فهرس الكتاب

الصفحة 1841 من 3028

ــــ ومن جناية هؤلاء: أنهم زجوا الأمة في معارك جانبية لمواجهتهم ، فانشغلت بنفسها عن مواجهة استحقاقاتها المصيرية ، وانضاف إلى أعبائها أعباءًا جديدة، وإلى مشاكلها مشاكل أخرى ، وصُرِفت عن مواجهة التحديات المصيرية التي تهددها، واختلطت الأوراق، وتبددت الاهتمامات عما هو أولى بالمعالجة.

فبدلًا من أن يمضي الدعاة في مشروع تعريف العالم بالإسلام خصوصًا بعد الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم ومهاجمة الإسلام واتهامه بالتطرف والوحشية ، فإنهم وجدوا أنفسهم مضطرين للانكفاء والالتفات نحو الداخل لمعالجة أسس وجذور هذا الخلل الفكري بشقيه .

ـــ ومن جنايتهم: إعطاء الذريعة للمتربصين بالوطن للانقضاض عليه .

فالتغريبيون من خلال اتهامهم للمناهج وللدعوة بأنها تربي على الحقد والكراهية وتحض على العنف أعطوا الذريعة لأعدائنا للتدخل في شؤوننا بشكل أكبر ، ففتحوا أبواقهم الاعلامية لمهاجمتنا ومحاصرة منابع الخير والدعوة .

والتكفيريون بأفعالهم المرفوضة يؤكدون ما يكتبه التغريبيون ، فهذا يكتب بقلمه ، وذاك يؤكد بأفعاله !!.وبين هؤلاء وأولئك وقف أهل الوسطية ينافحون عن الدعوة ومحاضن الخير ويدافعون عن المكتسبات والانجازات .

ـــ ومن ثمرات أفعالهم ، أن تحول المجرم بريئًا والبريء مجرمًا ، فقد كان بوش أثناء ترشحه للانتخابات الرئاسية لفترة ثانية على وشك الهزيمة لكن أعمال القتل والتفجير وخطابات ابن لادن التهديدية ، وبيانات الظواهري النارية ، مكنت بوش من إقناع شعبه بأن الإرهاب لا زال يهدد أمريكا وأن ما يقوم به من مجازر دموية في العراق وأفغانستان له ما يبرره ، وأن دعمه للغاصب اليهودي الذي أهلك الحرث والنسل ، إنما هو في سياق الحرب على الإرهاب ، الأمر الذي رفع أسهمه وزاد من شعبيته ومكنه من الفوز بولاية ثانية حافلة بالقتل والتعذيب والتسلط على المسلمين وبلدانهم .

وكان بلير العدو الثاني بعد بوش يصارع لأجل البقاء فنصروه من خلال عملية القطارات التي جعلت شعبيته ترتفع خلال ساعات .

أما التغريبيون فإنهم يحمَّلون الإسلام والمسلمين مسؤولية ما يصيب الأمة من نكبات ، ولا يرضى أحدهم الكلام في أمريكا أو توجيه اللوم لها . فأمريكا دولة تنشر السلام ، وترعى الأمن الدولي وتسهر على تطبيق النظام العالمي .

وما تفعله من جرائم في أفغانستان والعراق وتغطيتها جرائم اليهود في فلسطين وتأييدها لما يجري في الصومال ، إنما هو ـــ عند هؤلاء ـــ لنشر السلام وتحقيق العدل !!.

ـــ وكلا الفريقين يعمل على استدراج أمريكا إلى الوطن:

فالتغريبيون يعملون على ذلك من خلال تسويقهم للعولمة ـــ والتي هي أمركة في حقيقتها ـــ كما صرح بذلك أحدهم في مقال بقوله: ''لا يوجد هناك شيء يسمى الغزو الفكري: إنها العولمة!!..''. والغزو الفكري مقدمة للغزو العسكري وتوطئة له .

ويعملون على توظيف أحداث العنف والتطرف في استعداء الدول الأجنبية وتأليبها على المجتمع من خلال إعطاء تفسيرات مغلوطة لأسباب التطرف والغلو، كاتهام العلماء والدعاة ودور تحفيظ القرآن الكريم والجامعات، بل ومناهج التعليم في مسايرة واضحة للدول العلمانية الغربية لتحقيق طموحاتها المعلنة في توظيف هذه الأحداث لفرض أجندة سياسية باسم الإصلاح، تخدم في العمق أهدافًا استراتيجية تعيد بها بناء الشعوب وفق القالب العلماني المتطرف. ولا أظن أن علمانيًا واحدًا - حتى ولو كان ذا خلفية سطحية من الناحية السياسية - يخفى عليه خطورة هذا الأمر على بلاده ومجتمعه ووحدة وطنه، كما لا يخفى على كل معني بهذا الشأن أن هذه الملامح تفضي في النهاية إلى تأليب العدو على القيادة السياسية نفسها .

أما الطرف المنحرف الآخر ، وهم التكفيريون ، فلم تعد تصريحاتهم بأنهم يعملون على استدراج أمريكا إلى المملكة بخافية ، وبينوا كما في المقابلات المتلفزة التي أجريت مع بعضهم أنهم يستهدفون منشآت النفط في المملكة لاستفزاز أمريكا والإيحاء لها بأن منابع النفط مهددة ، فتضطر إلى التدخل عسكريًا لحمايتها ، ويسهل حينئذ على التكفيريين مهاجمة هذه القوات !!.

وهنا نتساءل: هل يعرف هؤلاء شيئًا اسمه المصالح والمفاسد ؟.

ما الذي سوغ لهم التفكير باستدراج العدو ليحتل بلادهم ليقاتلوه ؟.

الواضح أنها مؤامرة انطلت عليهم من قبل جهات أقنعتهم بأن هذا هو السبيل الوحيد لاستدراج أمريكا ، بينما تسعى تلك الجهات إلى إضعاف المملكة من جراء مثل هذه الأفعال .

ـــ وهم في كل ذلك يتبعون سياسة التدرج: فحين تسأل التغريبي عن مشروعه في الإصلاح، يجيبك بأن منهجه عقلاني لإيجاد الحلول لمشكلات المجتمع في إطار احترام الإسلام. كما حاول أحدهم بيان ذلك في مقال بعنوان:'' العلمانية والدين''.

وهذا مكر وتدرج مرحلي ، فالمشروع التغريبي لم يكن في يوم من الأيام على هذا النحو ، وإنما تحت الضغط الشديد الذي يعيشه العلمانيون- إذ عجزوا عن اختراق المجتمع بالفكر العلماني كما هو-اضطروا إلى تقديم العلمانية للمجتمع على هذا النحو (المجزئ المقزم) ، لإيجاد مدخل مناسب وآمن يمكّنهم في المراحل اللاحقة من طرح أفكارهم بجرأة أكبر.. لكنّ المتتبع لتحركات العلمانيين على الصعيد الفكري والاجتماعي والسياسي، يدرك أن ملامح الأسلوب النقدي وطرح البدائل والحلول، وكذلك الارتباط السياسي المباشر وغير المباشر بدوائر العلمانية المشبوهة، كل هذه الملامح هي ملامح علمانية صرفة تجّسد تناقضًا واضحًا للثوابت العقدية والأصول الدينية، وتروّج للرذيلة والانحلال، وتمهّد لبيع البلاد والعباد بوعي أو بغير وعي.

لكنهم في الآونة الأخيرة كشفوا المستور وصرحوا بمصادمة مشروعهم للإسلام . فقد ورد في موقع دار الندوة الليبرالي السؤال التالي: هل هناك علاقة بين الإسلام والليبرالية ؟. فكان الجواب ما نصه: أعتقد أن البون شاسع بينهما ... فالإسلام يحمل في مسلماته ما يناقض مسلمات الليبرالية... طبعًا الإسلام في أصله الخام ( قرآن وسنة ) فهناك احتقار وترويج لأساطير تزدري أصحاب العقائد المخالفة... وفي السنة أحاديث لا تفي بالحد الأدنى من الانسانية !!.

بل جاهروا بذلك من خلال بعض وسائل الإعلام . يقول أحد المذيعين في MBC FM أنه استفاد من الانفتاح الكبير الذي شهده الإعلام السعودي مؤخرًا في إنجاح برنامجه، حيث صار يطرح مواضيع أكثر جرأة وأكثر قربًا من قلوب ومشاكل المستمعين، وأضاف"أتاح الانفتاح والحرية التي شهدها الإعلام السعودي طرح مواضيع جديدة كانت محرمة في السابق، كقيادة المرأة للسيارة وعلاقات الحب والمواعدة وغيرها من الأمور التي تمس المجتمع". والمقابلة منشورة في موقع MBC FM.

وبنفس مبدأ التدرج سار التكفيريون لتحقيق أهدافهم . فكان تبريرهم في بداية أعمالهم التفجيرية هو إخراج المشركين من جزيرة العرب مستدلين بحديث:"أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"، على الرغم من أن الحديث لا يدل صراحة ولا دلالة على جواز قتل المعاهدين والمستأمنين من غير المسلمين كما بين ذلك أهل العلم والتحقيق .

ثم انتقلوا بعد ذلك إلى استهداف المجامعات السكنية التي يقطنها مسلمون وغير مسلمين ، ثم استهدفوا رجال الأمن ، ثم حالوا استهداف المنشآت النفطية والمصالح الاقتصادية!!.

وبين هؤلاء وأولئك يبقى أهل الوسطية والاعتدال ، أهل السنة والجماعة ، ينافحون ويكافحون حفظًا للمسيرة من التعثر ، وصيانة للسفينة من أن تخرقها يد العبث المتطرفة .

والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت