فهرس الكتاب

الصفحة 904 من 3028

-فالحضارة الإسلامية قامت بعملية (توفيق) ما بين الحكمة والشريعة، ولكن الحضارة الغربية تميزت بإخراج الدين من إطار العقل، كما أخرجت الدنيا والدولة وعلوم التمدن من إطار الدين.

-والحضارة الإسلامية ربطت بين الدين والدولة، والحاكم والمحكوم، والحضارة الغربية فصلت بين الدين والدولة في خصوصية حضارية فكانت العلمانية.

-الحضارة الإسلامية وفقت بين الفرد والمجموع في ربط متناسق، أما الحضارة الغربية فقد انحازت للفرد في (ليبرالية) واضحة.

-والحضارة الإسلامية ربطت الأعمال بالحكمة منها. والوسائل بأخلاقيات الغايات المبتغاة من ورائها. أما الحضارة الغربية، فكان اهتمامها قائمًا على اللذة والشهوة واللحظة. وكانت سياسة الحضارة الغربية تعني (بالميكيافيلية) (فن الممكن من الواقع بصرف النظر عن الأخلاق) .

-الحضارة الإسلامية وازنت بين سيادة الله وحاكميته، وبين سلطان الأمة وسلطاتها، في حين كانت الحضارة الغربية، تقوم على أن الإنسان سيد الكون، يفعل ما يشاء.

إذن وبكل تأكيد: هناك ما هو (مشترك إنساني عام) تأخذه الحضارات من بعضها وتساهم فيه كل حضارة بالعطاء المتجدد، الذي يزيده قوة وفائدة.

وهناك ما هو خصوصية حضارية، لا تقبل الحضارات الآخذة أن يكون ضمن المأخوذ، ونجد ذلك واضحًا في أعمال أوروبا الناهضة، فحينما ترجمت أعمال الفيلسوف المسلم ابن رشد، أخذت من هذه الأعمال ما يتصل بالفلسفة اليونانية، ورفضت أخذ ما هو خصوصية حضارية إسلامية.

فالرشيدة اللاتينية التي أخذتها أوروبا هي شروح ابن رشد على أرسطو حكيم اليونان، أما إبداع ابن رشد الفيلسوف المسلم، والمتكلم والقاضي، والفقيه، والذي تمثل في مؤلفاته: (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال) و (تهافت التهافت) و (مناهج الأدلة) ، فقد رفضته أوروبا رفضًا تامًا.

يقول الفريد جيوم: (إن علينا أن نضع حدًا فاصلًا بين ابن رشد كفيلسوف، وابن رشد كشارح لأرسطو) .

وإذا كانت الحضارة الغربية قد رفضت منذ البداية الرشدية الإسلامية ؛ كما تمثلت في مؤلفات ابن رشد الإبداعية، فإن الحضارة الغربية، قد فصلت أيضًا إضافات ابن رشد التي تخللت شروحه على أعمال أرسطو. ونهض بهذه المهمة القديس توما الاكويني (1225-1274م) ولذا نرى الجامعات الغربية تتبنى أرسطوا في ذات الوقت الذي تحرم فيه فكر ابن رشد، وتحكم بالكفر على مائتين وتسع عشرة مسألة، تمثل إضافات ابن رشد على الشروح التي قدمها لأعمال حكيم اليونان.

ومما لا يحتاج إلى بيان، أنه كلما استلهمت الحضارات (ما هو مشترك إنساني عام) كلما تقدمت الحضارات واستفادت وازدهرت، وانتشر الأمن.

التفاعل الحضاري

والتفاعل الحضاري ضرورة إنسانية، لا بد منها لقيام الحضارات، وتقدم الإنسان، في كل ما من شأنه أن يأخذ بيد الإنسان، ويشيع في المجتمعات الإنسانية السلام والأمن.

أما الانغلاق الحضاري، فهو قاتل للإنسان. والتبعية الحضارية هي الأخرى قاتلة لكل إبداع، ولا بد من حوار الحضارات. وإذا تأملنا في حال الأمة الإسلامية وجدنا أنها -من وجهة نظرنا- محاصرة بين غربتين: غربة زمان ، وغربة مكان.

أما غربة الزمان، فهي بُعْد الأمة عن ماض حضاري مشرق، لم تعد تربطها به عوامل الثقافة الفاعلة أو البانية.

وأما غربة المكان، فهي بعد الأمة عن وضع حضاري معاصر. تجهل عنه كل شيء. مما مثل فجوات حضارية كبرى، ليس من السهل على الأمة الإسلامية تجاوزها أو تجاهلها.

ولذلك كان لا بد لهذه الأمة، أن تعود إلى التفاعل الحضاري، وتستفيد من حضارات الإنسانية. ولا بد من خروج الأمة الإسلامية، من الاغتراب الزماني، والاغتراب المكاني، وذلك بالربط بين الواقع والثوابت الحضارة الإسلامية، وبين مصادر عوامل التقدم المعاصر.

وليس هناك من وسيلة للربط غير الدين، والعلم، والحياة، في إطار من حرية الفكر، وسياسة عقلانية للتقدم، وتسامح مستنير فإن فعلت الأمة ذلك، كان ذلك بداية في طريق حضاري.

والتقدم البشري في مختلف المراحل والمجالات، ليس إلا حصيلة الإبداع الفكري والتعاون، والاحتكاك بين المجتمعات.

ولا عيب أن نأخذ من حضارات الأمم ما يفيدنا. ولكن العيب أن نظل عالة على أمم الأرض، نأخذ منها ولا نعطي..

ويجدر أن ندرك أن الانغلاق ليس بالموقف اللائق بالعقلاء. ولا التبعية الحضارية بمفيدة، أو ملائمة لمن يمتلكون خصوصية حضارية إسلامية.

والعزلة الحضارية والجهل صنوان. كلاهما تخلف، وكلاهما حجاب يمنع وصول الضوء، وكلاهما عقبة كأداء في طريق التطور والتقدم.

ويكاد يكون مؤكدًا، أنه لا توجد حضارة قامت بذاتها، واكتفت بذاتها مستغنية عن غيرها. وإنما هي نتيجة تطور حضاري دائم، وتفاعل بين حضارات أخرى، تفاعلت هي بدورها وغيرها من الحضارات في الزمان والمكان.

والنمو الحضاري إنما يعتمد على التجارب الحضارية الأخرى. وكلما ازدادت فرص الالتقاء والتفاعل بين الحضارات، ازدادت فرص الحياة والنمو والاكتساب والتعلم.

والأمة الإسلامية وهي تتطلع إلى مستقبل مشرق، لا بد وأن تخوض معركة بناء الذات وتجديدها، مسوقة بقيم وأفكار ومواريث لها في وعيها فاعليتها القوية.

ولا يخفى أن الأمة الإسلامية تملك رصيدًا ضخما من القيم الهادفة وتوجيهات الإسلام وهذه القيم كفيلة عند استثمارها، بأن تجعل الأمة الإسلامية في وضع، يسمح لها بأن تنمي فلسفتها الحضارية الإنسانية، وتتسابق مع أمم الأرض في بناء حضارة إنسانية. ومما هو معروف أنه ليس كل عمل يصدر من الإنسان يسهم في الحضارة الإنسانية. وإنما ذلك العمل الذي ينمي الحضارة، وينطلق من الإنسان للإنسان

الصراع بين الأحياء من طبيعة الحياة، وقد ثبت بالتجربة، أنه أمر لا بد من وقوعه بين الناس، مهما ارتقت أفكارهم، أو تقدمت وتطورت معارفهم وحضارتهم، والدليل الواضح على ذلك، ما يقع بين الأمم من الحروب العالمية، وهذا التسابق المحموم في أسلحة الفتك والدمار والخراب، رغم ما توصلوا إليه من العلم والحضارة المادية، والتقدم.

فالحرب لا يمكن أن تزول من الدنيا، أو تخف حدتها، أو تحصر ويلاتها، ذلك أنها بكل ما فيها من مرارة وآلام، وبكل ما تنطوي عليه من قسوة، وبطش، وإخلال بالأمن والسلام، سر من أسرار الحياة، وجوهر من جواهرها.. لأن الحياة هي الحركة، والحركة هي التي تحوِّل المادة وتغيرها، بما تحدثه من احتكاك وصدام، وصراع مستمر..

إن كل ما في الكون، من عناصر مركبة، أو بسيطة في كفاح مستمر، بين أجزائه المختلفة. . فالماء، والهواء، والحرارة، وبقية العناصر، كلها في حرب دائمة. . ومن هذه الحرب تنشأ جميع الظواهر الطبيعية والجغرافية، التي تؤلف مسرح الحياة.

فالرياح، والعواصف، والسحب، والبروق، والرعود، والصواعق، والسيول، والأمطار، والزلازل، والبراكين. . هي مظهر هذا القتال، فما من ذرة من ذرات الكون إلا ويجري فيها هذا الصراع.

وحسبك أن تنظر إلى قطرة من الماء من خلال مجهر، أو ترى قطرة من الدم لترى فيها جيوشًا جرارة، في كر، وفر، وإقبال،وإدبار، يلتهم بعضها البعض الآخر، بعد أن يصرعه..

فإذا شئت أن ترى ذلك مكبرًا بالعين المجردة، فما عليك إلا أن تلقي بنظرة على الغابة، حيث تغص بالحيوانات الكاسرة، والطيور الجارحة، التي لا تنفك في حرب متواصلة، لا تفتر لحظة، أو تهدأ، ابتداء من الدودة الصغيرة، إلى الفيل الضخم. . ولو نظرت إلى قاع المحيط، لوجدت مثل ذلك جيوشا لا يدركها الحصر، تتباغى وتتقاتل وتتصارع حول الحياة والموت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت