وشاركت فيها شعوب أوربا - هذه الحملات ظلت حربا قائمة ومستمرة على الإسلام وأمته وعالمه قرنين من الزمان (489 - 690 هـ - 1096 - 1291 م) ..وفي أثنائها أقامت الصليبية مع الوثنية التترية حلفا ضد دار الإسلام؟!..ولما افتتح المسلمون قاعدة تجييش الجيوش ضد عالمهم - القسطنطينية (857 ه 1453 م) - صعد الجناح الغربي للنصرانية الغربية الضغط على الإسلام، فاقتلعوه من الأندلس (897 ه 1492 م) وبدأوا حرب القرون الخمسة، تلك التي بدأت بالالتفاف حول العالم الإسلامي، ثم الغزوة الاستعمارية الحديثة لقلبه، قبل قرنين من الزمان..وهي الغزوة التي التهمت أقطار الإسلام، وأسقطت خلافته، ومازالت تمارس الهيمنة والاستغلال لكل عالم الإسلام..
فهو تاريخ من الحرب الدائمة القائمة والمعلنة على عالم الإسلام، ذلك الذي جعل فقهاءنا يقسمون العالم إلى"دار إسلام"و"دار حرب"..أما الإسلام فأنه يريد لهذا العالم أن يكون:"دار إسلام"، و"دار دعوة"الإسلام.. وفي ظل نظام دولي وعالمي عادل، يصبح العالم بأسره في الرؤية الإسلامية،"دار عهد"، تحكم علاقات دوله وشعوبه وحضاراته"عهود ومواثيق"هذا النظام العالمي وآليات مؤسساته العالمية والدولية.. وتصبح الشعوب غير المسلمة"أهل عهد.. وأمة دعوة".. فيسقط تعبير"دار الحرب"، من رؤية الفقه الإسلامي للعلاقات الدولية، إذا طوى الآخرون صفحة الحرب التي أعلنوها على الإسلام.
أما"النظام العالمي"المعاصر، كما تجسده موازين القرى في"المؤسسات الدولية"، و"الممارسات الواقعية"، فإنه في الحقيقة:"نظام غربي"، يمثل"الطور المعاصر"للنظام الاستعماري الغربي الحديث، ويمارس الهيمنة والاستغلال ضد أمم وحضارات الجنوب، وفي مقدمتها الأمة الإسلامية..
إن"عالمية أي"نظام"لا يمكن أن تتحقق إلا إذا راعت مواثيقه ومؤسساته الخصوصيات الحضارية والعقدية والثقافية للأمم والحضارات المتميزة في هذا العالم."
و"المؤسسات الدولية"لا يمكن أن تكون (دولية) حقا إلا إذا راعت المصالح العادلة لمختلف الدول التي تتمتع بعضوية هذه المؤسسات..
تراعي ذلك في"التمثيل"بالمؤسسات - العامة والفرعية - .. وفي اتخاذ القرارات.. وفي حق الاعتراض على القرارات -"النقض .. الفيتو"-.. وفي معاير تطبيق"القرارات.. وفي توزيع العوائد المادية والثقافية والعلمية والفنية للمؤسسات والمنظمات الدولية المتخصصة.."
وبذلك وحده يكتسب"النظام"صفة"العالمية"حقا.. وتكون - مؤسسات هذا النظام، بحق، مؤسسات دولية..
ونحن نريد لعالمنا نظاما عالميا عادلا، يسعى لتحقيق التوازن - أي العدل - بين شعوب العالم وأممه وحضاراته.. ونعلم أن ذلك لن يتحقق بمجرد التمني ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سواء يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا النساء 123. وإنما طريقنا إليه إقامة النظام العربي والنظام الإسلامي الذي يجعل من أمتنا وإمكاناتها كتلة ذات وزن في مكونات هذا النظام.
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة
* ضرورة المعارضة
إن مجتمعات غير إسلامية قد ذهبت على درب (( حقوق الإنسان ) )إلى حيث أعطت هذا الإنسان (( الحق ) )في الاختلاف مع (( الدولة ) )و (( السلطة ) )و (( الولاة ) ).. وأعطته الحق في أن يسلك سبيل (( التنظيم ) )لدعم رؤيته المتميزة في شؤون المجتمع عن رؤى الآخرين .. فأقرت حق (( المعارضة الفردية ) )، وحق (( المعارضة الجماعية المنظمة ) )، فسادت فيها (( التعددية ) )بدلًا من (( الفردية والاستبداد ) )..
والمثال الذي نريد أن نضربه لتجاوز فكر الإسلام، في هذه القضية، إطار (( النظر ) )إلى ميدان (( التطبيق ) )، خاص بهذا الأمر .. أمر (( المعارضة ) )، فردية كانت هذه (( المعارضة ) )أم منظمة .. أي (( التعددية ) )في الرأي الفردي .. أو التعددية في (( التنظيم ) )... وهو مثال نختار أن يكون من عصر صدر الإسلام، لا لأنه هو العصر الذي تفرد بتطبيق فلسفة الإسلام في (( الضرورات الواجبة ) )لتحقيق احتياجات الإنسان، وإنما لأنه العصر الذي ينظر إليه الجميع على أنه (( السابقة الدستورية ) )التي يجب القياس على (( روحها ونهجها ) )في تطبيق النظريات والأفكار ..
إننا نعلم أنه إذا كان الاتفاق في الأصول وفي الغايات والمقاصد واردًا .. فإن الاتفاق في الفروع وفي المناهج والسبل يكاد يكون مستحيلًا .. فأين كان موقف التطبيق الإسلامي، على عصر صدر الإسلام، من (( المعارضة ) )كحق مشروع، بل كضرورة من الضرورات الطبيعية للإنسان؟! ..
واضح لمن يستقرئ تاريخنا أن المسلمين لم يختلفوا في (( الدين ) )، ولم تنشأ فرقة من الفرق الإسلامية الرئيسية بسبب الخلاف حول عقيدة من عقائد الدين ولا أصل من أصوله وإنما كانت السياسة وفلسفة نظام الحكم، ومنصب الخلافة، واختلاف المناهج في سياسة الأمة هي أسباب الخلاف، الذي أقام الفرق، وأنشأ الأحزاب، وأشعل الحروب والصراعات، على امتداد التاريخ الإسلامي واختلاف أقاليم المسلمين! ..
1 ـ فعقب وفاة الرسول (ص) اجتمع الأنصار، من الأوس والخزرج، في سقيفة بني ساعدة، لاختيار من يخلف الرسول في سياسة الناس ورئاسة الدولة، واتجهت أنظارهم إلى سعد بن عبادة (14هـ / 635م) زعيم الخزرج، والمتحدث باسم الأنصار، وأحد النقباء الاثنى عشر الذين بايعوا الرسول على تأسيس الدولة العربية الإسلامية الأولى، في بيعة العقبة، قبيل هجرة الرسول من مكة إلى المدينة، والمقاتل الذي حضر المشاهد والغزوات جميعها مع رسول الله (ص) ، تأسيسًا للدولة وحماية لحرية الدعوة للدين الجديد .. ويقينًا من الأنصار بأحقيتهم لهذا المنصب، لأن المدينة دارهم، وسيوفهم هي التي نهضت بالنصيب الأكبر في تأسيس الدولة وحماية الإسلام، بايعوا سعد بن عبادة ليخلف الرسول، عليه الصلاة والسلام، في قيادة الدولة وسياسة الناس.
لكن الخبر بلغ عمر بن الخطاب، فاستدعى أبا بكر الصديق، وصحبه على عجل إلى السقيفة، ولقيهما أبو عبيدة بن الجراح، فذهب معهما .. وهم قرشيون، ذوو مكانة قيادية في قريش، وسابقون إلى الإسلام، هاجروا إلى المدينة في سبيل الدين، وكانوا أعضاء في جامعة (المهاجرين الأولين) ، التي كانت أشبه ما تكون بحكومة المدينة على عهد الرسول! .. وفي السقيفة، واجه أبو بكر الأنصار، وعرض الرأي القائل: إن (( المهاجرين الأولين) هم الأحق والأجدر بمنصب الخلافة، فهم أسبق إلى الإسلام، وأقرب إلى نبيه، وهم قرشيون، وأقدر ـ لمكان قريش ومكانتها في العرب ـ أن تجتمع عليهم وترضى برئاستهم قبائل العرب، فتستمر وحدة العرب في دولة الإسلام . !