليه: هو ما به يتحقق للمرأة إنسانيتها وكرامتها وحسن سيرتها، وهو جمال الخلق والطباع ، وأن الجري وراء هذه المحاولات المستمرة للبحث عن الجمال الشكلي الزائف لن يكسب الإنسان - امرأة كانت أو رجلًا - شيئًا يستحق الذكر، بل لم يكسبه في عصوره الغابرة سوى الانطلاق في طريق الشهوات والغرائز، الذي يشيع الفاحشة في المجتمع ثم ينتهي به إلى الانحلال والدمار والهلاك.

ويشير الكتاب في النهاية إلى أنه ما انتشرت هذه الأشياء في قوم وألفها الناس ، وأحبوها إلا كانت دليلًا على انشغالهم بالوسائل دون الغايات ، وعلامة بارزة على شيوع الفواحش والموبقات ، ونذيرًا إلى اضمحلال حضارتهم ، وطريقًا سريعًا إلى هلاكهم ودمارهم ، والتاريخ القديم والحديث يؤكد ذلك:

فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه البخاري ومسلم وأصحاب السنن لأصحابه ونساء أمته: »إنما هلك بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم« ، وهو نفس ما حدث للإمبراطورية الرومانية وللإمبراطورية الفارسية ولكثير من الحضارات الغابرة.

ويذكر المؤلف: أن فرنسا لم تهزم قريبًا إلا لانشغال رجالها ونسائها بالشهوات حين دخلتها جيوش الاحتلال !

ولأن الإسلام لا يحب للفرد المسلم الضياع ، فقد حرم عليه أن ينغمس في الشهوات ، أو ينشغل بما يهيج غرائزه ، حتى لا تتغلب شهواته على عقله ، وينفصل في واقعه الذي يعيشه عن التشريع الذي يحفظ عليه آدميته ويعلي من إنسانيته .

الهوامش:

1 -العُنفقة: الشعر النابت على ظاهر الشَّفَة السفلى .

عرض وتقديم:محمد عبد الرحمن آل الشيخ

الاهتمام بالقرآن وتفسيره مظهر من أهم مظاهر الاهتمام بالإسلام ، ومنذ عصر الإسلام الأول ومكتبة التفسير تزداد غنى وتضخمًا ، حتى أصبح القارئ اليوم يجد نفسه في حيرة أمام هذه الكتب ومناهجهًا ، فلا يكاد يسلم له اختيار ، ولا تستقيم له قراءة ، إذا لم يبذل جهدًا كبيرًا في اختيار الكتاب والكاتب ، من هذا المنطلق عنى جماعة من علماء المسلمين بأصول التفسير ومنهجه ، فكتبوا -عن التفسير وتاريخه ومراحل تطوره، وكتبوا عن المفسرين واتجاهاتهم وغاياتهم ، ليخلصوا بعد ذلك إلى منهج واضح في التعامل مع المفسرين في كتبهم،تعين القارئ المسلم في تناوله لكتب التفسير ، وتجعل أمامه معايير واضحة في القبول والرد لأي فكرة أو عبارة.

ويعد الشيخ الدكتور محمد حسين الذهبي - رحمه الله - واحدًا من علماء المسلمين الذين تخصصوا في التفسير وعلمه، فعاش مع الأولين والآخرين من خلال قراءته لكتبهم المطبوعة والمخطوطة ، ويكفي شاهدًا على مكانته في هذا المجال كتابه القيم"التفسير والمفسرون"، غير أن للشيخ كتيبًا آخر - وإن كان جزء كبير منه مأخوذًا من الكتاب الأول - يقع في حوالى مائة صفحة تحت عنوان:"الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن دوافعها ودفعها"، ومع صغر حجم الكتاب إلا أنه وفي الموضوع توفية جيدة ، وأبان فيه كثيرًا من أحوال الذين دخلوا عالم التفسير ولكن لم تسلم مؤلفاتهم من انحرافات وأخطاء ، ولا نعني بها الأخطاء الفردية الجانبية ، بل المنهجي منها ،حيث يلتزم المؤلف في تفسيره منهجًا غير سليم في تناول النصوص القرآنية يخالف أهل السنة.

والكتاب يقع في مقدمة وتسع مقالات ، تكلم في المقدمة عن تدرج التفسير ، وعن مبدأ ظهور الانحراف ، ثم في المقالات التسع: ذكر أحوال تسعة اتجاهات تناولت القرآن تناولًا فيه انحراف في جانب من جوانب منهجها.

المقدمة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت