إن المطلوب من المؤسسات المعنية بالمخطوطات ليس مجرد جمعها وإخراج عدد محدود منها إلى عالم المطبوعات، بل السعي الحثيث للتعريف بالمخطوطات بواسطة العلماء المتخصصين بالفنون التي تتناولها المخطوطات، وأن يتم ذلك بأقصى سرعة ممكنة، وذلك لتكوين رؤية واضحة للتراث المخطوط تمكِّن من تحديد الأولويات، وبذلك يتم ترشيد حركة تحقيق المخطوطات التي صارت تعاني من الفوضى وتفتقد حسن الانتقاء والتذوق العلمي السليم، فإذا كانت لدينا ثلاثة ملايين مخطوطة كما تذهب بعض الإحصاءات الحديثة في شتى الفنون؛ فينبغي أن ندرس أولًا ما إذا كانت تستحق كلها أن تبذل فيها الجهود للتحقيق والنشر.
إن المحقق قد يمكنه إخراج عشرة كتب في حياته ـ بالمتوسط ـ ومعنى ذلك أننا نحتاج إلى ثلاثمائة ألف محقق يمضون حياتهم لإخراج هذه المخطوطات!! وبالطبع فإننا لا نمتلك على صعيد العالم الإسلامي (1% ) من هذا العدد.
إن الطريقة المثلى تتمثل في اتباع الخطوات التالية:
1-حصر المخطوطات في سائر مكتبات العالم، والقيام بتصويرها بالتعاون بين المؤسسات المتخصصة، بحيث تتقاسم العمل وفق خطة شاملة، وأعتقد أن هذه الخطوة قد تم الشروع فيها، وحققت نجاحًا كبيرًا حيث تم جمع الكثير من المخطوطات أو صورها في مكتباتنا ومؤسساتنا المتخصصة؛ والمقصود إنجاز هذه المرحلة، والقيام بتبادل المخطوطات بين مؤسساتنا نفسها لتوفير نسخها المصورة بأعداد كبيرة تيسر الاطلاع عليها للباحثين والعلماء دون الحاجة إلى تكاليف السفر وجهده.
2-القيام بتصنيف المخطوطات وفق فنونها.
3-دعوة بعض العلماء والمتخصصين لدراستها، ونظرًا لأن معظمهم من الأساتذة الجامعيين فيمكن استضافتهم خلال إجازة الصيف، أو التوسط لدى جامعاتهم لانتدابهم للعمل لدى المؤسسات المعنية بالتراث لمدة شهر أو شهرين، ويكون عملهم: الاطلاع على المخطوطات، وتقويمها، والكتابة عنها؛ وينشر تقويمهم بصورة أولية لإطلاع المتخصصين الآخرين عليها، ثم تؤخذ ملاحظاتهم، ويعاد النشر بالصورة الأخيرة للقراء . .
4-تشكيل لجان عليا من كبار المحققين المتخصصين ـ في كل فن ـ لانتقاء المخطوطات المرشحة للتحقيق بناءً على الدراسات المذكورة في الفقرة الثالثة، ويلاحظ فيها الأهمية العلمية للمخطوطة، ومدى حاجة مكتبة الفن نفسه إليها.
إن بعض المخطوطات لا يخدم نشرها مكتبة الفن إذ يوجد في المطبوعات ما يغني عنها، بل إن بعضها مقتبس في كتب مطبوعة، وبعضها مؤلَّف من كتَّاب مغمورين لم يتمكنوا من تحقيق مستوى علمي مناسب في تخصصهم، وبعضها فيه من النقص والمسح والسقوط والتحريف والتصحيف ما يتعذر معه إخراجه مصححًا والإفادة منه في دراسات الفن الذي تخصص فيه.
إن مثل هذه المخطوطات ينبغي إهمالها وعدم إضاعة الوقت والمال والجهد فيها، لأن إحياء المخطوطات ليس هدفًا لذاته، بل وسيلة لخدمة المعرفة، فإذا كانت لا تضيف جديدًا إلى معلوماتنا فالأولى إهمالها.
ويمكن أن تقوم هذه اللجان بعمل هام آخر سوى تحديد الأولويات، وترشيد حركة التحقيق بانتقاء المخطوطات المرشحة للتحقيق؛ وهو أن تُجدول الأفكار والمعلومات في كل علم بحيث تنشر موسوعة الفكر والعلوم الشاملة لكل جوانب التراث الفكرية والاجتماعية والعلمية مما يؤدي إلى تقويم دقيق للتراث وتحديد مجالات الإفادة منه بدقة، وقد بادرت بعض المؤسسات العلمية لتبني هذا الاتجاه . . وهي خطوة رائدة تستحق التقدير . . من ذلك محاولة لتقويم الفكر التربوي العربي الإسلامي لعلاقته الوثيقة بمشاكلنا التربوية المعاصرة، إذ لاشك أن دراسة شريحة تاريخية ابتداءً من جذور نشأة المجتمع ومرورًا بعصور الازدهار الحضاري وانتهاءً بالواقع المتخلف مع دراسة نظرية التربية الإسلامية سيوقفنا على عمق مشاكلنا من ناحية، وجذورها التأريخية ثم حلولها التربوية التأريخية ومدى إمكان الإفادة منها ثانية في معالجة الواقع التربوي المعاصر من ناحية أخرى.
المشكلة الاجتماعية
إن إلقاء نظرة على بعض المشاكل التي تواجه المجتمع الإسلامي الحديث قد يعطي تصورًا أوضح للأهداف المتوخاة من مثل هذه الدراسات الجادة، للإفادة من التراث في حل المشكلات المعاصرة في جوانب الحياة المختلفة:
[1] المشكلة الاجتماعية:
إن النُذُر بتهدم الأسرة الإسلامية التي عاشت أربعة عشر قرنًا لم تعد تخفى على أحد من العقلاء والمفكرين . . وإن صور الحياة الغربية أخذت تستهوي الكثيرين وخاصة بعض الدارسين في الجامعات الغربية أو العاملين في الغرب، ولا شك أن توعية الجماهير ـ وليس تنبيه المثقفين فقط والحوار معهم ـ بأهمية بقاء الأسرة وأخطار تمزقها يبدو ضروريًا لتدعيم وجودنا الاجتماعي.
وقد بات من الضروري التأكيد على انتكاسة العلاقات الاجتماعية في ظل الحضارة الغربية بصورة خطيرة، خاصة في العقود الأخيرة من القرن العشرين، حيث صارت الحرية الجنسية تخترق حتى الأعراف والقيم التي اتفق عليها البشر على اختلاف أديانهم وبيئاتهم، مما يدل على أنها أصول فطرية، مثل: تحريم العلاقات الجنسية بين ذوي الأرحام القريبة... فقد أوصت لجنة من القضاة والمحامين الإنكليز بتعديل قانون المخالفات والجنايات الجنسية بالشكل الذي لا يحرم العلاقة بين الأشقاء إذا كان الطرفان فوق سن الواحدة والعشرين!
وجاء في تقرير اللجنة التي شكلتها الحكومة لمراجعة القانون قولها: (( إن تقديم الكبار في مثل هذه الحالات إلى المحاكمة ينطوي على قسوة لا ضرورة لها ) ).
ومن التوصيات الأخرى أن اللجنة تقترح محاكمة الزوج بجناية هتك العرض ـ أو الاعتداء ـ إذا أصرَّ على ممارسة حقه الزوجي مع زوجته (المنفصل عنها ) دون رضاها! وتوصي اللجنة بزيادة الحد الأقصى لعقوبة هتك العرض من سبع سنوات إلى السجن مدى الحياة (1 ) .
ولا شك أن سائر القرارات مبنية على مبدأ حرية الفرد بصرف النظر عن أية اعتبارات أخرى، وحتى لو تمثلت في العودة إلى حياة الغابة حيث تنزو الحيوانات بعضها على بعض دون قانون!
إن هذه التوصيات لم تصدر عن رعاع يتسكعون في الطرقات، ولا عن دور بغاء محترفة.. بل عن قضاة ومحامين تشعب رؤوسهم بالفلسفة المادية وأفكارها ومعطياتها؛ فارتُكِسُوا إلى هذا المستوى في التفكير والتصور للإنسان وعلاقاته. . وما ذاك إلاَّ لبعدهم عن هدى الله وانقيادهم للأهواء:
(ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلًا عظيمًا ) (النساء:27 ) .
وقد ظهرت نتائج هذه الشجرة الخبيثة سريعًا في مجتمعات الحضارة الغربية؛ فأحدث الإحصاءات تقول: إن أكثر من ثلث مواليد عام 1983م في نيويورك هم (( أطفال غير شرعيين ) )أي أنهم ولدوا خارج نطاق الزواج، وأكثرهم ولدوا لفتيات في التاسعة عشرة من العمر وما دونها، وعددهم (112353 ) طفلًا أي 37% من مجموع مواليد نيويورك!! (2 ) .
دور التراث في مواجهة المشكلة الاجتماعية
والسؤال هو كيف يمكن أن نتخطى ذلك كله؟
وما هو دور التراث في مواجهة المشكلة الاجتماعية؟ إذ يلزمنا أن نحدد بوضوح ما نريده من التراث!:
نحن بحاجة إلى قيم أخلاقية ومثل عليا نرسي عليها قواعد حياتنا الاجتماعية، ونضبط بها سلوك الأفراد والجماعات، ولا شك أن الاعتماد على القيم السائدة ليس فيه كبير غناء، إذ أن القناعات القائمة صارت تزعزعها أعاصير الحضارة الغربية وقيمها الفلسفية والاجتماعية دون أن تتمكن من الصمود .. ذلك لأن بعضها توارثته الأجيال دون فحص لجدواه وصلاحه، ولا نستطيع إرجاع الكثير منها أصول صحيحة مستمدة من القرآن والسنة.