وتقوم وسائل الإعلام في الشرق والغرب بتصوير الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي بالتطرف والتشدد والجمود والرجعية والتعصب والإرهاب وكل ما في القاموس من ألفاظ من هذا القبيل . ويعمل الغرب والشرق مجتمعين على ألا تقوم للإسلام قائمة مرة أخرى، وهذا هدف لا خلاف عليه بين كلا المعسكرين، ولكن المسلمين لا يدركون هذه الحقيقة إدراكًا تامًا .
وتتجه الجهود إلى تحويل أنظار المسلمين إلى أن طريق الخلاص هو في اتباع سبيل الغرب العلماني. ولهذا تنطلق الدعوة من جانب بعض المستشرقين إلى إصلاح الإسلام . فالإسلام في زعمهم دين جامد لم يعد مسايرًا لروح العصر. ومن أجل ذلك فهو في حاجة إلى إصلاح جذري. وفي ذلك يقول ( ك. كراج K.Cragg ) رئيس تحرير مجلة العالم الإسلامي:
( إن على الإسلام إمّا أن يعتمد تغييرًا جذريًا فيه أو أن يتخلى عن مسايرة الحياة) (111) .
هذه دعوة يوجهها إلى المسلمين غريب عنهم بشأن ما ينبغي عليهم أن يفعلوه في دينهم، وهذا الإصلاح المزعوم يمثل محاولة تغيير وجهة نظر المسلم عن الإسلام، وجعل الإسلام أقرب إلى النصرانية بقدر الإمكان .
ولعله من نافلة القول أن نشير هنا إلى إن الإسلام يشتمل على أصول لا يملك أحد أن يغير فيها شيئًا ، وهي عقائد الإسلام الأساسية، ويشتمل على فروع وهي قابلة للتغيير حسب المصلحة الإسلامية، وان الإصلاح الذي نفهمه نحن المسلمين هو إصلاح للفكر الإسلامي الذي هو في حاجة إلى المراجعة المستمرة حتى يتلاءم مع متطلبات العصر وحاجات الأمة في إطار التعاليم الإسلامية. ويعبر الداعية الإسلامي الكبير الشيخ محمد الغزالي عن ذلك بأنه ( مراجعة لا رجوع ) .
ولكن الدعوة إلى الإسلام أو تحديثه كما يقال أحيانًا ليست بهذا المفهوم، وإنما هي عبارة عن تفريغ الإسلام من مضمونه وعزله كلية عن تنظيم أمور المجتمع، وجعله مجرد تعاليم خلقية شأنه في ذلك شأن الديانة النصرانية .
ويتورط بعض من أبناء المسلمين في حمل لواء الدعوة إلى إصلاح الإسلام كما يفهمه المستشرقون . ومن أحدث الكتب في هذا الشأن كتاب صدر في ألمانيا الغربية منذ عامين ( عام 1981م) بعنوان: (أزمة الإسلام الحديث ) لمؤلف عربي مسلم ـ يعمل أستاذًا في إحدى الجامعات الألمانية ـ يدعو فيه بحماس إلى الأخذ بالأنموذج الغربي في الإصلاح المتمثل في جعل الدين مجرد تعاليم خلقية لا تكاليف إلزامية، فذلك في نظره هو الحل الوحيد لأزمة الإسلام وبذلك يتم إبعاد الدين كلية عن التدخل في شؤون الحياة حسب الأنموذج العلماني الغربي .
وهكذا نوفر نحن أبناء المسلمين على المستشرقين والمنصرين بذل الجهد في هذا السبيل ونتولى نحن الدعوة إلى تحقيق الأهداف التي عاشوا قرونًا طويلة يعملون من أجلها دون جدوى .
وقد وصل الأمر في بعض البلاد الإسلامية العلمانية إلى معاملة الفكر الإسلامي معاملة الفكر الماركسي من حيث كونهما خطرًا تجب مكافحته وتعقب الداعين إليه.
وقد قام الاستعمار بالتخطيط المدروس لإضعاف العالم الإسلامي وإبعاده عن مقوماته الإسلامية، ومنع أية محاولة لجمع شمل المسلمين مرة أخرى، ووجد الاستعمار من بين أبناء العالم الإسلامي أناسًا ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا أدوات لتحقيق أهدافه . ونحن لا نلقي هنا القول على عواهنه، وإنما هذا ما تنطق به الوثائق السرية الاستعمارية نفسها. فقد جاء في تقرير وزير المستعمرات البريطاني ( أورمسبي غو ) لرئيس حكومته بتاريخ 9 يناير ( كانون الثاني ) 1938م ما يأتي:
( إن الحرب علمتنا أن الوحدة الإسلامية هي الخطر الأعظم الذي ينبغي على الإمبراطورية أن تحذره وتحاربه، وليس الإمبراطورية وحدها، بل فرنسا أيضًا، ولفرحتنا فقد ذهبت الخلافة، وأتمنى أن تكون إلى غير رجعة .
إن سياستنا الموالية للعرب في الحرب العظمى ( يعني الأولى) لم تكن مجرد نتائج لمتطلبات ( تكتيكية) ضد القوات التركية، بل كانت مخططة أيضًا لفصل السيطرة على المدينتين المقدستين مكة ، والمدينة عن الخلافة العثمانية التي كانت قائمة آنذاك .
ولسعادتنا فإن كمال أتاتورك لم يضع تركيا في مسار قومي علماني فقط، بل ادخل إصلاحات بعيدة الأثر، أدت بالفعل إلى نقص معالم تركيا الإسلام
السنة النبوية هي الأصل الثاني للإسلام. وقد أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبلغ رسالته إلى الناس في قوله تعالى:
(يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك .. ) ( المائدة: 67 )
ولكن الأمر لم يكن مجرد تبليغ آلي، وإنما هو تبليغ مصحوب بالتبيين ، كما ورد في قوله تعالى:
( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم .. )
( النحل: 44) . وفي قوله تعالى:
( وما أنزلنا عليك الكتاب إلاّ لتبين لهم الذي اختلفوا فيه .. ) ( النحل: 64) .
وقد فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ما أمره الله به ، فكانت سنته المتمثلة في أقواله وأفعاله وتقريراته للقرآن بمثابة ( تفصيل مجمله وبيان مشكله وبسط مختصره ) (112) . وبذلك يكون الارتباط بين القرآن والسنة ارتباطًا لا يتصور أن ينفصم في يوم من الأيام. وقد نبّه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: ( تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي )
(113) . ومن اجل ذلك اهتم المسلمون اهتمامًا عظيمًا بالسنة بوصفها الأصل الثاني للإسلام. وقد كان هذا الفهم يعد من الأمور البديهية لدى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فعندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل واليًا إلى اليمن سأله: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء ؟ قال: بكتاب الله، قال فإن لم تجد ؟ قال: بسنة رسول الله ، قال: فإن لم تجد ؟ قال: أجتهد رأيي (114) .
وقد أراد المستشرقون ـ بعد محاولاتهم الفاشلة للتشكيك في القرآن الكريم من جوانب مختلفة، وبعد أن أعياهم البحث ولم يكن لهذه المحاولات أي اثر إيجابي لدى المسلمين المتمسكين بقرآنهم، وتبين ان هذه المحاولات لم تكن إلاّ كما قال الشاعر العربي:
كناطح صخرة يومًا ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
أراد المستشرقون أن يوجهوا محاولات التشكيك إلى ناحية أخرى، أي إلى الأصل الثاني للإسلام وهو السنة، مع الاستمرار في محاولاتهم السابقة الفاشلة. وأول مستشرق قام بمحاولة واسعة شاملة للتشكيك في الحديث النبوي كان المستشرق اليهودي ( جولد تسيهر ) الذي يعده المستشرقون أعمق العارفين بالحديث النبوي.
ويقول عنه كاتب مادة ( الحديث ) في دائرة المعارف الإسلامية: ( إن العلم مدين دينًا كبيرًا لما كتبه( جولد تسيهر ) في موضوع الحديث ، وقد كان تأثير ( جولد تسيهر ) على مسار الدراسات الإسلامية الاستشراقية أعظم مما كان لأي معاصريه من المستشرقين، فقد حدد تحديدًا حاسمًا اتجاه وتطور البحث في هذه الدراسات ) (115) . ويلخص ( بفانموللر ) عمل ( جولد تسيهر) في هذا المجال فيقول: