فهرس الكتاب

الصفحة 1842 من 3028

سعد البريك

كنت أود الاستمرار في الكتابة والتحذير وتسليط الضوء على الانحراف الفكري بنوعيه الإفراط والتفريط لما لهما من خطورة كبيرة على الدين والوطن والمواطنين لا تخفى ، لكني وجدت نفسي مضطرًا للكتابة في موضوع تربوي هام أرى أن آثاره البعيدة وتفاعلاته المستقبلية التي قد لا تكون محمودة في كل الاتجاهات .

وبين يديَّ صورة من قرار وزارة التربية والتعليم ، بالسماح للمدارس الأهلية بنين وبنات بتطبيق البرامج التعليمية الدولية والتي تختلف عن منهج التعليم الحكومي إما في المحتوى أو في الطريقة أو في لغة التعليم .

ونصحًا لله ورسوله وكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم ألفت إلى خطورة هذا القرار وما له من أثر سلبي في جوانب مهمة وخطيرة .

لكني قبل ذلك أرى لزامًا استدعاء ثوابت الثقة وتاريخ العطاء ودلائل الصدق وجلالة المنزلة للمخلصين من رجال هذا الوطن ، الذين استحسنوا هذا القرار ورجوا المصلحة للوطن وأبنائه فيه ، حتى لا يندس بين الصفوف مرتزق يفرح بالحوار حول هذا الأمر ليجعله شرخًا في حصن الأخوة ومسمارًا في نعش الفرقة .

أول هذه الآثار السلبية: إتاحة المجال لتدريس اللغة الأجنبية على نطاق واسع لا ينسجم مع روح النظام ، حيث ورد في المادة 24 من الباب الأول من سياسة التعليم التي اعتمدها مجلس الوزراء في 16 / 9 / 1389 هـ ، ما نصه: (اللغة العربية هي لغة التعليم في كافة مواده وجميع مراحله إلا ما اقتضت الضرورة تعليمه بلغة أخرى) .

فأين الضرورة الداعية والمقتضية للسماح للمدارس الأهلية بالتعليم بلغات أخرى ؟.

ونصت لائحة التعليم الأهلي التي صدرت عام 1395هـ ، على إلزام المدارس الأهلية بتدريس المناهج الحكومية ولها حق إضافة برامج تعليمية أخرى لكن مع الالتزام باللغة العربية لغةً للتعليم .

وجاء في المادة الأولى من لائحة المدارس الأجنبية الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم 26 بتاريخ 4 / 2 / 1418 هـ ، المستند على قرار مجلس الشورى رقم 32/34/17 بتاريخ 12/8/1417 ما يلي: ( المدارس الأجنبية هي المدارس التي تطبق مناهج تعليمية غير المناهج السعودية ) .

وتنصّ المادة 13 من اللائحة أعلاه على أن: ( تقوم كل مدرسة أجنبية بتدريس مادة لتعليم مبادئ اللغة العربية والحضارة الإسلامية وتاريخ المملكة وجغرافيتها بما لا يقل عن ساعة واحدة في الأسبوع ) .

وهنا سؤال كبير: ألا يعني قرار السماح بتطبيق مناهج أجنبية في المدارس الأهلية تحويل تلك المدارس إلى مدارس أجنبية ؟.

ثم ألا يعني انتشار تلك المدارس على نطاق واسع ووجود نسبة كبيرة من الطلاب فيها إحداث تغيير فكري وثقافي هائل في المجتمع فضلًا عن أنه يتعارض مع سياسة الدولة في منع الطلبة السعوديين من دخول المدارس الأجنبية ؟.

فعلى الرغم من السماح بافتتاح المدارس الأجنبية إلا أن الدولة منعت الطلاب السعوديين من الالتحاق بها إلا ما اقتضته الضرورة وبموافقة معالي وزير التربية والتعليم . جاء في المادة الخامسة من لائحة المدارس الأجنبية المذكورة أعلاها: ( لا يجوز قبول الطلاب السعوديين في المدارس الأجنبية عدا من تقتضي الضرورة التحاقهم فيها من الطلاب القادمين من الخارج الذين لا تمكنهم ظروفهم الدراسية من الالتحاق بالمدارس السعودية على أن يتم ذلك بموافقة الوزير على قبولهم مدة تحددها ظروف كل طالب في كل سنة ) .

فهل صدر مرسوم أو قرار يلغي ذلك حتى نسمح بتحويل المدارس الأهلية إلى مدارس أجنبية ؟ .

وما هي الفائدة من وجود مثل هذه المادة في النظام إذًا ؟.

وهل يلزم موافقة معالي وزير التربية والتعليم على التحاق الطلبة السعوديين بالمدارس الأهلية التي تطبق مناهج أجنبية كون هذه المدارس أصبحت مدارس أجنبية بكل معنى الكلمة ؟.

كما أنه لا يخفى خطورة هذا القرار على الوطنية والانتماء وإمكانية اختراق فئات من طبقات المجتمع المتميزة من خلال ارتباطهم بمدارس أجنبية ...

ذكرت في مقالي السابق شيئًا مما بدا لي من الآثار السلبية لقرار وزارة التربية والتعليم بالسماح بتطبيق برامج التعليم الدولية في المدارس الأهلية ، وأشرت إلى أنه ينبغي ألا يفهم مقالي على أنه انتقاص أو حط من قدر من عرفوا بإخلاصهم وحرصهم من رجال الوطن النبلاء الفضلاء ، لئلا يندس في الصفوف من يحاول دق إسفين الفرقة .

وتوقفت عند نقطة في غاية الأهمية وعليها مدار الكلام حيث بينت أنه لا يخفى خطورة هذا القرار على الوطنية والانتماء وإمكانية اختراق فئات من طبقات المجتمع المتميزة من خلال ارتباطهم بمدارس أجنبية ...

وأتابع الآن فأقول: ربما تجد بعض الجهات فرصة لتعزيز ارتباطها بخلايا يتم تكوينها في مدارس أهلية مصرحة تدرس بلغات البلاد التابعة لها ، من خلال دعم أشخاص لتأسيس مدارس أهلية متميزة وتنتقي المعلمين وترتبط معهم في ظل عجز الوزارة عن الرقابة الكاملة على المعلمين الذين يدرسون باللغات الأخرى ، وإذا كانت الوزارة تشكو من بعض المعلمين أبناء الوطن وعدم القدرة على ضبط تفلتهم عن المنهج ، فكيف ستستطيع ممارسة الضبط والرقابة على هذه المدارس التي تدرس بلغات متنوعة ؟.

هذا فضلًا عما يتوقع من تدني مستوى اللغة العربية لدى طلاب المدارس التي تطبق البرامج الأجنبية ، فإذا كان المتخصصون في مجال التربية يشكون من ضعف الإلمام باللغة العربية لدى الطلاب الذين يتلقون تعليمهم كله بالعربية فكيف بالطلاب الذين لا يدرسون هذه اللغة سوى ساعتين أو ثلاث في الأسبوع ؟.

وهل سيعينهم ضعفهم باللغة العربية على الإلمام الجيد بالقرآن وعلومه والسنة وعلومها وأدب وتراث المسلمين ؟.

وهل من المتوقع أن يبرع الطلاب في اللغات الأجنبية بينما لم يتمكن كثير منهم من الوصول إلى المستوى المطلوب في لغتهم الأم ؟.

وإذا أخذنا بالاعتبار مكانة المملكة وخصوصيتها باحتضان الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين ومهد الإسلام ومهبط الوحي ، فإن هذا يحتم التمسك بلغة القرآن والسنة سيما وأننا قدوة للشعوب الإسلامية ، فماذا سيكون موقفها إن تخلينا عن لغتنا الأصيلة لتدريس لغات أجنبية بينما تتمسك هذه الشعوب بلغاتها الأم ؟.

وكيف يسوغ التخلي عن لغة الوحي المعصوم بحجة التطوير والتحديث في الوقت الذي تتمسك فيه كل دول العالم بتدريس مناهجها بلغاتها الأم حتى دولة الاحتلال الصهيوني في فلسطين تدرس بلغتها القومية في كافة المراحل

الدراسية حتى في التعليم الجامعي وفي العلوم الطبية وغيرها . فهل اللغة العربية أقل جدارة وأهون على أهلها من اللغة العبرية التي يبذل اليهود ما بوسعهم لبعثها وإحيائها ونحن نفرط بلغتنا؟.

يأتي هذا القرار في الوقت الذي لم يظهر فيه أي دليل يثبت أن اللغة العربية كانت عقبة في تطور التعليم وتقدمه ، بل أثبتت الدراسات اللغوية أن اللغة العربية هي إحدى اللغات الثلاث الرئيسية في العالم وأكثرها عبقرية ، ومن أقدر لغات العالم على استيعاب العلوم بشتى فروعها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت